رؤوبين باركويستعمل الايرانيون الآن حيل التسويف في حين ما تزال آلات الطرد المركزي تدور. وهم يتوقعون لقاء مع ممثلي الغرب ويطلبون ان يتم في اسطنبول. وهم يهددون اسرائيل وتصدر عنهم اصوات قوة عظمى في مضيق هرمز وينقلون سفنا حربية الى ميناء طرطوس إظهارا لتأييد الاسد. وبين تباحث وتأجيل يقفز احمدي نجاد من حبل الى حبل ويحتال على العالم. والعقوبات الاقتصادية التي ترمي الى اسقاطه عن الحبل تلاقي شبكة أمن سياسية واقتصادية مبسوطة من تحته.
يبدو ان هذه الشبكة قد حبكتها الصين وروسيا ودول تابعة اخرى تتبنى على نحو ظاهر خطوات مضادة لجهود الغرب. فهي تعارض دور امريكا المتقدم في المنطقة ويبدو أنها تساعد ايران في السيولة والغذاء والوقود. وفي الاثناء ينجح احمدي نجاد في الالتفاف على الحصار ويتابع المشروع الذري، أما الشعب الايراني الذي يئن والذي يعتمدون في الانقلاب عليه فانه يفرقع اصابعه في خوف.
هل توجد عقلانية في بهلوانية احمدي نجاد؟ ان البهلوانيين في السيرك هم لاعبون عقلانيون قدّروا المقابل والضرر المحتمل. وما كان أحد ليعرض نفسه للخطر بالقفز من فوق هوة سحيقة. تشير نظرية الألعاب الى ان الناس الموجودين في نفس الظروف والعوامل القسرية والفرص التي تؤدي في ظاهر الامر الى قرار عقلاني موحد، يقررون في ظروف متشابهة قرارات مختلفة تضر بمصالحهم الذاتية احيانا من وجهة نظرنا. يصعب ان نحدد من هو ‘العقلاني’ وكيف سيعمل وبخاصة حينما تكون ظروف قراره مختلفة عن ظروفنا. ستؤثر في قراره خلفيته الثقافية والدينية والاجتماعية والقومية وآلاف العناصر الاخرى. ان الميل البشري هو النظر الى الآخر كالنظر في مرآة وان يتوقع ان يسلك سلوكنا. وهذا هو الخطأ في تقدير الخطوات المحتملة لاحمدي نجاد الذي تؤثر فيه ايضا بواعث دينية اسلامية. وفي منطقتنا التي تشبه في خصائصها نادي بلطجية عنيفا في حي فقر لا يقصد ذو عضلات يصرخ ‘أمسكوني’، لا يقصد ان يضرب. ان احمدي نجاد ينظر الى تهديدات زعماء الغرب واسرائيل ويقول في استخفاف: ‘لو كانوا قادرين لضربوني’. هكذا يحلل احمدي نجاد ‘تصوره للعدو’ وتصورنا.
كُتب الكثير من النظريات في مسألة هل القيادة المتطرفة الايرانية هي لاعبة عقلانية بحسب المفاهيم المعروفة للغرب، وتكومت أكوام من الورق حول سؤال بأي قدر يقود الاعتقاد الديني الشيعي على مذهب ‘المضطهدين على الارض’ القيادة التي يرأسها احمدي نجاد الى اعمال مجنونة والى انتحار سياسي أو الى استعمال مجنون لسلاح الابادة الجماعية على آخرين وعلى اسرائيل، في حالتنا المعلنة.
يصور التاريخ كثيرين من قادة المسلمين باعتبارهم قادة عقلانيين وزنوا خطواتهم كثيرا ازاء فقدان محتمل للصيت وحياة الناس في الأمة الاسلامية. وبرغم هذا توجد صعوبة تحديد عناصر العقلانية الايرانية حول سؤال هل توجد عندها تقديرات جدوى مقبولة في الغرب كالحفاظ على الدولة وأملاكها واستمرار السلطة ورفاهة المواطنين، وتقديرات الكلفة والفائدة والأخطار والاضرار. وفي المعطيات الحالية لا يمكن ان نحدد حدود النطاق الذي يمكن ان نقرر ضمنه ان احمدي نجاد يمضي حتى النهاية ويسلك سلوكا غير عقلاني أو ان يكون قابلا للردع. وهناك مشكلة أصعب هي تخيل اوباما مثل كلينت ايستوود الذي يستل مسدسه ويطلق النار بسرعة. يعلم احمدي نجاد ان ‘من يتحدث لا يطلق النار’، وهنا توجد المشكلة الحقيقية.
اسرائيل اليوم 20/2/2012