ايران و القاعدة تقودان الارهاب العالمي واذا دُفعت طهران الي الحائط فقد تشن حملة ارهاب تطوق العالم

حجم الخط
0

وزارة الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات الايرانية جهتان تحملتا مهمة تصدير الثورة

توجد اليوم جهتان تقودان الارهاب العالمي، ايران هي الجهة الاولي. لا خلاف أن ايران منذ أكثر من عشرين سنة هي الدولة التي تؤيد الارهاب الأغلب. الجهة الثانية هي منظمة القاعدة. من بين المنظمات الارهابية، لا شك في أنها المنظمة التي تقود الجهاد العالمي.

ان العلاقات المتبادلة بين هاتين الجهتين القائدتين ـ الجهاد العالمي وايران ـ موضوع مركب، واعتقد أنه يجب صرف الانتباه اليه، لان الخبراء احيانا يطرحون الموضوع بسهولة نسبية بقولهم ان هؤلاء شيعة واولئك من أهل السنّة، ولهم أجندات مختلفة. لكن عندما نفحص الموضوع بمنظار تاريخي تكون الصورة مخالفة تماما.

ابتدأ المساران، أو الظاهرتان في الوقت نفسه تقريبا. في شباط (فبراير) 1979 حدثت الثورة الاسلامية في ايران. أحدثت الثورة في العالم الاسلامي وعند المتطرفين المسلمين مهما كانوا، احساسا بأنه يمكن إحداث ثورة، وتمكن هزيمة حاكم قادر علي كل شيء تقريبا، ويتمتع بتأييد قوة كبيرة، وأنه اذا كان يمكن فعل ذلك في ايران فانه يمكن ذلك ايضا في اماكن اخري. بعد ذلك بشهور غير كثيرة، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1979، عندما غزا الاتحاد السوفييتي افغانستان المجاورة من اجل انقاذ نظام الحكم الموالي للسوفييت، ابتدأ الجهاد في افغانستان وابتدأت في جانبي الحدود عملية عولمية.

من جهة الأجندة الايرانية، لم يُعرف الخميني منذ البدء الثورة أنها ثورة ايرانية أو ثورة شيعية، بل ثورة اسلامية، وقد عملت ايران من اجل تصدير الثورة. وكما قال الخميني لا تعرف الثورة حدودا. ان عولمة النشاط الايراني عملت من الداخل الي الخارج. في افغانستان المجاورة كانت العملية معاكسة أي أن الدعوة الي المجيء لمساعدة المجاهدين الافغان في حرب الاحتلال السوفييتي أحدثت اتجاها معاكسا للعولمة، واحتشادا للعناصر الأكثر تطرفا من أنحاء العالم التي جاءت لتشارك في الجهاد.

ثمة علامة طريق رئيسية اخري في نفس الأمد من السنين هي انتهاء الحرب الطويلة بين ايران والعراق في 1988 . كانت تلك الحرب سببا لاعمال ارهابية كثيفة جدا لايران من اجل تقديم أهداف لم تستطع تقديمها بوسائل اخري. في 1989 توفي الخميني وصعد نظام خامنئي ورفسنجاني، الذي يبدو نظاما أكثر اعتدالا، أي أننا عندما ننظر في احصاء الارهاب الايراني، نري أنه يوجد في هذه السنين انخفاض ما لجزء من المركبات. هذه هي السنون التي حُلت فيها مشكلات الرهائن الغربيين في لبنان، وكانت ايران أشد حذرا في نشاطها الارهابي. وكان ذلك ايضا زمن انتهاء الحرب في افغانستان، مع خروج السوفييت، وقد حدث في الحقيقة تبادل لنوبات الحراسة أو تبادل للأدوار، واحتلت منظمة القاعدة مكان الصدارة في الساحة الدولية، وهي التي أُقيمت في 1988 وأصبحت الجهة الرائدة في العالم.

هاتان الجهتان ـ القاعدة وايران، تختلفان جدا بعضهما عن بعض: فمن جهة نري دولة، ومن جهة ثانية منظمة ليست دولة. من الواضح أنه عندما يستقر رأي دولة علي أن الارهاب أداة مشروعة، وأنه يجب استعمالها، فان قدراتها في هذا الشأن غير محدودة تقريبا. أُقيمت في ايران وزارتان، وزارة الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات، وهما جهتان تحملتا مهمة تصدير الثورة.

ولما كانت الثورة لم تتغلغل الي العالم العربي بمباركة السلطات المحلية، فقد تم استعمال أدوات دس وأدوات ارهاب، وعرفت هذه الجهات كيف تفعل ذلك. تم الأمر في ثلاثة صُعد: الاول، بسط الرعاية الايرانية علي المنظمات الارهابية أيا كانت ـ كل من هو مستعد للحصول علي مساعدة ايران ومباركتها، مثل المنظمات الفلسطينية علي اختلافها. وفي الصعيد الثاني، اقامة منظمات من قبلها مثل حزب الله. في هذا المقام نقول ان منظمة حزب الله غير موجودة في لبنان فحسب. اقام الايرانيون منظمات كهذه في اماكن مختلفة. وفي الصعيد الثالث، ارهاب دولة ايراني، تم التعبير عنه قبل كل شيء بعلاج المغادرين الايرانيين. استمر علاجهم طول التاريخ الايراني، تحت سلطة رؤساء متطرفين ومعتدلين.

