نبيل ابو جعفر
عندما يقول آخر استطلاع للراي اجرته مؤسسة غلوب سكان بالتعاون مع جامعة ميريلاند الامريكية لصالح هيئة الاذاعة البريطانية ان 67 بالمئة من العالم مع انسحاب قوات الاحتلال من العراق.
وعندما تشير ارقام هذا الاستطلاع الذي اُجري في عشرين بلداً الي ان 75 بالمئة من الفرنسيين صوّتوا لصالح الانسحاب، وان الغالبية العظمي من الراي العام العالمي ـ بما في ذلك الولايات المتحدة ـ ضد سياسة بوش التي تتهرب من تحديد موعد لهذا الانسحاب حسبما صرّح دوغ ميلر رئيس مؤسسة غلوب، فماذا يمكن ان يقول الامريكان الذين يشعرون بوطأة استمرار احتلال قواتهم لبلد آخر وانعكاسات ذلك عليهم، وماذا يمكن ان يقول اكثر من الجميع شعب العراق المكتوي الاول بجرائم الاحتلال والمقاوم الاول له؟
الحقائق الكامنة وراء هذا الاستطلاع كانت ـ حتي قبل ان يصدر ـ السبب الرئيس دون منازع وراء زيارة بوش الاخيرة الي العراق، قبل اي نيّة لديه لتوجيه رسائل الي الآخرين، وقبل محاولة اثبات الوجود وتحقيق تقدّم علي الارض، او تحذير المالكي وانذار الايرانيين.. الخ.
السبب الداخلي اولاًلقد قرأ الكثير من الكتاب والمفكرين هذه الزيارة واجمعوا علي رؤي واهداف عديدة لها، ولم يختلفوا الاّ في التفاصيل، لكن معظم من كتب جعل السبب الداخلي الامريكي في المرتبة الرابعة او الخامسة من الاسباب مع انه الاول بامتياز.
لا احد يُنكر بالطبع ان هذه الزيارة قد جاءت بالتزامن مع ضرورة التخفيف من وطأة انسحاب القوات البريطانية، ومن ازدياد خربطة الوضع العراقي الداخلي، وتذبذب موقف ادارة بوش بين الوثوق بالمالكي ساعة، والتشكيك به وبقدرته علي الاستمرار ساعة اخري… الخ، لكن اهتزاز صورة الادارة وازدياد الاعتراضات الداخلية عليها، والانتقادات والتقارير المدنية والعسكرية ضد عنادها، وتراكم فشلها في وضع تصور محدّد لكيفية تصرّفها المستقبلي فيما يتعلق بجدولة الانسحاب، كان وما يزال هو الهاجس الاكثر ضغطاً علي اعصاب الرئيس الامريكي، بعد الهاجس الاساسي المتمثل بالمقاومة ـ خصوصاً مع اقتراب موعد التقرير الذي سيصدره البيت الابيض اواسط شهر ايلول الحالي عن العراق وتطوّرات الاوضاع فيه، ثم الاستراتيجية الجديدة التي سيتبنّاها بعد ان استمع الكونغرس الي تقرير الجنرال ديفيد بترايوس، رئيس اللجنة العسكرية المكلّفة بوضع تصوّرها حول ما يجري علي الارض، فضلاً عن تقرير مكتب المراقبة الحكومي الذي يتراسه ديفيد ووكر.
كل هذه الاسباب الداخلية المضافة الي ارتفاع حدّة المواجهة بين الديمقراطيين والجمهوريين، والخلافات داخل الجمهوريين انفسهم التي باتت تشبه الخلافات المتصاعدة داخل العائلتين الحاكمتين في السعودية والكويت، زادها وبالاً علي راس بوش صدور كتابين جديدين يؤكدان جوانب مخفيّة من عقليته واسلوبه في الحكم والتعامل مع الاحداث والاشخاص، وقد احدث احدهما ضجّة واسعة منذ اللحظات الاولي لنشر بعض ما ورد فيه، وهو للكاتب الصحافي روبرت دريبر ويحمل عنوان مؤكد تماماً: رئاسة جورج بوش. ولم تقتصر آثاره علي الضجّة الداخلية بشكل عام، بل اشعلت خلافات وجدال بين المسؤولين داخل ادارة بوش، وصلت الي قمة هرمها. فقد جاء في كتاب دريبر نقلاً عن الرئيس الامريكي قوله له في حديث مباشر بين الاثنين انه فوجيء بقرار حل الجيش العراقي، وانه كان يعتقد ـ كما جاء بالنص ـ بان السياسة تقتضي ابقاء هذا الجيش، وان حلّه كان خطأ. بمعني ان الذي اصدر هذا القرار وهو الحاكم الامريكي بول بريمر هو المسؤول الاول عنه وليس الادارة!
تكذيب الرئيسولما كان من غير المنطقي ولا المعقول ان يُفاجأ رئيس اكبر دولة بمثل هذا القرار، وان لا يتدخل لالغائه ـ ان اراد ـ حتي ولو فوجيء جدلاً به، فقد جاءه الرّد التكذيبي سريعاً علي لسان بريمر الذي آثر ان يكون مكتوباً ومعززاً بالوثائق والرسائل الرسمية، ومن علي صفحات نيويورك تايمز التي سبق لها ان نشرت فقرات من كتاب دريبر نفسه. وكان من ابرز ما تضمنه ردّ بريمر نشره عدداً من الرسائل المتبادلة بينه وبين بوش في تلك الفترة التي كان فيها الحاكم الامريكي المطلق في العراق. كان اهمها رسالة يعود تاريخها الي اقل من شهرين علي وقوع الاحتلال (ايار 2003) يبلغ فيها بوش الحاكم بريمر بخطّته حول حل الجيش واجهزة الاستخبارات. ثم اوضح في سياق ردّه ما لا يحتاج الي توضيح هنا، وهو ان القرار يعود الي الرئيس وقد اتخذه وابلغه اليه، وليس هو صاحب قرار الحل.
ما يعنينا في هذه الناحية من الموضوع هو الجوّ الذي وصلت اليه الادارة من راسها الي اخمص قدميها، وما يتوقّع ان يفتحه ذلك من جروح وما يكشف عنه من معلومات اكثر سرّية وخطراً في المستقبل، كلما ازداد الضرب علي راس الولايات المتحدة بادارتها وجيشها. ولعل بعض التفاصيل التي اوردها بريمر في ردّه تعطينا صورة عمّا يمكن ان يخرج الي العلن مع تفاقم ازمة الثقة واشتداد الخلاف اكثر داخل اركان الادارة. لماذا الانكاريقول بريمر في الصحيفة الامريكية انه عندما كتب للرئيس بوش في ايار (مايو) 2003 قائلاً بان الاولوية ـ في نظره هي ـ التاكيد للجميع بان صدام والبعث قد انتهوا، وان الولايات المتحدة مصممة علي اجتثاث اعضاء الحزب من المؤسسات الرسمية (بموجب القرار رقم 1 الذي اصدره الحاكم المدني)، علي ان يتبع ذلك قرار حل الجيش، اجابه بوش ممتناً باعجاب علي ديناميكيته القيادية، واعرب له عن كامل ثقته به، وتفويضه له بالتصرّف، اي تفويضه بان يكون صورته ولسانه ويده الفاعلة التي تنفّذ ما يريده الرئيس بصلاحيات مطلقة.
وفي ضوء هذا التفويض جاء القرار رقم 2 الصادر عن الحاكم المدني بريمر بتاريخ 23 ايار، والقاضي بحلّ الجيش ـ كما قال بريمر نفسه ـ مؤكداً فيما كتب لصحيفة نيويورك تايمز ان هذا القرار قد بحث مراراً مع رامسفيلد ايضاً (ايام كان وزيراً للدفاع) وقد سبق له ان ارسل مسودته الي الاركان الاساسيين في وزارة الدفاع، بمن فيهم نائب الوزير بول وولفوويتز ومساعده دوغلاس فيث وسائر هيئة الاركان. وانه لم يتخذ قرار الحل هكذا من راسه. ولم يغب عن ذهن بريمر في ردّه علي الرئيس وتكذيبه لروايته ان يعرب عن استغرابه الشديد من اصرار الادارة علي ابعاد المسؤولية عن ظهرها!
هذه التفاصيل كُتب عنها في صحافتنا العربية نقلاً عن نيويورك تايمز كما لو كانت حدثاً مستقلاً بذاته، ولم يربط بينها وبين حالة بوش في هذه الايام، ومسارعته الي الهرب من مشاكل الداخل الي الخارج مُيمماً شطر حليفه الاسترالي، بادئاً بزيارة العراق الخاطفة والسرية كما اسماها سائر الصحافيين والمراقبين، مع ان كل زياراته الي هذا البلد العربي المحتل تمّت ـ دون اي استثناء ـ بصورة خاطفة وسرية! ، ولم يربط بينها وبين محاولة البنتاغون ترقيع خطيئة حل الجيش العراقي بالاعلان عن معارضته حل الشرطة العراقية، نزولاً عند توصية الجنرال جيمس جونز بذلك في تقرير قدّمه الي الكونغرس، اعرب فيه عن شكوكه بقدرتها علي حفظ الامن والنظام.
الناطق الرسمي باسم البنتاغون جيف موريل اعلن هذا النبأ المفرح علي رجال الصحافة والاعلام، ولم يساله احد من الحاضرين اين كان البنتاغون عندما صدر قرار حلّ الجيش ولماذا لم يعترض يومها ايضاً، ويعود ذلك ـ علي الارجح ـ الي يقينهم بانه لا غرابة في التناقض بين الاجراءين (حل الجيش ورفض حل الشرطة)، ذلك لان مهمة الجيش الاساسية والبديهية تنحصر في هدف الدفاع عن الوطن وحمايته، وقد انتهت باحتلال البلد (كما يفترض الامريكان). امّا مهمة الشرطة فتنحصر في هدفين اثنين علي الاقل (حسب تركيبة اي نظام ومزاجه)، اما السهر علي تحقيق الامن والحفاظ علي حرية المواطن وتنفيذ القانون… الخ، او قمع المواطن وتنفيذ ما تريده المجموعة الحاكمة لاستتباب امنها الخاص. وهذا الهدف الاخير هو الذي يريد الامريكان تحقيقه ايضاً رغم علمهم بعدم قدرة الشرطة علي فعل شيء ـ كما اعترف الناطق باسم البنتاغون ـ وتعهّده بالعمل علي اعادة تاهيلها لاداء هذا الدور!
اين المفر من الحصار؟
بيت القصيد ان لبّ مشكلة بوش وعقدته تكمن في حصاره بين حالتين: معجزة المقاومة في العراق، وقرف الداخل من كوارثه ورعونة تصرفاته وحتي اسمه.
وفي مواجهة هذين الحصارين الاساسيين يقوم بحركاته وتحركاته ويطلق اشاعاته ومشاريعه ومخططاته. وفي هذا السياق وتوقيته ايضا جري ترويج اخبار مكشوفة الاهداف عن مفاوضات جرت بين البعث والامريكان بوساطة اياد علاوي وحضوره. وتلك قصة اخري تحتاج مقالاً حول حقيقة ما جري وما لم يجر بشانها سابقاً وحالياً، حسبما يتوفر لنا من معلومات متواضعة يمكن تلخيصها بداية بالقول: ان ذلك قد حصل ولم يحصل في الوقت نفسه، بمعني ان الوساطات الآتية من قبل الامريكان لم تتوقف منذ ثلاث سنين حتي اليوم، وقد تمّت في اوروبا ثم انتقلت الي داخل العراق، لكنها كلها لم تكن مباشرة، ولم يحضرها اي ممثل عن البعث رغم الحاح الامريكان علي ذلك، دون الانكار ان الوسطاء كانوا ينقلون وجهات النظر، وان تغيّر بعض مطالب البعث التفصيلية نحو التشدد كان يثير حنق الامريكان وتساؤلاتهم، كالتاكيد علي وجوب ترك قوات الاحتلال سائر عملائها داخل العراق عند انسحابها منه لئلا يفلتوا من الحساب، بعد ان كان المطلوب سابقا جرّهم معها. المهم ان شروط البعث وتحالف كل القوي الوطنية والاسلامية المقاومة بقيت علي حالها، و الارعن المحاصر علي حاله، والنتيجة النهائية بدات بالتحقق وهو الاهم.