الياس خوري
لا تكتمل صورة الواقع اللبناني باستعارة والي الشام، التي لجأتُ اليها في الأسبوع الماضي، من اجل محاولة استشراف آفاق الحمّى السياسية التي تعصف بلبنان، في انتظار انكشاف السر المعروف من الجميع، الذي يخبئه القرار الظني.
دار الصراع على لبنان في القرن التاسع عشر بين واليين عثمانيين، هما والي عكا ووالي الشام. تغيرت قواعد اللعبة كثيرا، خصوصا بعد النكبة. حلّ الصهيوني مكان والي عكا، وكان تدخله في الشأن اللبناني الداخلي محدودا، رغم طموحاته واستعدادات بعض السياسيين اللبنانيين للتعاون. واجه والي عكا الصهيوني حصارا فرضته عليه الحركة القومية العربية. ولم تبدأ قواعد اللعبة في التغير الا بعد هزيمة حزيران 67، لنصل الى قواعد جديدة مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية.
حكاية التدخل الاسرائيلي في الشأن اللبناني طويلة ومعقدة ومخجلة، خصوصا بعد ذروتها الاجرامية في مذبحة شاتيلا وصبرا، حين دفع الجيش الاسرائيلي بمجموعة من الوحوش البشرية قامت بارتكاب واحدة من اكبر الجرائم الصهيونية في حق الشعب الفلسطيني، وبأيدٍ لبنانية!
غير ان اندفاعة الثور الاسرائيلي الهائج، الذي اعتقد عام 1982 ان المدى الاستراتيجي الذي يسيطر عليه يمتد الى باكستان والمغرب العربي! سرعان ما اصطدمت بالواقع، فاضطرت اسرائيل الى التسليم بالهيمنة السورية على لبنان عام 1991 بعد اتفاق الطائف. ووجدت نفسها بعد ذلك بتسع سنوات مكرهة على الهرب من الجنوب اللبناني المحتل عام 2000، تحت ضربات المقاومة، وتتذوق فشلا عسكريا يعادل الهزيمة في حرب تموز/ يوليو 2006. لا يعني الانكفاء الاسرائيلي عن لبنان ان والي عكا سلّم بخروجه النهائي من الحلبة اللبنانية، فهذا مناقض لمنطق الجغرافيا السياسية. لكنه يعني ان الأولوية الإسرائيلية المطلقة اليوم هي لابتلاع القدس وبقية مناطق الضفة الغربية، فصار مطلبه المرحلي على الجبهة الشمالية، التوصل الى تهدئة متوازنة تسمح له بالإنصراف الى مهمته العاجلة في فلسطين.
هذا هو جوهر مشروع اجتياحه للبنان عام 1982، صحيح ان التصرفات الرعناء لوزير الدفاع الاسرائيلي انذاك ارييل شارون، كادت ان تطيح بكل شيء، عبر مشروعه بأن يصير ‘ملكاً’ على لبنان بواسطة ترئيس بشير الجميل، لكن هذا الطموح سرعان ما تلاشى في بحر الدماء التي سالت.
غير ان تحويل الاجتياح الى نصر كامل على منظمة التحرير لم يكتمل عبر خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، بل اكتمل بعد اخراجهم من البقاع، وخروجهم بالسفن من طرابلس، ومنعهم من العودة الى بيروت بعد الانسحاب الاسرائيلي منها.
وهذا كان ممكنا بسبب الاستراتيجية التي كان يطلق عليها ياسر عرفات اسم استراتيجية الأكورديون، بحيث تحاصر المقاومة من كل الجهات.
غير ان الاكورديون ليس التسوية السياسية مثلما اشيع، فالنظام السوري الذي يضع الهيمنة على لبنان في رأس مطالبه الاستراتيجية، لا يستطيع التخلي عن الجولان، ما عنى استبدال المقاومتين الوطنيتين الفلسطينية واللبنانية بمقاومة جديدة هي المقاومة الاسلامية، التي حافظت على وتيرة القتال في الجناح اللبناني، من دون ان تضطر سورية الى دخول حرب شاملة.
رفضت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ان تفهم هذه المسألة، او قررت تجاهلها، في سياق سياسة التأجيل، لأن اسرائيل لم تحسم حتى الآن خياراتها تجاه الجولان المحتل، او انها تعتقد انها تستطيع عبر شراء الوقت تأبيد احتلالها.
غير ان سياسة التأجيل لا تعني ان والي عكا مرتاح الى وضعه، فصواريخ المقاومة الاسلامية تشكّل تهديدا حقيقيا لا سابق له لاسرائيل. كما ان مهمة مشابهة لتلك التي انجزت عام 1982 تحتاج الى اكورديون جديد، وهذا لن يكون متوفرا بسهولة، هذا اذا توفر. فالنظام السوري يعلم ان فكّ تحالفه مع ايران سوف يعني انكشافه الكامل، كما يعلم ان القضاء على المقاومة الاسلامية، التي تشكل آخر احتياطي في جعبته، يعني هدوء الجبهة الشمالية من دون تحقيق هدف استعادة الجولان، اي الابقاء على حال اللا حرب واللا سلم، من دون القدرة على التلويح بخيارات عسكرية حقيقية، وهذا معادل للتعفن الكارثي.
مشكلة والي عكا عام 2010، مختلفة كثيرا عن مشكلته عام 1982، والحل سيكون مختلفاً، وهو في حال عدم استعداده للانسحاب من الجولان، سوف يبقى عاجزاً امام صواريخ المقاومة، حتى لو صدر القرار الظني، وتم توتير الاجواء الداخلية اللبنانية. الاضعاف النسبي الذي قد تتعرض له المقاومة الاسلامية لن يصب في صالح والي عكا، بل سيصب في صالح والي الشام، وذلك لأسباب عدة اهمها ان لعبة التوازن التي يتقنها النظام السوري، تستطيع اذا احسن استخدامها ان تجعل منه، عبر تحالفاته المعقدة، مع ايران والسعودية وتركيا، ضابط توازن لبناني هش في حاجة دائمة الى ضابط.
تستطيع اسرائيل بالطبع خوض حروب محدودة، لكن حصاد اي حرب من هذا النوع لن يكون افضل كثيرا من حصاد 2006، الا اذا قررت اسرائيل ان تنقلب نهائيا على قواعد الاكورديون، وتدخل حربا اقليمية جنونية تمتد من بيروت الى دمشق الى طهران، وهذه مغامرة كبرى لا اعتقد انها ممكنة من دون مشاركة عسكرية امريكية مباشرة، وعندها نكون امام معطى جديد يفتح المنطقة على كل الاحتمالات.
وفي النهاية يجب ان نتذكّر ان اسرائيل في حرب تموز/يوليو 2006، لم تخرق القواعد الثابتة في الحلبة اللبنانية، رغم معاناة النظام السوري لحصار خانق في تلك اللحظة. وهُزمت لأنها استخفت بعدوها ما قادها الى تجاهل قواعد الاكورديون، الذي من دونه لا تستطيع اسرائيل الانتصار في معركتها ضد المقاومة.qlaqpt