في الحق أن ايران تشغل نفسها بارهاب دولة منذ ما يزيد علي عشرين سنة، لكنني استطيع أن أشير الي حالات قليلة تم فيها اعتقال منفذين، وحوكموا، وتم الكشف عن النشاط الايراني. المثال الأبرز هو قضية ميكونوس في 1997 للقضاء علي جماعة من المغادرين الأكراد. اعتُقل المنفذون، وعُلم آنذاك أن اتخاذ القرارات في المسألة بلغ قمة السلطة الايرانية. ومثال آخر لحادثة حُقق فيها أكثر من عشر سنين هو العملية التفجيرية لمبني آميا في بوينس آيريس، وكنت أضم الي هذا ايضا العملية في سفارة اسرائيل.

لايران قدرات مذهلة جدا، تشتمل علي العالم، وتتضمن الاجهزة السياسية، ابتداء بالسفارات والبريد الدبلوماسي، وانتهاء الي شركة الطيران الايرانية، وشركات السفن، التي يمكن استعمالها استعمالا حرا تقريبا لاحتياجات هذه الاجهزة.

عندما ننظر في تطور الصلة بين منظمة القاعدة وايران، أقول انه في سني الحرب في افغانستان، حذرت ايران جدا من درجة استعدادها لمواجهة الاتحاد السوفييتي، ولهذا انحصرت المساعدة الايرانية في الأساس في المنظمات الشيعية في افغانستان. لكن بعد أن انقضت الحرب، تمت نقطة اللقاء الاولي والمهمة في 1991 في السودان. في 1989 تولي الحكم في السودان نظام اسلامي متشدد برئاسة حسن الترابي وعمر البشير. حددت ايران الطاقة الكامنة ودخلت الدولة. وصل ابن لادن ايضا السودان مع بنية تحتية للقاعدة بعد أن طُرد عن العربية السعودية، وهناك نشأ الرباط الاول بين ايران والقاعدة.

يعمل هذا الرباط من اجل تشجيع النشاط الارهابي في أنحاء العالم كلها، والمثال المثير للاهتمام هو الصومال. في 1998 وجدت في الصومال مشكلة انسانية. استعملت الولايات المتحدة قوات من قبل الامم المتحدة لمحاولة المساعدة. رأت ايران، والسودان والقاعدة هذه الاجراءات محاولة تغلغل امريكي في القرن الافريقي، ولهذا قررت العمل في مواجهة الولايات المتحدة. تلقي ابن لادن جزءا من هذه المهمة ووصل مسؤولون كبار من القاعدة لاعداد جزء من المقاتلين الصوماليين. أما ما بعد ذلك من القصة فمعروف مقصوص في الكتاب والفيلم المشهور تحطم البلاك هوك. من المثير أنه بعد ذلك خرج ابن لادن يعلن أن الولايات المتحدة نمر من الورق، وقُتل سبعة عشر شخصا وانطوت عن الصومال، وكان ذلك مصدر وحي للاستمرار.

حدثت حادثة مثيرة للاهتمام اخري في نفس الفترة في السودان: في 1992 حاولت منظمة القاعدة تفجير فندق في اليمن، مكثت فيه فرق امريكية خرجت في عطل من الصومال. لم تكن العملية ناجحة، وأُثيرت فكرة التعلم من تجربة حزب الله. برعاية السودانيين عُقدت لقاءات بين مسؤولين كبار من حزب الله، كعماد مغنية كما يبدو، وابن لادن وآخرين. في أعقاب هذه اللقاءات خرج مسؤولون كبار من القاعدة الي لبنان، واجتازوا تدريبات وتعلموا من تجربة حزب الله، الذي كان قد أصبح قديما، منذ أكثر من عشر سنين في ذاك العمل ـ في 1983 فجرت المنظمة السفارة الامريكية في بيروت، ومقر قيادة القوات الفرنسية ومقر قيادة قوات المارينز. نحن نري النتائج في 1998، عندما فجرت القاعدة سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا.

هناك فصل مثير آخر غير معروف هو الوصل بين القاعدة وبين ايران في الملعب البلقاني. في 1992 بدأت الحرب في البوسنة والهرسك. اضطهد المسلمون هناك وهب العالم الاسلامي لمساعدتهم. كان اللاعبان الرئيسيان اللذان هبان للمساعدة، مع منظمات اسلامية متشددة اخري، هما ايران والقاعدة. في 1993 أُقيم في البوسنة لواء الحرس الثوري السابع، الذي كان تحت قيادة ايرانية وكان يقوم في أكثره علي مجندين من خريجي افغانستان، وخريجي منظمات ارهابية مختلفة. حتي نهاية الحرب في البلقان في 1995 وجدت عشرة أطر لوائية، بعضها ألوية بقيادة المجاهدين ـ خريجي افغانستان، وبعضها ألوية خليطة من البوسنيين المحليين والمتطوعين الاجانب. لا يتلخص التعاون في هذه الاماكن فقط. كان يمكن أن نري تعاونا مشابها ايضا في جنوب شرقي آسيا، في الأساس باقامة منظمات زكاة، منحت التمويل لمنظمات ارهابية لايران والجهاد العالمي. ومنطقة مثيرة للاهتمام اخري هي منطقة الحدود الثلاثة، وهي ملتقي الحدود بين البرازيل، والارجنتين وباراغواي، ومن هناك خرج منفذو العمليات الي العمليتين التفجيريتين اللتين ذكرتهما قبل في بوينس آيريس. توجد في هذه المنطقة البني التحتية، فهذه منطقة لا تسيطر عليها أية واحدة من الدول الثلاث، وهي تُستعمل مركزا للنشاط.

ان قضية اشتراك ايران مع القاعدة اثيرت بالطبع علي الفور بعد هجمة 11 ايلول (سبتمبر)، حققت لجنة تحقيق الكونغرس الامريكي في هذه القضية ايضا، ووجدت عددا من النقاط المثيرة للاهتمام. صحيح أن ايران لم تكن مُشارِكة مشارَكة مباشرة في المبادرة او في المساعدة علي تنفيذ العمليات، لكن مختطفي الطائرات الذين نفذوا العملية في 11 ايلول (سبتمبر)، خرجوا لحينه الي تدريبات في افغانستان. كان امامهم امكانان للوصول الي افغانستان، الطيران من طريق باكستان، (ولكن كانت توجد هناك رقابة امريكية جيدة نسبيا)، او المرور من ايران. منحهم الايرانيون امكان المرور من غير ختم جوازات السفر، بحيث استطاعوا المرور من ايران الي افغانستان، واجراء تدريبات وان يعود كل واحد الي المكان الذي أتي منه، بغير ابقاء معلومات عن مكان مُكثهم. هذا مثال واحد علي مساعدة ايرانية للقاعدة. في الفترة التي تلت 11 ايلول (سبتمبر) اشتد حذر ايران من ان تكون متصلة علي اي نحو بالقاعدة. لكنني أقول مع ذلك ان علاقتها كانت توترية. فمن جهة يمكث في ايران منذ عدة سنين عدد من مسؤولي القاعدة الكبار، محتجزين في ظاهر الامر. ليس واضحا اي نوع من أنواع الاحتجاز، لكن لا يوجد استعداد لمحاكمتهم او لتسليمهم. هل ستكون ايران مستعدة لتسليمهم بشروط ما؟ افترض أنها ستكون مستعدة لفعل ذلك عِوض ثمن مناسب. ألها مصلحة اليوم في فعل ذلك؟ يبدو أن لا. والي ذلك أقول ان كل دخول لجهات من القاعدة في الساحة اللبنانية، يتم هو ايضا، في شبه يقين بعلم ايران وحزب الله علي نحو ما، وهو الذي يعمل بتوجيه منه. هذه نقطة يجب تتبعها وان يُري أين توجد المصلحة الايرانية في هذا السياق. في الخلاصة: اليوم في إثر 11 ايلول (سبتمبر) يصرف الانتباه العالمي، وبحق، الي موضوع الجهاد العالمي والقاعدة. لا ريب في أن هذه المنظمة من أشد المنظمات فتكا التي عرفناها في التاريخ.

مع ذلك عندما نوازن بين قدرات منظمة كهذه وطاقة ايران الكامنة، اذا ما قررت وعندما تفعل ذلك أنها تريد استعمال الارهاب استعمالا واسعا ـ فان الحديث عن نشاط بمقدار مختلف تماما. لايران قوس واسعة جدا من امكانات استعمال سلاح الارهاب ولا أتحدث عن السياق الاسرائيلي فحسب، بل عن سياق أوسع، عن السياق العالمي. ستفضل ايران من جهة، اذا أردنا الحكم علي حسب تجربة الماضي، أن تعمل بمساعدة مفوض. من هذه الجهة لا شك أن الجهاد العالمي مفوض ملائم. هو أيضا مفوض مستعد في أي وقت. عندما يوجد تلاؤم للمصالح بازاء عدو خارجي، يوجد هذا التعاون. لهذا يجب الاخذ بالحسبان انه اذا دُفعت ايران الي الحائط، فان احد الخيارات التي تملكها هو حملة ارهاب تطوق العالم. أعتقد أن هذا من نوع التهديدات التي يحسن التفكير فيها سلفا لا بعد فوات الأوان.

د. شاؤول شايمركز بيغن ـ السادات ـ العدد 21. محاضر في العلوم السياسية وباحث كبير في مركز بيغن ـ السادات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية