ايران والعراق والولايات المتحدة: أخطار ومخاوف متبادلة

حجم الخط
0

ايران والعراق والولايات المتحدة: أخطار ومخاوف متبادلة

د. بشير موسي نافعايران والعراق والولايات المتحدة: أخطار ومخاوف متبادلةأخيراً، ستكون هناك مباحثات امريكية ـ ايرانية حول العراق. الوساطات لعقد هذه المباحثات والتحضيرات لها لم تتوقف منذ زمن. ولكنها اليوم تزداد الحاحاً؛ سواء بالنسبة لطرفيها الرئيسيين أو للوسطاء العراقيين من المعسكر السياسي الشيعي. وهذه هي الأسباب.تواجه الولايات المتحدة في العراق هزيمة لم تتلق مثلها منذ الحرب الفيتنامية. فعندما تسقط كل مبررات الغزو، عندما تعجز قوات الاحتلال عن ضبط أمن البلاد واحتواء قوي المقاومة، عندما تفقد الادارة الامريكية في العراق القدرة علي التحكم في العملية السياسية، وعندما تزداد التكلفة المادية والبشرية لمشروع احتلال لا أفق ولا نهاية واضحة له، فهذه لا يمكن ان تكون الا هزيمة. ولكن واشنطن لا يمكن ان تسلم بالهزيمة بسهولة، فقد كان غزو العراق جزءاً من تصور امريكي جديد للعالم، تحتل فيه الولايات المتحدة نظرياً وفعلياً موقع المسيطر علي الشأن العالمي من خلال استعراض القوة وعزيمة تغيير الدول، ومن خلال التحكم بواحدة من أهم مناطق العالم اضطراباً وثروة وموقعاً استراتيجياً. كان المقصود بالعراق ان يكون شاهداً علي قوة النموذج الامريكي السياسي والفكري، ساحة لانتصار الحرية والديمقراطية في صيغتها الامريكية ـ الأوروبية، مصداقاً لعالمية اقتصاد السوق ولفعالية قيم الاستهلاك والسينما والفنون الامريكية. الاعتراف بالهزيمة في العراق سيترك أثره علي موقع الولايات المتحدة العالمي، وعلي الادعاء العالمي للنموذج الامريكي. أحد أهم وسائل التخلص من شبح الهزيمة هو تغيير الاستراتيجية الامريكية في العراق. وهذا ما تحاوله ادارة الرئيس بوش الآن.بنيت السياسة الامريكية في مطلع الاحتلال علي أساس التعامل مع العراقيين كسنة وشيعة وأكراد، بحيث تحطم قوة السنة، يعزز التحالف الاستراتيجي مع الأكراد، ويطور تحالفا مع الشيعة يساهم في بناء عراق امريكي التوجه ويساعد علي تقويض النظام الاسلامي في ايران. ولكن الأمور لم تسر طبقاً للتصور الامريكي. ولدت في أوساط السنة مقاومة صلبة، جعلت العراقيين السنة الرقم الأصعب في الوضع العراقي. لم تستطع القوي الشيعية الأقرب لواشنطن تأمين جذور شعبية لها؛ أما القوي الشيعية الأخري ذات الصلات الامريكية ـ الايرانية المركبة فلا يمكن أن تؤمن تماماً من واشنطن. وبينما عجزت الطبقة السياسية الجديدة عن وضع قواعد دولة حقيقية، انحدرت البلاد الي حافة الحرب الأهلية الطائفية. المراهنة الوحيدة التي أثبتت صدقيتها هي التحالف مع الأكراد، وذلك للوضع الخاص جداً في المنطقة الكردية. ولكن حتي هنا لن تلبث المطالب الكردية المبالغ فيها أن تضيف عوامل تفجير جديدة للوضع العراقي الانقسامي. بوصول الأوضاع الي ما وصلت اليه، بدأت المؤشرات علي تغيير في استراتيجية العمل الامريكي. يقوم التوجه الامريكي الجديد علي التراجع التدريجي عن النظام الطائفي لصالح قيام حكومة تآلف وطني، وعلي تحجيم سيطرة القوي الشيعية علي النظام الجديد لصالح مشاركة أوسع للقوي السنية. احدي الطرق التي يحاول الامريكيون في العراق انتهاجها هي منع الجعفري من استلام رئاسة الوزراء، أو اطاحة حكومته في أقرب فرصة ممكنة، واستبداله باياد علاوي. تستهدف هذه المراجعة محاصرة النفوذ الايراني المتزايد في العراق، لاسيما في العلاقة مع التيار الصدري، ومحاصرة المقاومة العراقية بادماج القطاع الأوسع من السنة العراقيين في النظام الجديد. وتستهدف اخراج العراق من المراهنة الايرانية علي مواجهة الضغوط الامريكية والأوروبية المتعلقة بالملف النووي الايراني. كما تستهدف تطمين الحلفاء العرب المتخوفين من الانهيار الطائفي والنفوذ الايراني في العراق، ودفع هؤلاء الحلفاء نحو بذل مزيد من الجهد لانجاح المشروع الامريكي. هذه هي الأهداف التي سيحاول الامريكيون تحقيقها من المفاوضات مع الايرانيين.ايران من جهة اخري ترغب في رؤية حلفائها يحكمون سيطرتهم علي الشأن العراقي، ولكنها تتخوف انفجار حرب أهلية طائفية في العراق. حرب أهلية طائفية ستضع طهران في موقع بالغ الحرج؛ فهي ان مدت يد العون للقوي الشيعية ستجد نفسها وقد تحولت من جمهورية اسلامية الي قوة شيعية توسعية، وتخسر بالتالي حلفاءها الكثر من القوي الاسلامية السنية. كما قد يؤدي الانفجار الطائفي في العراق الي اتساع نطاق الشرخ الطائفي في أنحاء المشرق العربي ـ الاسلامي كافة، وفي ايران نفسها. وتتخوف طهران من العبث الاستخباراتي الأنكلو ـ امريكي في المناطق الكردية الايرانية، وفي المناطق السنية جنوب شرقي ايران، وفي المناطق العربي الايرانية الجنوبية. هذا، ناهيك عن المعارضة الايرانية مختلفة القوي في الخارج، لاسيما مجاهدي خلق، الذين يتلقون رعاية امريكية خاصة ويشكلون هاجساً أمنياً دائماً للحكومة الايرانية. ولكن لايران مصالح في العراق، تتراوح بين الصلات ذات الطابع الاسلامي الشيعي، والخشية من قيام نظام حكم عراقي جديد معاد لايران، والخوف من ان يؤدي الاستقلال الكردي في العراق الي عودة المشكلة الكردية في ايران، الي المصالح الاقتصادية والنفطية. ايران، باختصار، تريد ان تكون شريكاً معترفاً به في رسم صورة العراق السياسية القادمة. واضافة الي ذلك كله، تأمل القيادة الايرانية في أن تفضي المباحثات مع الامريكيين حول العراق الي فتح باب المفاوضات حول قضايا التدافع الامريكي ـ الايراني، وعلي رأسها الملف النووي. فليس من الممكن ان لا يؤثر التفاهم بين الطرفين في العراق علي ملفات الخلاف الأخري.أما الأطراف العراقية السياسية الشيعية فتتباين في موقفها من المفاوضات الامريكية ـ الايرانية تباينها في الكثير من المسائل. ولكن من الضروري عدم المبالغة في هذا التباين، نظراً لأن هذه القوي تجد في ايران حليفاً استراتيجياً مهما كانت الاختلافات حول التفاصيل. جاءت الدعوة الي حوار امريكي ـ عراقي حول العراق من السيد عبد العزيز الحكيم، زعيم أكثر القوي العراقية السياسية الشيعية ارتباطاً بطهران. ولكن هذه الدعوة ليست بنت لحظتها، فقد تداولتها قيادات سياسية شيعية طوال أكثر من عام؛ كما أنها وجدت قبولاً مبدئيا لدي السفير الامريكي في بغداد ورؤسائه في واشنطن من قبل. هدف الحكيم ومن أيد فكرة الحوار من القيادات السياسية الشيعية هو اخراج عامل التوتر الامريكي ـ الايراني من الساحة العراقية، مما سيساعد علي محاصرة المخاوف الامريكية من القوي السياسية الشيعية ويعود بالسياسة الامريكية الي ما كانت عليه في مرحلة الاحتلال الأولي، أي افساح المجال لسيطرة القوي السياسية الشيعية علي النظام العراقي الجديد. كما يخدم الحوار في محاصرة المأزق الذي قد تواجهه هذه القوي ان انفجر الخلاف الامريكي ـ الايراني، ووجدت نفسها أمام خيار مساندة ايران وخسارة الامريكيين في العراق، أو الامتناع عن الوقوف الي جانب ايران والوقوع كلياً في أسر القرار الامريكي. وليس من المستبعد ان تكون لدعوة الحكيم أهداف سياسية شيعية داخلية، بمعني تعزيز الوضع المهتز للمجلس الأعلي في مواجهة الصعود الحثيث لتيار الصدر. بلعبه دور الوسيط الصغير بين الايرانيين والامريكيين، يقدم الحكيم خدمة ملموسة للطرفين ويظهر في الساحة العراقية الشيعية بمظهر القوة ذات المصداقية السياسية.المعارضة التي وجدتها دعوة الحكيم من التيار الصدري هي معارضة مفهومة. فالتيار الصدري، من ناحية، يتحسس ضيق الحكيم بتعاظم قوته؛ كما أنه يرغب بالفعل، وبالرغم من كل التجاوزات الطائفية للمنتمين الي التيار، للعب دور وطني. ولم تخف علي الصدريين الصبغة الطائفية لقيام الحكيم بتوجيه الدعوة الي الحوار الامريكي ـ الايراني، كما لم تخف عنهم ما تستبطنه الدعوة من خدش في ولاء الحكيم العراقي الوطني. اذ كيف لعراقي مسؤول ان يلعب دور الوسيط في عقد مفاوضات بين دولتين خارجيتين حول الشأن العراق؟ ونظراً لأن الدافعين الطائفي والوطني هما ما حرك المعارضة السياسية السنية لخطوة الحكيم، فقد أراد الصدريون اظهار تضامنهم مع المخاوف السنية. بغير ذلك، فليس لدي التيار الصدري معارضة جوهرية لفكرة المفاوضات الامريكية ـ الايرانية، طالما انها لن تتطرق الي موازين القوي الشيعية السياسية نفسها.مثل هذا التضارب في الأهداف والمخاوف والتصورات ليس من السهل التغلب عليه. ثمة رغبة امريكية ـ ايرانية في تجنب الحرب الأهلية؛ ولكن ما عدا هذه الرغبة فان أهداف الطرفين في العراق تبدو متناقضة الي حد كبير. والي جانب هذا التناقض تبرز مصالح القوي الشيعية السياسية في العراق، التي تتباين مع الاستراتيجية الامريكية الجديدة ويصعب ان يتصور قيام ايران بعقد اتفاق مع الامريكيين علي حسابها. هذا اضافة الي المخاوف السنية العراقية، ومعارضة قوي المقاومة، والقلق العربي الرسمي، حتي في العواصم الصديقة لواشنطن. مهما بلغ اختلاف القوي والشخصيات العراقية السنية، وتباين خلفياتها ووجهات نظرها، فمن الواضح ان الوعي العراقي السني الجمعي هو وعي عراقي وطني، وان السنة ينظرون لأنفسهم بصفتهم حماة الكيان العراقي ومصالحه. وبالنظر الي التاريخ القلق والمعقد للعلاقات العراقية ـ الايرانية، يجد المعسكر السني صعوبة في تقبل الدور الايراني أو في امكانية تقاسم المصالح بين ايران والولايات المتحدة في العراق. أما الدول العربية المعنية، التي استجابت للضغوط الامريكية بالابتعاد عن التدخل في الشأن العراقي الا من النافذة الامريكية، فليس لها ان تلوم الا نفسها. فقد ترك الصدام الكبير بين الاحتلال والمقاومة فراغاً سياسياً في العراق، كان لابد للقوي الاقليمية ان تحاول تأمين مواقع لها فيه. وبينما عملت ايران علي تعزيز مواقعها في العراق بكل الوسائل، نأت الدول العربية بنفسها عن الساحة العراقية. ولكن أحداً لا يجب ان يقلل من حجم ردود الفعل العربية ان توصلت المفاوضات الامريكية ـ الايرانية الي تفاهم يهدد انتماء العراق العربي، أو يؤسس لأزمة طائفية في كل المنطقة. وبالرغم من التهاون العربي الرسمي أمام الضغوط الامريكية، فواشنطن لا تزال في حاجة ماسة للتعاون العربي في العراق.كل هذا يجعل امكانية التوصل الي تفاهم امريكي ـ ايراني في العراق مسألة بالغة الصعوبة. ولكن التفاهم ليس مستحيلاً. ما قد يجعل عقد صفقة بين الطرفين ممكناً ان تكون مخاوفهما الحقيقية أكبر من تقديرات المراقبين. بمعني ان يكون الاحساس الامريكي بالتورط والهزيمة في العراق أكبر بكثير مما يبدو، وأن تكون المخاوف الايرانية من الخطر الامريكي ـ الأوروبي علي كينونة الجمهورية وتماسكها الداخلي أكبر بكثير مما تبدو. عندها ستكون المنطقة كلها مقبلة علي عهد جديد، لن يقل اضطراباً وتدافعاً من الوضع الراهن، ولكنه مختلف علي أية حال. 9

mostread1000000

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية