انور الخطيب
بدلا من أن تصاب الدولة العبرية بالرعب في الذكري الـ59 للنكبة، تنام قريرة العين مرتاحة البال، لأن الفلسطينيين يضاعفون نكبتهم بسلاحهم (الفلتان)، وسياساتهم العشوائية، وغياب استراتيجيتهم الواضحة، ولهاثهم وراء الكراسي والمناصب وجمع الأموال، واستعراض (المافياوات) المتحركة في وضح النهار في شوارع غزة ومخيماتها، وحماية المجرمين من كل الأطراف، وابتزاز المواطنين والتنكيل بواقعهم الاقتصادي، والقيام بمشاريع مشتركة مع حكومة الكيان، لإنشاء مناطق صناعية حول غزة والضفة والقدس وأريحا. بدلا من أن يعالج المسؤولون الفقر المتفشي في أراضي السلطة الفلسطينية (حذفنا كلمة وطنية)، وبدلا من انتظام الطلبة في مدارسهم، وتقديم درس عن النكبة، ومسببها، والمسؤول عنها، وتداعياتها وأخطارها، يقوم (الفلتانون) بسرقة لقمة الفقراء من أفواههم، وترهيبهم، واحتلال شوارعهم، وأسطح منازلهم، وإقفال المدارس والمستشفيات والسطو علي المصارف. بدلا من أن يذهب الطلاب إلي مدارسهم بأزيائهم النظيفة، يذهبون إلي المصانع وورش البناء والأسواق للعمل، لتحصيل ما عجزت السلطة عن توفيره.
بدلا من توحيد قوي الأمن والشرطة وكل من يحمل سلاحا لإحياء ذكري النكبة، تتفرق القوي الأمنية، وتصطدم التنظيمات وتشتبك الأسلحة، حتي باتت فلسطين بعيدة جدا، أبعد من أن يستدرج ملامحها حلم طــــفل علي كراســـه الممزق. حين نقول (الفلسطينيون ) نعني (المسؤولون)، كل المسؤولين، كل من يتشدق أمام الفضائيات، وكل من يجلس وراء طاولة فارهة، وكل من يتزعم فصيلا وزمرة ومجموعة، وكل من يحمل السلاح، وكل ملثم، وكل من يتحدث في السياسة بشكل علني، وكل من يتفاوض. المسؤولون يمارسون خيانة سياسية لم تشهدها مسيرة (النضال) الفلسطيني من قبل، إلا في اقتتالاتهم، المسؤولون ضائعون مشتتون، لأن فلسطين ليست من أولوياتهم، والفلسطيني بات سلعة يحققون من ورائه الشهرة والمجد الخائن والأرصدة الحرام، والفلسطيني لم يعد كريما في أراضي السلطة، بات إنسانا مطعونا، مقموعا، مذلولا، يمارسون عليه الاستبداد ليل نهار. أيها المسؤولون، إن كنتم شرفاء استقيلوا من مناصبكم، وانزعوا ربطات أعناقكم، واختفوا من أمام الفضائيات، بل وانتحروا، آن لكم أن تنتحروا، الغريب أنكم لم تنتحروا بعد، وما زلتم تجربون سياساتكم وفشلكم علي هذا الشعب الذي تعب منكم، قبل أن يتعب من أعدائه، تعب من تصريحاتكم وأشكالكم ووعودكم، كيف تستطيعون النوم وهناك فم طفلة فلسطينية لا تجد زجاجة حليب، أو شيخ فلسطيني يبيت في العراء، أو امرأة فلسطينية لا تستطيع حماية عرض ابنتها من (زعرانكم)؟!
هذه ليست حرب أهلية، هذا إجرام بكل معني الكلمة، هذا ليس فلتانا أمنيا، هذا مقامرة بمصير الشعب الفلسطيني، هذا ليس صراعا بين تنظيمين (غير منظمين)، هذا تعمد في إدارة الصراع نحو الداخل، ومتي، في يوم النكبة، وتستحقون في هذا اليوم هدية من مظفر النواب (القدس عروس عروبتكم، فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلي حجرتها). تناحركم في لبنان والأردن وفي كل المخيمات الفلسطينية، تلقي أوامركم من الخارج، عربيا وغربيا ومن كل من يدفع أكثر، خلوكم من الوطنية، إصابتكم بأنيميا الانتماء، انخفاض بسرطان الخيانة والفوضي، متاجرتكم بنساء الشهداء، غزو التماسيح لجلودكم، هي التي جعلت فلسطين بعيدة جدا، وهي التي راكمت 59 سنة من الهزائم. ايها المسؤولون، لو كنتم ستصدرون تقارير تشبه تقرير لجنة فونوغراد، لوصلت أحجامها حجم عمارة بستة أدوار، لوضعتم في السجون وحكم عليكم بالإعدام، وليـــــس بالاســـتقالة فقط.
أعلم أن هذا ليس كلام أديب وروائي وشاعر، إنه كلام من الشارع، الذي لا تعرفون تفاصيله، الشارع الذي بات يكرهكم، الشارع الذي صار ينظر إليكم علي أنكم سلطة احتلال وقمع. فمن تحاربون، ولماذا تتحاربون، وكيف تجرؤ أيديكم علي الضغط علي الزناد، وأنتم تعرفون أنكم ستقتلون شابا أو شابة أو طفلا أو شيخا فلسطينيا، أو أنكم ستدمرون بيتا أو تحرقون شجرة فلسطينية، فما الفرق بينكم وبين (جيش الدفاع الإسرائيلي)؟!59 عاما، وسفارات السلطة تحيي ذكري النكبة بعرض فيلم سينمائي، وبمعرض صور خجول، وحدها المخيمات تحيي ذكري الأرض، وحدهم اللاجئون يعرفون طعم المنفي، أما من يقبع في دوائر السلـــطة، فقــــد عاد إلي وطــــنه، وأي وطن!! ايها المسؤولون، من أعلي قمة في السلطة، إلي أدني رتبة في الأمن العام والشرطة والداخلية، استقيلوا، قبل أن يرجمكم الناس.. ہ روائي وشاعر فلسطيني يقيم في أبو ظبي8