مجرد نفي الانحياز هو انحياز ما لشيء اخر، ومن باب المقاربة المنطقية هنا فان دول حركة عدم الانحياز، منحازة برغم نفيها للانحياز ذاته، وعلى الرغم من تحول فكرة النفي تلك الى عنوان براق لمنظمة واسعة الانتشار عالميا، ولا يتفوق عليها عدديا غير منظمة الامم المتحدة، حيث اصبح عدد الدول المنضوية تحت رايتها ما يقارب 120 دولة، ومن الاتجاهات الجغرافية الاربعة، فأن جلها غارق بالانحياز حتى اذنيه!ايام الحرب الباردة والاستقطاب الدولي الحاد بين حلفي الاطلسي ووارسو، وبالتالي بين امريكا والاتحاد السوفياتي، اكتسبت شعارات الحركة، الحياد الايجابي، وعدم الانحياز، والطريق الثالث، نوعا من الولوج والتميز، فالتناسب القطبي وفر هامشا من الحرية الوسطية لحركة القوى والدول غير المستقطبة بعد، وجعلها تبحث عن ذاتها مستفيدة من تناقضات القوى العظمى، ونال هذا المنحى قبولا شعبيا لدى الدول المتحررة حديثا، وامتد ليصل لدول محسوبة ايديولوجيا على احد المعسكرين كالصين ويوغسلافيا والتي كانت ترى بان هناك طريقا ثالثا غير السوفياتي والامريكي يجب ان تسلكه الدول غير المنضوية بالاحلاف العسكرية وخاصة دول ما سمي وقتها بالعالم الثالث لاقامة مجتمع دولي تعددي ومتوازن، واضافة للدول المتحررة حديثا كالهند ومصر واندنوسيا، تسترت فيما بعد بهذه الحركة دول مرتبطة حتى النخاع بالمعسكر الغربي، كالسعودية وبعض الدول الافريقية والامريكية اللاتينية!شهدت فترة نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات ذروة الانطلاقة لهذه الحركة والتي انتعشت امالها بعد توسعها الافقي الكاسح والذي تحقق على مدى عقد السبعينيات من القرن الماضي نتيجة للانهيار الكامل لنظام الاستعمار الكولونيالي القديم وظهور دول جديدة تتمتع بالاستقلال السياسي. منذ مؤتمر الحركة التأسيسي الذي عقد في بلغراد عام 1961 وحتى مؤتمر قمة طهران الجاري عقده حاليا عقدت دول حركة عدم الانحياز 15 مؤتمرا للقمة، وكانت ومازالت هذه المؤتمرات وغيرها من انشطة الحركة السياسية تشكل اضخم تجمع معنوي عالمي له ثقله الدبلوماسي، حيث تشهد لتنسيقياته قاعات الامم المتحدة وخاصة الجمعية العامة والمنظمات المتخصصة، فقد لعبت الحركة دورا تعبويا لا يستهان به لنصرة القضايا العادلة والمستعصية كقضية فلسطين والنظام العنصري في جنوب افريقيا، وكانت منبرا للتضامن مع حركات التحرر الوطني في كل اصقاع العالم، وبقي تاثيرها الدولي اسيرا لهذا المنوال حيث لم يكن للحركة دورا يذكر في التأثير المباشر على قرارات مجلس الامن التي بقيت حكرا على الدول الكبرى!بعد انتهاء الحرب الباردة، وبداية التفرد الامريكي بقيادة العالم، انتهى عمليا الدور النمطي الذي كانت تلعبه حركة عدم الانحياز بما له وعليه، ولم يتبق منه الا الانشطة البروتوكولية ومنها دورية قممها التي اصبحت منبرا للخطابة المكررة، والتوصيات غير الملزمة والبيانات غير النافذة، برغم محاولات بعض الدول المتحمسة وخاصة بعض دول امريكا اللاتينية لاعادة صياغة دور جديد للحركة، التي يجب ان تنحاز اولا واخيرا الى ذاتها من خلال المساهمة باعادة رسم ملامح العالم بعد الحرب الباردة، عالم لا املاءات فيه ولا امتيازات فيه لدول على حساب اخرى، عالم يتجاوز الحقوق المكتسبة للدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية باتجاه حقوق شاملة كاملة ومتساوية ومتضامنة لكل شعوب ودول العالم وعلى حد سواء، عالم يلتزم ماديا وروحيا بالقوانين الدولية دون انتقائية ومركزية.لقد مضى ما يقارب العقدين على النهاية المتراكمة للحرب الباردة، والتي حاول الطرف الامريكي ابتزاز نتائجها من خلال تقديم نفسه كمنتصر اوحد وبحقوق مكتسبة تجعله يتمادى في هيمنته وعنجهيته ومحاولاته لاستعباد العالم وجره الى حيث يريد.مؤتمر قمة طهران لدول عدم الانحياز يمكن ان يشكل اسهامة جادة بهذا الاتجاه، لو تخلى منتسبوه عن تبعيتهم، ولو صارت قراراتهم نابعة من ارادتهم، ولو استوعب المشاركون فيه حجم التحديات القائمة والتي لا تستثني احد، وبالتالي تستدعي فعليا السير الحثيث لاقامة نظام دولي تعددي خالي من التفرد والاقصاء والتمييز، ولو ربط المشاركون فيه بين الازمة القائمة والحرب المقنعة الناشبة فعليا في منطقة الشرق الاوسط وبين السياسات المتجنية للغرب عموما وامريكا خصوصا على دول وشعوب العالم عموما والشرق الاوسط خصوصا حيث النفط واسرائيل، ولو سار مساره بالمكاشفة المتضامنة والتي ستكون خير دواء لمعالجة التوترات البينية والاقليمية والدولية.لو رفضت كل الدول غير المنحازة وجود قواعد عسكرية اجنبية على اراضيها ولو سعت جديا لاخلاء المنطقة وبشرط التلازم الزمني من كل اسلحة الابادة الجماعية وعلى راسها الذرية، ولو اعطت المثل في التخلي عن سياسات القوة والاحتواء والقضم والتهديد، ولو كان كل ذلك قد تحقق بفضل قمة طهران، لاتسق اسم عدم الانحياز على المسمى، وسيكون هذا المؤتمر حقيقة انجح مؤتمرات الحركة منذ تاسيسها وحتى الان.فهل ستكون ايران رئيسة القمة الـ16 لدول حركة عدم الانحياز قادرة على اعطاء قوة المثل والدفع باتجاه التضامن الاقليمي ومن ثم التضامن الدولي بوجه القوى الدولية المهيمنة والتي تستهتر بمصالح شعوب المنطقة والعالم؟هي ستكون قدوة فعلا لو تخلت عن احتلالها للجزر الاماراتية، ولو ربطت جديا ايقاف مشروع مفاعلاتها النووية بايقاف العمل بالمفاعلات الاسرائيلية، ولو سعت فعليا لعدم الاضرار بمصالح دول المنطقة والتوسع على حسابها، اي التوقف عن قضم اراضي العراق وتقزيم حصصه المائية ومحاولة وضع اليد على بعض حقوله النفطية الحدودية والتدخل غير المشروع بشؤونه الداخلية.جمال محمد تقي