خطيب بدلةمنذ أن توفي الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي ودفن في مدينته ‘توزر’ في التاسع من أيلول (سبتمبر) سنة 1934، وهو راقد في قبره بأمان واطمئنان، لا يعرف شيئاً عن تكاليف الحياة الموجودة فوق التراب.
وفجأة، يا سيدي ملا أنت، يا أخَا العَرَبَيْن العاربة والمستعربة، وما ان بدأت الأحداث تجري في الشوارع التونسية، مما تناقلته وكالات الأنباء، وعرضته كلُّ ‘الفضائيات’ العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج، بدأت الرحماتُ تنهمر على روحه الطاهرة، مثلما تنهمر الأمطار الفجائية في المناطق الساحلية، وأغلب الظن أن (الطوبة) الموجودة تحت رأسه، من فرط ما (تبشبشت)، على أثر دعوات العربان الصالحين له، قد انسحقت، وأصبح رأس ذلك المسكين على الأرض يا حَكَم، أي: من دون طوبة تسنده.
كل هذا حصل دونما ذنب ارتكبه الشابي، سوى أن الله، جل شأنه، ألهمه حينما كان على قيد الحياة، صياغة فكرة بسيطة وبديهية ضمن بيت من الشعر، فقال:
إذا الشعب يوماً أراد الحياةفلا بد أن يستجيـب القـدر إن ما حصل لرفات الشاعر الشابي ضمن هذه المدة، من انهمار الرحمات عليها، و(بشبشة) طوبتها، سببُه المباشر أن الكتاب العرب الأشاوس (جمع أشوس.. وهو الذي يعاني من سقام في إحدى عينيه يضطره لأن يغلقها أثناء النظر.. وفي العامية يقال عنه: أشْوَصْ!)، والمحللين الاستراتيجيين الفضائيين (أي الذين يتمترسون في استوديوهات القنوات الخاصة والحكومية منتظرين من الله تعالى أن يغيثهم بمشكلة كبرى في أية دولة عربية، لكي تنطلق عبقرياتُهم من عقالها، وتبدأ أفواههم باللغلغة، وأصابعهم بالشوبرة)، هؤلاء الكتاب والمحللون، بمجرد ما بدأت الأحداث الشعبية التونسية، على أثر حرق الفتى البوعزيزي نفسه، أخذوا يمطرون المشاهد العربي المتقوقع على نفسه من شدة البرد، يعاني من الفقر والقهر والاستغلال، والوكف الذي ينقط عليه من السقف، بوابل من الآراء والمزاعم والتحليلات والاعتبارات والاتجاهات والمقدمات والاستنتاجات.. ولأن هذه الأحداث أدت وبسرعة فائقة، وعلى نحو غير متوقع، إلى مغادرة الرئيس زين العابدين بن علي تونس، فقد وجدوا أن الحكاية – على حد تعبير نجم الكوميديا العربية الأول عادل إمام – (كبرت قوي يا رجَّالة)!.. وسرعان ما استحضروا الحكمة العربية القائلة (لكل مقام مقال)، وشرعوا يُكبِّرون بالحكي، فيتحدثون عن (ثورة شعبية) و(انتفاضة شعبية).. وصار كل صوص (أو كتكوت) ابن يوم منهم، ينهي جملته بتوجيه الرحمة (خَصّ نَصّ) إلى روح أبي القاسم الشابي، مرددين بيت الشعر الوحيد- ربما- الذي حفظوه في حياتهم، وهو: إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. إلخ.
وكان هؤلاء المحللون الفضائيون، ومن خلفهم الصحافيون وكتاب الإنترنت (الأشاوص)، قد استطاعوا أن يُدخلوا في روعنا، نحن الغلبانين، التعبانين، المتقوقعين على أنفسنا من شدة البرد، والوكف، أن الرئيس زين العابدين بن علي عبارة عن ديكتاتور، بطاش، طاغية، نمرود، قمعي، شمولي، مستبد، ومن ثم فقد توجسنا خيفة، مع بدء الانتفاضة الشعبية، من الحَمَّامات الدموية التي ستشهدها تونس الشقيقة، حتماً، نتيجة رد فعله الديكتاتوري، وما سيليها من فقر ومجاعات وأزمات في صفوف الشعب.. ذلك أن الديكتاتور، وكما هو معلوم للجميع، لا يتخلى عن عرش بناه خلال ربع قرن (أي منذ توليه السلطة سنة 1987) بهذه السهولة.
بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو التالي: لو أن مواطناً من كوريا (الـ ما بعرف شو) الديمقراطية العليا، أحرق نفسه احتجاجاً على الفقر والبطالة والديكتاتورية، على غرار ما فعله البوعزيزي، ثم خرج بعض الأهالي تأييداً له، هل كان الحاكم الكوري الـ ‘ما بعرف شو’، الديمقراطي، الأعلى (يضب كلاكيشه) ويغادر البلاد وكل ما في جعبته من القتلى لا يتجاوز الخمسين؟
جاء في الأنباء التي تناقلتها الفضائيات أن (بن علي) طلب من الجيش أن يتدخل لقمع الانتفاضة، فلم يستجب له، وطلب من حاكم المصرف المركزي أن يكنس خزينته بالمكنسة، ويعبئ الأموال الموجودة فيها بالأعدال، ويعطيها له لكي يهرب بها خارج البلاد، فلم يستجب له، وأما قوات الأمن التابعة له فلم تتمكن سوى من قتل عدد من أفراد الشعب.. وهوبّا- كما يقول المعلق الرياضي المصري – وإذا بابن علي يغادر البلاد، أنا دخيل الذي خلقك وصورك يا أخا العرب.. شو هالدكتاتور هادا؟ هل حقاً زين العابدين بن علي ديكتاتور؟
حبيب قلب شعبولا يصرحولعل أغرب ما تخللته القضية التونسية من مفاجآت هو أن السيد عمرو موسى، حبيب قلب المطرب العتليت السيد شعبولا، الذي غنى بالفم الملآن أنه يحبه، نكاية بإسرائيل، قد صرح لوكالة رويترز، التي وزعت تصريحه على معظم الفضائيات العربية، وهو، باعتباره رئيساً لجامعة الدول العربية الغلبانة، لا يمتلك من أمره شيئاً غير التصريح، بأن: على الدول العربية أن تعي درس تونس، التي أطيح برئيسها في احتجاجات على غلاء الأسعار والقمع.
وبعد تصريحه بزمن ليس بالبعيد، توالت التصريحات العربية التي تتبرأ من الوضع التونسي بكل وضوح وجلاء، فالسيد الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز صرح لقناة ‘الجزيرة’ بأن الوضع في موريتانيا غير الوضع في تونس، وبالتالي فإن ما حصل في تونس يستبعد أن يحصل مثله في موريتانيا، وأما حبيب قلوب الملايين العربية الداعية الدكتور عمرو خالد، فقد تحدث في ندوة ببرنامج (48 ساعة على قناة المحور) شاركه فيها الأستاذ خالد صلاح رئيس تحرير ‘اليوم السابع’ عن هذا الموضوع. إن الدكتور عمرو خالد، بعدما كان يمضي جل دروسه الدينية متحدثاً عن بدء الدعوة الإسلامية، وصبر الصحابة الكرام على الأذى الذي كانوا يلاقونه من المشركين، اضطر هذه المرة لأن يتحدث في شأن راهن، فاستبعد أن يمت الوضع التونسي إلى الوضع المصري الراهن بصلة، وأثنى على حديث للدكتور يوسف القرضاوي، بثته الجزيرة، اعتبر فيه حرق البوعزيزي لنفسه حالة فريدة واستثنائية، ويجب ألا تتكرر، ويجب ألا يتخذ منه المظلومون في دول عربية أخرى قدوة.
وأما أنا، أخاكم الأقل شأناً بينكم، يا حضرة الدكاترة المحترمين، فأرى أن هذه التخوفات كلها لا قيمة لها، فما أعرفه أن الأوضاع في الدول العربية كلها على ما يرام. الأنظمة العربية لا هم لها سوى إفشاء الديمقراطية في بلدانها، والحكومات لا هم لها غير تنشيط الاستثمارات، وخلق فرص عمل للداخلين الجدد إلى سوق العمل، ولا يوجد فساد (على غرار الفساد الذي كان موجوداً في تونس!)، ومع ذلك فهذه الحكومات تحارب الفساد من باب الاحتياط، وهي لا ترفع يداً عن رجل، ولا تقبل بتعيين ‘فراش’ في دائرة صغيرة من دون انتخابات! وإذا دق الكوز بالجرة فإنها تطلب من المعارضة الموجودة لديها أن تبدي رأيها بقضية ملامسة الكوز للجرة، وإذا لاحظت أن التيارات المعارضة لديها غير نشيطة، أو قليلة العدد، سرعان ما تحرض الشعب على تأسيس أحزاب معارضة.. وتدعو الناس إلى الانتساب إليها.
هل أقول لك، عزيزي القارئ سراً، وتتعهد لي أن تبقيه بيني وبينك؟ أنا رأيي أن الأوضاع العربية الممتازة الموجودة الآن لا تحتمل أية محاولة للتحسين، فإذا تحسنت مقدار أنملة زيادة عما هي عليه، لفسدت وانتزعت!
محمد علي ميسيأعجبتني تشيكلة الفريق القطري، التي لعبت ضمن التصفيات النهائية لكأس آسيا في الدوحة 2011. فلقد ضم هذا الفريق ثلاثة لاعبين أجانب مجنسين بالجنسية القطرية، هم سيباستيان سوريا، وفابيو، ولورنس. وقد شاهدناهم، أثناء عزف النشيد الوطني القطري واقفين للعلم باحترام، ولكنهم لا يحركون شفاههم بترديد كلماته أسوة بزملائهم القطريين الأصليين لأنهم لا يحفظون النشيد.
وكان بودي أن يتخذ التجنيس طابعاً كلياً، فيطلق عليهم أسماء مثل أسمائنا، فنسمي سيباستيان، مثلاً (عبد الرحيم سيباستيان)، وفابيو (الحاج مصطفى فابيو)، ولورنس (نور الدين لورنس)، وإذا تمكنا من تجنيس الأرجنتيني ليونيل ميسي يمكن أن نسميه محمد علي ميسي!.. وذلك أسوة بمدرب الفريق القطري برونو ميتسو، الذي أطلق عليه، حينما أعلن إسلامه في مونديال 2006 اسم (عبد الكريم مصطو).. وما حدا أحسن من حدا. قاص وكاتب من سورية[email protected]