ايها السياسيون اليمنيون.. اتقوا الله في بلادكم

حجم الخط
0

اكتب رغم الاحباط الشديد الذي أشعر به واليأس والقنوط من أية اصلاحات في ظل الحكومة اليمنية الضعيفة والهشّة برئيسها غير الصالح لهذه المرحلة الاستثنائية في حياة اليمن واليمنيين. انا يائس من مجرد توقع اي تغيير او تساؤل حول اسباب ودوافع وماهية ما يكتبه الاعلاميون والسياسيون من قبل هذه الحكومة، التي لم تقدم شيئا ايجابيا ولم تر ان الوضع يستدعي تحركا ايجابيا لتغييره، بل اتجهت لتشغل نفسها بالسيارات الفارهة و’قطقطة’ الاموال وبناء الفلل وزيادة المرافقين لأعضائها الخائفين على انفسهم من غضب الشعب ‘المسكين’. إلا انه ما باليد حيلة، فقدرنا نحن الكُتاب والصحافيين يحتم علينا ان نكتب ونستمر في النقد الهادف للبناء والإصلاح، ونقول للمخطئ اخطأت وللمصيب أصبت، وسنستمر في ذلك، رغم علمنا المسبق أننا نتسبب في إرهاق كثير من متابعينا المصابين بداء التصنيف السياسي، وهوس التنسيب والاتهام. هذا الاحباط وهذا اليأس يجعلني احيانا اعود الى كتاباتي السابقة وأسرق افكاري وأقوم بتجديدها لكي تتماشى مع بعض التغيرات الطفيفة في الأوضاع، اقوم بهذا الفعل كنوع من اداء واجب او روتين درجتُ على ادائه أسبوعيا، وهي مرحلة خطيرة وصلتُ اليها وغيري من المهتمين بالشأن السياسي.
كنت قد كتبتُ في ما مضى عن ضرورة بدء المصالحة والمسامحة بين النخبة السياسية الفاعلة في البلاد، وأن يكون سقف هذه المصالحة مصلحة اليمن وأمنه واستقراره. قمنا بثورة شبابية رائعة كانت مضرب المثل إقليميا ودوليا، وحققنا جزءا من الهدف الاول منها؛ وبقيت كمية كبيرة من الاهداف لم تتحقق؛ ولن تتحقق اذا ظللنا نتناحر في ما بيننا، تارة تناحرا بالأسلحة والآليات وفوهات البنادق، وتارة عبر الفضائيات والصحف والمواقع الالكترونية، وغيرها من وسائل الاعلام المختلفة. لا بد ان يعي الطرفان الرئيسيان في (الثورة/الازمة) ان مصلحة اليمن والانتصار لشعبه ووحدته وأمنه واستقراره أهم من الانتصار للذات، وبالتالي يجب البحث عن بدائل سياسية وممارسات جادة لترميم الحياة، وإعادة فتح القنوات الخاصة والعامة للوصول الى حلول وسطية تتيح وضع النقاط على
الحروف، والاتفاق حول خطوط عريضة تبني اليمن في كافة المجالات، وترك الخلافات الشخصية عند حد معين، وبما لا يؤثر على الشعب ومستقبله، فالشعب وإن كان مغيبا بعض الوقت، ويتم استغلال عاطفته الجياشة في الخروج الى الساحات، تارة لكي يلاعن متى شاءت النخبة، وتارة للتصفيق وتأييد الوفاق والتصالح والتسامح اذا شاءت النخبة أيضا؛ فهذا الدور يمكن ان ينتهي قريبا بفعل صحوة الشعب من غفلته، وقد بدأ.
يحق لكم ان تصفوا هذا الشعب باي شيء تريدون، لكن هل سيصمد هذا الشعب على هذه الحالة الى ما لانهاية، هل سيظل قطيعا من الاغنام في حظائر النخبة، توجهه حسب مصالحها وكيفما شاءت، وتستنجد به في الملمات وما عليه الا الخروج غاضبا او مصفقا حسب الطقس السياسي والمزاج الشخصي للقائد الملهم من الطرفين؟
هناك العديد من الشباب ومن مختلف فئات وشرائح المجتمع اليمني، سواءً ممن كانوا في ساحات التغيير والحرية، او في الساحات المقابلة ايضا في التحرير والسبعين، تراجعوا كثيرا بعد ان هدأت نفوسهم، وراجعوا مواقفهم، فعملوا نوعا من الفلترة لعاطفتهم واندفاعهم، وحددوا تواريخ معينة كانت فيها ممارساتهم محمودة، وتواريخ اخرى كانت ممارساتهم بلطجة ونوعا من الاستهبال والاستغفال. احدهم وعمره لا يتجاوز 17 عاما وهو من اوائل من نزل الى ساحة التغيير قبل ان تسمى بهذا الاسم، بل وقبل ان توجد، وكان يتعرض للضرب المبرح والاستهداف الشخصي من قبل رجال الامن في شارع الرباط تقاطع الستين، وامام الجامعة، وفي الكثير من الاماكن، قال لي: الى يوم توقيع المبادرة الخليجية كان نضالنا شرفا وعبادة وكانت الليالي حالكة، وكنت اشعر اني مرابط في سبيل الله، اما بعد توقيع المبادرة فقد شعرتُ اني اصبحت أجيرا عند فصيل سياسي يوجهني كل يوم ضد واحد، واصبحت امشي واصيح، وارقد واقوم، ومش عارف ليش؟
واضاف: ‘الجماعة وقّعوا، والرجل تنازل، وهم شكلوا الحكومة، وجت الانتخابات الرئاسية وانتخبنا رئيس وما عد باقي’.
قلت له بقايا الفلول والعائلة، ضحك وقال فلِّل لك فلِّل، لو كانوا يبغون تغيير وإصلاح حقيقي قد الامور بايديهم، الحكومة معهم، ووزارة المالية معهم، والداخلية والامن معهم، وحتى الدفاع معهم، ماعد باقي، ليش عاد نجلس نضحك على انفسنا ونحلبط عباد الله في الشوارع؟’.
رغم انه صغير السن، الا انه انني أكبرته كثيرا، وأعجبني انه اصبح يمتلك رؤيته الخاصة، واستطاع ان يفرق بين مراحل النضال التي مر بها منذ اليوم الاول للثورة الشبابية السلمية، وحتى اخر يوم في نظره، وهو يوم توقيع المبادرة.
هذا نموذج فقط والامور مبشرة بخير في ما يتعلق بنضج ابناء اليمن، الباحثين عن اليمن الجديد بآلياتهم ووسائلهم وابتكاراتهم وعلمهم وعملهم في الميادين المختلفة، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والعمل والتجارة وغيرها من مجالات الابداع والفن، وليس الجلوس والتخزين في خيام الساحات كالعاطلين الفاشلين فقط، انتظارا للنداء الذي سيوجهنا الى السبعين او الستين او الى باب رئيس الجمهورية او الصلاة عند احد المرافق العامة للتظاهر. هل هذا هو الشباب اليمني، هل يرضى قادتنا وساستنا ان يمتهنوا كرامة الشباب اليمني الى هذا الحد، وان يخلقوا منهم عالة على انفسهم وعلى اسرهم، وان يخلقوا منهم اتكاليين على الغير في لقمة العيش والتخزينة؟ هل هذا هو اليمن الجديد الذي سعينا اليه وناضلنا من اجله، وتحملنا الصعاب وقدمنا الشهداء وسكبنا الدماء في مختلف الشوارع والساحات.. يمن العاطلين والفاشلين المنتظرين لوجبة الغداء وتخزينة القات؟
أُفضِّل دائما ان اتحدث بتلقائية، بعيدا عن اسلوب التحليل السياسي الموغل في المصطلحات والالفاظ الرتيبة، لكي اوصل رسالتي التي اتمنى ان تصل الى القلوب، لانها والله خارجة من القلب، وليست موجهة ضد احد او فصيل سياسي او عسكري معين، لكنها ضد النخبة السياسية بشقيها، سواء الرئيس السابق ومن والاه وأيده، او قوى التغيير بمختلف احزابهم ونخبهم السياسية والاجتماعية والقبلية، اقول لهم اتقوا الله في اليمن، اتقوا الله في شباب اليمن، اتقوا الله في مستقبل اليمن. خيام التحرير والتغيير وغيرها من الساحات في مختلف انحاء الجمهورية، لم يعد لبقائها اي مبرر، إفتحوا أشرعةً للنور لتدخل الى قلوبكم، وافتحوا تلك الشوارع، ونظفوها واعيدوا للعاصمة صنعاء وجهها المشرق.. لماذا لا تقوم لجنة من عقلاء هذا البلد، الذين يتمتعون بعلاقات طيبة مع الطرفين لعمل اتفاق سياسي بين النخب السياسية التي ‘تطاحنت’ العام الماضي، وبموجب هذا الاتفاق يعرف كل طرف حدوده، ويلتزم بها، ولا يتعدى على حدود الاخرين، وقبل هذا وذاك التأكيد على انه لا كبير فوق النظام والقانون، وان الدولة هي حاكمة الجميع. الرئيس السابق يعرف انه اصبح شيئا من الماضي، وسينصفه التاريخ إن عاجلا او آجلا، وعليه ان يعرف حدوده في التعاطي مع الواقع، وأنه لم يعد حاكما ولا مسؤولا عن اي أخطاء تقع هنا او هناك، إلا من باب النصح والمشورة في الاطار العام، كخبرة تراكمية لا يستهان بها، ويؤخذ منه ويُرد عليه كأي شخص آخر، وله كل الاجلال والتقدير كرئيس سابق لليمن توافقنا على منحه حصانة كاملة، ويعيش كغيره من الحكام السابقين في كل أنحاء العالم، والشواهد كثيرة ويعرفها هو اكثر منا جميعا.
وعلى الطرف الآخر ايضا ان يعلم حدوده وألا يكرر خطأ من ثار عليه؛ عندما حكم بعقلية المنتصر بعد حرب صيف 94، فالسعيد من اتعظ بغيره.

‘ رئيـس تحرير صحـيفة إيلاف اليمنية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية