ايفا هيسه نبوءة النسوية المتمردة في عصر الانشاءات

حجم الخط
0

ايفا هيسه نبوءة النسوية المتمردة في عصر الانشاءات

كانت انوثتها فجرا:فاروق يوسفايفا هيسه نبوءة النسوية المتمردة في عصر الانشاءاتمنتصف ستينات القرن العشرين ظهرت الفنانة الامريكية من أصل الماني ايفا هيسه (1936 ـ 1970) مثل نبوءة. كانت حياتها الشخصية سلسلة من الهزائم الفاجعة، غير ان ما فعلته في حياتها الفنية القصيرة التي لا تتعدي العشر سنوات قد وضعها الي جانب الفاتحين الكبار الذين جلبوا الي الفن الهام مواد جديدة، من أمثال (يوزف بويز وكلاوس اولدنبوري وبيير مانزوني وجان دوبوفيه). ليس هناك شيء في حياتي غير مفرط في تطرفه: صحتي الشخصية، وضعي الاقتصادي، عائلتي، حالتي كلها . تقول الفنانة وهي تستعيد شريط حياتها، ماشية بقلق جريء قريبا من الحافات: كان عمرها سنتين حين وضعت مع أختيها في قطار هارب الي هولندا، وحين وصلت الي امريكا برفقة أبويها، القت أمها بنفسها من النافذة لتموت بسبب ما عانته من وحشة المنفي التي سلمتها الي الكآبة، وحين تزوجت من نحات معروف يومها هو توم دويل، اكتشفت أنها أصبحت زوجة الفنان، وهو ما عني أنها لن تكون ذاتها ابدا، وفي الوقت الذي تخلصت فيه من هذا القيد فقدت أباها، أما حين تحقق لها ما كانت تصبو اليه من حرية في الحياة كما في الفن شخص الأطباء لديها ورما في الدماغ لتموت وهي لا تزال في عمر الرابعة والثلاثين. كانت تري في تجربة صديقتها الشاعرة سليفيا بلاث (المتزوجة من الشاعر تيد هيوز) نوعا من المرآة التي تشي بخبرة الم مشترك. شبيهتان التقيتا في الدروب التي تؤدي الي ابداع مختلف وموت سريع تسبقه حياة قابلة للعطب بيسر. تقول بصدد نزعتها النسوية المتشددة: أفضل طريقة لهزيمة التمييز في الفن تتم عن طريق الفن . وهذا ما نجحت هيسه في انجازه بعبقرية فذة. غ2فحين شرعت في دراسة الفن قادها معلمها جوزيف البيرز الي التقليلية، وهو أحد روادها، فاكتشفت في التقشف المادي ينابيع الهام روحي تثري رؤاها بتدفق يضيق به عالم المرئيات. وهو ما يبقي أعمالها علي درجة هائلة من التوتر الجارح، كما لو أن تلك الأعمال لم تكشف بعد عن كل ما تنطوي عليه أجسادها من ألغاز صلبة. وهو ما جعل النقاد ينسبون أعمالها الي ما بعد التقليلية، وهو وصف حذر يضعها ويضع تجربتها في موقع يتماهي مع الغياب، ذلك لان هيسه راهنت علي أقل القليل لتستخرج من خلاله ملامح حياة عصيبة خبرت عذاباتها، بالنسبة لها لم يكن الجمال هو الهدف، لقد كانت تتبع ايحاء أعصابها وحيوية شاعريتها. ذات مرة قالت عن أحد اعمالها لقد ترك منطقة القبح ليدخل في منطقة الجمال، وهذا ما لم اكن ارغب في أن أفعله . هيسه التي وجدت في الوصف سخفا فارقت الصورة بمفهومها التقليدي منذ أن كانت رسامة. اما حين تحولت الي النحت بشكل كلي وذلك بعد عودتها من المانيا عام 1965 (ذهبت الي هناك مع زوجها لتعمل في التصميم في أحد معامل النسيج لمدة سنة) فان عداءها للصورة صار مطلقا، حيث تعمق لديها الاحساس بالتشظي، وبما لا يمكن احتواؤه الا عن طريق التفكير الحدسي به. وهي في ذلك انما تعبر عن خبرة مستلهمة من تجربتين فنيتين تركتا أعمق الأثر فيها: مارسيل دوشامب ولويزا بورجوا. أخذت من الاول فكرته عن الفن الجاهز واستلهمت خيال الثانية في اسطرته الانثوية للأشياء. كانت التقنية التي استعملتها هيسه مزيجا من عالمي دوشامب وبورجوا، هو مزيج يكشف عن مزاج صارم يميل الي الاختزال الجاد، الذي لا يسمح بأي مرح ممكن. انثوية بورجوا الكامنة والمعبر عنها عضويا كانت تثير اعصابها، وهو ما جعلها تتشدد في صفاء مادتها، ذلك الصفاء الذي لا يقبل الشرح أو التأويل الرمزي. لقد كانت فكرة الجمال الذي تصنعه المرأة بالنسبة اليها هي فكرة الجمال المضاد. فلا رموز تحيل الي الأنوثة ولا سلوك يزعم الاختلاف بما يؤكد فلسفة الرجل عن الكائن المسلي بعذوبة. كان لدي هيسه ما تفعله هدما، لتعيد اللغة الي سياقها الانثوي، ولم تكن الأشياء المرئية سوي ذريعة لوصف ما لا يمكن وصفه.غ3ف(فنانة الانشاءات)، هذا اللقب الذي اطلقه بعض النقاد علي هيسه، انما يدفع بها في اتجاه مستقبل كان غامضا، حتي بالنسبة لمن ابتكر ذلك اللقب، وهو نبوءة لما يمكن أن ينتهي اليه الفن متأثرا بها. فبعد أن تحررت هيسه من النسيج الذي بدأت به سيرتها النحتية لتتجه الي مواد لا علاقة لها بالنحت كألياف الزجاج والبلاستيك الصمغي صارت الاشكال التي تستخرجها من خزائن الغيب تفارق حضورها الشكلي. تجريديات تتخذ من الجسد والطبيعة مصدرين تعود اليهما عن طريق الايحاء. غير أن الصنيع الفني لديها لم يكن يحافظ علي تماسكه العضوي دائما. لقد صارت تميل في نهايات حياتها القصيرة الي صياغة شعورها باقتراب الموت عن طريق دفع عناصر الصنيع الفني الي النفور والتخلي عن أي انسجام ممكن. وبالرغم من لغزيته فان صنيعها الفني لم يكن عاكفا علي ذاته، كان هناك دائما ما يدعوه مثل نداء الي التنزه خارج جسده. وهكذا صارت هيسه كمن يجهز فكرة للبناء. صارت تستدعي عناصر متناحرة لتقاوم أية قوة يخيل لها أن في إمكانها أن تكون مصدر انسجام متضاد. في أعمال هيسه الاخيرة عدوانية تتصف بالحميمية، حيث تتصل الأشياء بالكيانات التي تصدر عنها. وهو ما يعيدنا الي النسيج، تلك المادة التي تعلقت بها الفنانة في بداياتها. في انشاءاتها لم تسع هيسه الي اعادة بناء الأشياء، بقدر ما حاولت أن تستدرك معني الخطأ الذي يقيم في الفراغ. تلك المسافة التي تفصل بين الشيء ومغزاه، وهي ذاتها المسافة التي تفصل بين الانسان وتجربته. خبرة الالم هي كل ما بقي لديها من معني لحياة عاشتها من أجل أن تؤكد اختلافها. ومثلما وقفت بلاث الشاعرة خارج كل معني متداول للابداع النسوي، لتكون رمزا لولادة تيار النسوية في تلك السنوات الغاضبة، فان هيسه هي الأخري صارت رمزا لبحث مستقل عن حرية متوقعة خارج كل سياق محتمل: المجتمع كما الفن.شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية