اي آر تي تختطف سلطة الكرة: قطع الحبل السرّي بين تلفاز الانظمة والشعوب

حجم الخط
0

اي آر تي تختطف سلطة الكرة: قطع الحبل السرّي بين تلفاز الانظمة والشعوب

توفيق رباحي اي آر تي تختطف سلطة الكرة: قطع الحبل السرّي بين تلفاز الانظمة والشعوب بطولة كأس العالم علي الابواب! استعدوا لحالة من الجنون سيعيشها العالم ويضطرنا لان نعيشها معه. حيثما كنت، قدرك ان تعيش شهرا من العبث يتساوي فيه الناس في جنونهم وهوسهم بلعبة غريبة وساحرة. اذا كنت رجلا فمصيبتك اخف من ان تكون امرأة في عصمة رجل مهووس يضبط عقارب حياته مع المونديال واخباره. غير النساء، الخاسرون الاخرون هم منشطو برامج السياسة والفن والاقتصاد في الاذاعات والقنوات التلفزيونية ما لم يكيّفوا عملهم مع الكرة، لان المونديال اخذ المنحي الذي اخذه فتفوق علي الاجتماع السنوي للجمعية العامة للامم المتحدة كل شهر ايلول (سبتمبر) بنيويورك حيث يحضر اغلب رؤساء وملوك العالم. وكذلك لانه يأتي مع دخول الصيف وهو في العادة منفّر من السياسة والبرامج الجادة (تصوروا حلقة ثقيلة ودسمة من حلقات احمد منصور بلا حدود في ذروة حمي مضاعفة، المونديال وفصل الصيف، بينما في قناة مجاورة تلتهب الدنيا حماسا واثارة بمباراة تلعبها الارجنتين او السعودية او البرازيل!).ہہہبالمقابل، ستشهد اسهم مذيعي الرياضة وبالذات كرة القدم ارتفاعا نحو القمة، وان كنت اشك انها نزلت يوما الي درك مخيف، منذ اصبحت الكرة ديانة جديدة في الغرب والشرق والشمال والجنوب. واذا كان الماسكون بحبال واسرار اللعبة هم المستفيدون الاوائل بجمع ثروات طائلة مما تدره هذه الصناعة، في الظل وفي صمت، ثم اللاعبون والمدربون، فالمذيعون يأتون في الدرجة الموالية.لا اقصد هنا المذيعين في تلفزيوناتنا المنكوبة، فهم في كل الاحوال موظفون مدي الحياة يتلقون رواتب وينتظرون التقاعد، واكبر طموح احدهم ان يسافر الي المانيا لتغطية بعض مباريات فريق بلاده ويعود الي بلاده وعمله طائعا راضيا بمصيره. ورغم ذلك فشهرة بعضهم تفوق احيانا شهرة وزراء، ووجوههم مألوفة في البيوت اكثر من وجوه الحكام والسياسيين (ناهيك عن الذين يُسمون مثقفين). لنقل ان استفادتهم مادية، ولنتركهم يتلذذون بمقولات من نوع محبة الناس اهم من ثروات الدنيا . كذلك، وان لم يقرّوا بذلك علنا، فهم في القنوات المحلية العربية في مأمن من ضغوط السياسة وتبعات برامجها، ادبيا من حيث انهم لا يديرون برامج سياسية لها تبعات قد يستحون بها من انفسهم اخلاقيا بعد تغيّر الحكم ودوران الزمن، و جنائيا من حيث انهم، في احسن الاحوال، قد تكون تبعات برنامج خارج النص وقف بثه واحالة صاحبه علي بطالة مقنعة، وفي اسوأها ربما سجنه.بل اقصد مذيعي الرياضة في التلفزيونات الغربية وكثيرون منهم لاعبي كرة سابقين. هؤلاء ينافسون بعض اللاعبين في الاستفادة من الدعاية والاعلانات التجارية، ولا ادل علي ذلك من مهاجم الفريق الانكليزي السابق غاري لينيكر الذي استولي علي برامج الكرة في بي بي سي العتيدة بعقد قيمته نصف مليون جنيه استرليني (750 الف يورو) سنويا، وارتبط اسمه وابتسامته باشهر برنامج كرة في هذه القناة، Match of the day (مباراة اليوم) مساء كل سبت. غير ان الشهرة هنا وجهان، فمثلما يستفيد النجم من وجهها الايجابي الجميل، عليه ان يتوقع دفع ثمن الوجه القبيح المتمثل في مطاردة وسائل الاعلام وتعرضها لحياته الخاصة. من هنا تحوّلت حياة لينيكر الزوجية ومتاعبه مع شريكة حياته الي عنوان بالبنط العريض علي صفحات الجرائد الانكليزية قبل اشهر. بيد ان بطولة كأس العالم هذه المرة تحمل اكثر من مفاجأة سيئة لكثير من المذيعين المحليين في دولنا المنكوبة تلفزيونيا (ضمن قائمة طويلة من النكبات). فهم لا يغطون المباريات وقد لا يسافرون الي المانيا لان اليوم الذي توعدنا به احد الاساتذة، وكنا بالجامعة في اواخر الثمانينات، قد جاء. كان يقول سيأتي زمن تضيق فيه السماء بالاقمار الصناعية والقنوات التلفزية، لكنكم لن تشاهدوا ما لم تدفعوا. سيأتي يوم تتخصص فيه القنوات التلفزيونية مثلما يتخصص اصحاب المطاعم الشعبية في بيع اكلاتهم، لكنكم لن تشاهدوا كل شيء رغم الزحام في الفضاء . وهكذا لن تغطي اغلب المحطات العربية مباريات المونديال. قبل فترة، كان المنع يطال الفضائيات دون القنوات الارضية المحلية، اما الان فـاستوي الجميع، فضائي وارضي.اليوم، كل العالم يشاهد القنوات الاخبارية بأبسط الامكانات وبـ بلاش ، لكن كم هو عدد الذين يشاهدون براحة وبـ بلاش ايضا ما يشتهون من مباريات الكرة وبطولات اوروبا؟لو كنت تقرأ هذا الكلام وانت في الجزائر، فانت حتما تدرك لعبة القط والفأر التي يخوضها مزوّرو الشفرات باجهزة الاستقبال، وانت حتما تدرك ان التلاعب بهذا الجهاز لجعله اكثر قدرة علي التقاط ابعد واصعب القنوات، بات علما وتخصصا قائمين لهما متمرسون في كل قرية وبلدة ومدينة. وليست الجزائر استثناء.والمفاجأة ـ الخيبة هنا مفاجأتان ـ خيبتان، اذ اكتشف الجمهور في كثير من بلداننا، بينها الجزائر والمغرب علي سبيل المثال، ان دولته، من خلال تلفزيونها، عاجزة عن تغطية المونديال لانها عاجزة عن شراء المباريات امام اخطبوط اسمه اي آر تي الخليجية وما ترمز اليه من سطوة مالية ارتبطت دائما بالاعلام الخليجي النفطي. اي آر تي الخاصة احتكرت حقوق بث المونديال عربيا، مثلما احتكرت جوانب من السينما والغناء، وتركت دولا كاملة تقف عاجزة ومذهولة.بتعبير اخر، سحبت من الحكومات والتلفزيونات اخر وابرز ادوارها، الترفيه بالكرة، وقطعت اخر حبل سُري يربط الجمهور س بقناة بلاده.واذا كان لابد من استنتاج، فهو ان المفاجآت السيئة هي ثمرة طبيعية لواقع مر وغريب: الكرة اقوي من السياسة واصحابها ومنطقهم اقوي من الحكام وقوانينهم. ضاعت فرصة اخري علي اصحاب السياسة والحكم عندنا الذين يستغلون الكرة لادامة مظالمهم وتعسفهم. اغلب الرؤساء والملوك والحكومات، من امريكا وبريطانيا الي زيمبابوي مرورا بالمانيا وفرنسا والمكسيك، يحتفون بفرقهم القومية وانتصاراتها، لكن ضمن حدود العقل وبدون فجور. عندنا، كل شيء يسبّح بحمد صاحب الفخامة والسمو الذي لولا بركاته لما دخلت الكرة شباك مرمي الخصم!الشهر الماضي كنت بدولة عربية لا يمكن وصفها الا بانها سجن كبير مفتوح، وتزامن وجودي مع مباراة نهائي الكأس بين فريقين من اقوي فرق البلاد والعاصمة. لم تكن المناسبة كروية فحسب بل سياسية احتفي بها واستغلها التلفزيون، وبه ومن خلاله، اصحاب الحكم و الباب العالي ، بشكل بشع. في اليوم الموالي غطت صور حضور الرئيس المباراة عن الحدث كله رغم ان الفريقين اقدم من فخامته وتقليد العرس الكروي كلما التقيا سبقه بكثير. والحالة هذه معممة في كل دولنا، ولكم ان تتصوروا حجم الاستغلال عندما يصل فريق من هكذا دول الي المونديال ويحقق نتائج جميلة.ہہہہمدير عام التلفزيون الجزائري، مدركا ان الكرة هي اخر ما بقي يربط الجمهور الجزائري بتلفزيونه، اشتكي من الاحتكار غير الاخلاقي الذي مارسته اي آر تي بشراء حقوق بث المونديال عربيا، وجعلها مناحة. وفي المغرب اشتكي وزير الاعلام بنفس المرارة منطلقا من نفس القناعة.مشكلة هذه الفئة من المسؤولين انهم يرفضون الاقرار بانهم هم ايضا اختطفوا تلفزيونات بلدانهم لصالح انظمة حكم شمولية وفاشلة، فجاء مَن يختطف منهم مباريات المونديال لصالح المال. وبين اختطاف مؤقت لحدث محدد في الزمان والمكان مثل المونديال، واختطاف قنوات تلفزية كاملة علي مدار الساعة والسنة، افضّل الاول. سيكون من حقهم المطالبة بانهاء اختطاف مباريات المونديال وغيرها من المنافسات عندما يُنهوا هم عملية الاختطاف التي يقومون بها ويعيدوا لشعوبهم تلفزيوناتها. اما اذا استمر الحال كما هو عليه، فسيأتي عليهم يوم يعجزون فيه عن نقل مباراة اولمبيك خريبكة ضد الرجاء البيضاوي او نادي حاسي بحبح ضد اتحاد سيدي محمد بن عودة.ہ كاتب من أسرة القدس العربي [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية