ايران وعدم الانسجام في خطاب التصدي والممانعة

حجم الخط
0

ايران وعدم الانسجام في خطاب التصدي والممانعة

عبدالسلام بنعيسيايران وعدم الانسجام في خطاب التصدي والممانعة يتمني كل عربي للعلاقات الايرانية ـ العربية ان تكون علي احسن ما يرام. نحن امام امتين جارتين تربطهما اواصر الاخوة الاسلامية، والتطلع الي بناء كيانين قويين ومستقلين عن الهيمنة الامريكية، وتجمعهما اشكال وصيغ للتعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.. وان يتم التعاون علي اساس الاحترام المتبادل، ولما فيه مصلحة الشعوب الايرانية والعربية. الحرب العراقية ـ الايرانية كانت لحظة تاريخية قاسية مريرة، نتمني انها طويت الي غير رجعة. اذا كان العرب ينظرون الي ايران الثورة بعين التعاطف ويقدرون لها وقوفها الي جانب القضية الفلسطينية، واغلاقها السفارة الاسرائيلية، وتحويلها الي ممثلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم الي سفارة للسلطة الفلسطينية لاحقا، واذا كانت المساندة الايرانية لحزب الله في مواجهته لاسرائيل تحظي بتقدير من الشارع العربي عموما، فان السياسة الايرانية في العراق تثير الكثير من القلق، ان لم نقل الغضب والاحباط من طرف الشعوب العربية.سياسة ايران ازاء القضية الفلسطينية والمقاومة اللبنانية ليست لها اي علاقة بالسياسة التي تتبعها ايران في العراق. في آخر خطبة للجمعة في جامعة طهران، هاجم المرشد الاعلي للثورة الاسلامية آية الله خامنئي اطرافا في لبنان وفلسطين، واتهمهم بالعمل لانجاح المشروع الامريكي الهادف الي ضرب حزب الله والقضاء علي حكومة حماس ، ووصف هؤلاء بانهم مأجورون واذلاء للشيطان الاكبر .ففي هذا الجزء من الخطبة يرفض خامنئي من موقعه كأعلي سلطة في ايران، تصرفات بعض المسؤولين العرب الذين يريدون التعامل مع الامريكيين، وفقا للاجندة التي تُرسم في البيت الابيض، ويسعون لتمرير مخططات الادارة الامريكية في المنطقة، ويقدح في هؤلاء بعبارات رنانة وقوية، ولا يقبل اي تبرير او مسوغ يصدر عنهم في تعاطيهم المتساهل مع المشاريع الامريكية في المنطقة.فتبعا لهذه الخطبة، فان خامنئي حاسم وجازم مع الذين يشككون في المقاومة اللبنانية او الفلسطينية، ولا يتورع عن اتهامهم بالمأجورين والعملاء، ويدعو، تأسيسا علي ذلك، الي نبذهم والتصدي لسياستهم، وعدم القبول بمنطقهم. فمواجهة المحتل الاسرائيلي، ومقاومته بكل الاساليب، وعلي رأسها المقاومة المسلحة، هي الوسيلة الوحيدة المثلي والممكنة للتعامل مع هذا المحتل، كما يقول المرشد الأعلي للثورة الاسلامية.اذا كان خامنئي حاسما فيما يخص كيفية التعاطي مع الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين ولاجزاء من لبنان، واذا كان يحض علي مقاومة المحتل الاسرائيلي لاجباره علي تجرع الهزيمة، والرحيل من فلسطين، واذا كان يرفض اي صيغة من صيغ القبول بهذا الكيان، ويري ان الخيار الوحيد الممكن للتعامل معه يتحدد في مقاومته لطرده من المنطقة.. فان هذا الخيار يتغير بالنسبة للمرشد الروحي للثورة الاسلامية عندما يتعلق الأمر بالعراق والمقاومة الموجودة فيه، هذه المقاومة التي تصارع هي ايضا المحتل الامريكي من اجل طرده من وطنها. يتحدث خامنئي عما يجري في العراق ويصفه بـ جهود في الساحة العراقية لزلزلة الأمن ودفع البلد تدريجيا الي فتنة طائفية واظهار الحكومة المنتخبة من جماهير الشعب بمظهر عدم القدرة علي ادارة الأمور . هذا الكلام المطلق علي عواهنه يقفز علي حقيقة ان الذي يدفع البلد الي فتنة طائفية هي قوات الاحتلال والميليشيات التي انشئت في ايران وتدربت فيها، فهذه الميلشيات هي التي تقتل العلماء، والاطباء، والمهندسين، والطيارين العراقيين، وهي التي تحتمي بها الحكومة العراقية المزعومة، وتجعل منها سيفا بتارا لتمزيق العراق وتشتيته الي دويلات قزمية..لا نعلم اي انتخابات يقصدها السيد خامنئي عندما يشير الي ان الحكومة العراقية الحالية منتخبة من جماهير الشعب، فمتي كانت انتخابات المحاصصات الطائفية التي تجري تحت امرة المحتل، ومن اجل تزكية استمراره محتلا للأرض، معبرة عن ارادة الجماهير! الواقع العراقي الحالي يقول ان الحكومة القائمة في بغداد معزولة عن الشعب، ولا يستطيع اعضاؤها مغادرة المنطقة الخضراء المحمية بجنازير المحتل.. حكومة يحميها المحتل وتأتمر بأوامره، لا يمكنها ان تكون حكومة مجسدة لارادة الشعب. انها واجهة للاحتلال، والمأزق الذي توجد فيه هذه الحكومة تجسيد لمأزق المحتل، ولذلك فانها لا يمكن ان تكون الا حكومة غير قادرة علي ادارة الامور، بسبب افتقادها للدعم الشعبي، الدعم الذي تحظي به كل حكومة منبثقة عن ارادة الشعب ومعبرة عنها.يقول المرشد الأعلي للثورة الاسلامية ان اظهار الحكومة العراقية بمظهر عدم القدرة علي ادارة الأمور هو محور السياسة الامريكية في العراق. انهم (الامريكيون) يريدون ان يبرروا وجودهم العسكري، وان يوفروا الارضية لسيطرة حكومة عميلة . الوقائع علي الارض تقول عكس ذلك، فالذي يبرر للامريكيين وجودهم في العراق هو هذه الحكومة، فهي التي ترفض مناقشة مجرد مبدأ جدولة انسحاب القوات الامريكية، انها تتمسك بتلك القوات، وتدافع عن استمرار وجودها في العراق، وتبرئها من كل المجازر والمذابح التي ترتكبها في حق العراقيين.. حتي ان الناطق الرسمي باسم حكومة المنطقة الخضراء علي الدباغ نفي ان يكون عدد ضحايا الحرب التي شنتها امريكا علي بلده العراق تجاوز 650 الف قتيل، كما اكدت ذلك مصادر طبية، وفقا لاستقصاء علمي دقيق اجرته في العراق، واعتبر ان العدد مبالغ فيه..فهل هناك من حكومة عميلة يمكنها ان تقدم للامريكيين اكثر مما تعطيهم هذه الحكومة؟ الذين جاؤوا علي ظهور الدبابات الامريكية يقولون انهم حرروا العراق، وان وطنهم يتمتع بالسيادة الكاملة، وان وجود القوات الامريكية في بلدهم يتم برضاهم، ويرفضون اعتبارها قوات احتلال، ويصرون علي تسميتها بالقوات المتعددة الجنسيات، بل انهم جعلوا من يوم سقوط بغداد بين ايدي المحتل عيدا وطنيا. اذا كان السيد علي خامنئي يعتبر حكومة من هذا النوع وطنية، وان الامريكيين يريدون استبدالها بحكومة عميلة، فاننا لا نملك الا ان نتساءل عن ما هي المقاييس التي تتحدد في ضوئها الحكومة الوطنية من الحكومة العميلة؟لقد اعتبر مرشد الثورة الاسلامية ان الحل للخروج من هذه الحالة لن يكون الا بخروج الاحتلال الامريكي ووقف تدخله غير المحدود في جميع شؤون العراق وفي مهمات الحكومة ومجلس النواب . ولكن لماذا لا تدعو الحكومة العراقية العتيدة والوطنية، وفقا لخطاب السيد خامنئي، الي خروج المحتل من العراق، لماذا تسمح للاحتلال الامريكي بالتدخل السافر في جميع شؤونها؟ اذا وجه مواطن عراقي او عربي الي القوات الامريكية تهمة التدخل في شؤون الحكومة العراقية، فان هذه الحكومة سترد عليه بابواقها المتعددة، بان اتهامه باطل ومغرض، وانها تتصرف في جميع شؤون البلد من منطلقات وطنية وسيادية.وبخصوص مجلس النواب الذي يريد خامنئي من الاحتلال الامريكي عدم التدخل في اختصاصاته، فالواضح هو ان هذا المجلس غير مشغول بهذا التدخل الامريكي في اختصاصاته، وبالمجازر المروعة التي تركب في حق العراقيين، وبالتفتيت والتقسيم الذي يتعرض له العراق، انه مشغول في هذه الايام بسحب الحصانة عن النائب مشعان الجبوري.الملفت في خطبة السيد خامنئي هو انها لم تتطرق الي الاكتساح الاسرائيلي للعراق، خصوصا في كردستان، فالتقارير الصحافية تتحدث عن شبكات واسعة للتجسس وللاغتيالات تم انشاؤها من طرف الموساد الاسرائيلي في العراق، وان هذه الشبكات الاسرائيلية الاستخباراتية تقوم باعمال قذرة وترتكب جرائم متعددة ضد العراقيين، الا يزعج الثورة الايرانية ان يكون بجوارها في العراق تواجد كثيف للمخابرات الاسرائيلية؟ هل هذا التواجد مزعج لايران وينبغي ان يحارب هو والقائمون عليه، عندما يكون بعيدا عنها في لبنان وفلسطين، في حين انه لا يثير الحساسية والقلق لدي ايران عندما يصبح بالقرب منها في العراق؟لا نطلب من الثورة الايرانية مساندة المقاومة العراقية ومدها بالمال وبالسلاح كما تقوم بذلك مع المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، ولا نريد منها مقاطعة الحكومة العراقية المنصبة من طرف المحتل الامريكي، ولكننا نتوقع منها كعرب عدم الاستخفاف بعقولنا، بوصف الحكومة العراقية الحالية امامنا بالوطنية، وان تضع مسافة معقولة بينها وبين المشروع الامريكي الهادف الي تجزئة العراق وتفتيته، وان لا تتصرف بمنطق الساعي الي السيطرة علي اجزاء من هذا البلد تحت مسميات مختلفة.. فبسلوكها هذا، تبدو ايران في نظر الجماهير العربية، غير منسجمة في خطابها الداعي الي مقاومة الهيمنة الامريكية علي المنطقة، والتصدي للاحتلال الاسرائيلي في فلسطين ولبنان، وغير مختلفة عن امريكا واسرائيل في نزعتهما الاحتلالية.وقد يشكل عدم انسجام خطاب وسلوك ايران، غطاء مناسبا للانظمة الرسمية العربية للركوب عليه، وتوظيفه لتسويقه وسط الشعوب العربية، كحجة او كادعاء، للمشاركة في اي حملة قد تخوضها امريكا ضد ايران من اجل تدميرها، تماما كما جري للعراق. ولعل هذا هو المآل الذي لا يتمناه ولا يريده الشارع العربي للثورة الاسلامية الايرانية. صحافي من المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية