محمد صادق الحسيني
ما يجري في الساحة اللبنانية من جدل حاد بين فريق السلطة الحاكمة وقوي المعارضة اللبنانية الوطنية علي خلفية مطالبة الاخيرة بحكومة اتحاد وطني والا انفرط عقد لبنان، ومطالبة الفريق الاول بضرورة اقرار المحكمة الدولية والا طارت سيادة لبنان انما يلخص في الواقع في احد وجوهه الرئيسية جوهر الصراع الكلي الدائر علي مستوي المنطقة حول الهوية!
فالسؤال المركزي الذي تجب الاجابة عليه قبل الولوج في اشكال الحلول المطلوبة او الممكنة لحل ازمة هذا القطر او ذاك او هذه المعركة المطلبية او تلك هو في الواقع اية هوية نريد لبلادنا علي العموم ولكل قطر من اقطارنا العربية او الاسلامية؟!
نعم هذه هي معركة المصريين كما هي معركة السوريين كما هي معركة العراقيين كما هي معركة اللبنانيين كما هي معركة الفلسطينيين في واحدة من اكثر واخطر اوجهها دقة وتحديدا!
وفيما يخص لبنان بالذات فان المنعطف الذي يمر به هذا البلد المليء بالتحركات المتشعبة والقوي المتناثرة في اطيافها هو الاجابة علي سؤال اي لبنان نريد؟!
ومعركة القوي الوطنية اللبنانية الاساسية والواقعية التي لا تظهر بشكل واضح علي السطح بسبب تلك التشعبات وذلك التناثر الداخلي والمحلي اللبناني هي بين لبنان العروبي المنتمي لحضارة المنطقة وهويتها الاسلامية وبين القوي اللبنانية المنبهرة او المستقوية بخارج يريد ان ينقل لبنان من موقعه السابق الذكر الي موقع آخر يكون فيه الرافعة الأهم من أجل صياغة هوية جديدة له وللمنطقة عموما عنوانها العريض الشرط اوسطية اي هوية اللاانتماء لأي من الدوائر الحاضنة للكيانات القطرية علي مر التاريخ العربي والاسلامي!
والقضية هنا لا تتعلق لا بالقومية بالمعني التقليدي لمفهوم القومية ولا بالايديولوجيا بالمعني التقليدي للايديولوجيا تلك المقصود بالعروبة هنا تبني المفهوم القومي بطابع عنصري معاد او قامع للعناصر الاخري التي يحتضنها الكيان اللبناني القطري، ولا المقصود بالاسلام هنا الطابع الايديولوجي الضيق لهذا الدين الذي يمكن ان يصور وكأنه قامع او رافض للاعتراف بـ الاخر من الديانات او المذاهب التي يحتضنها الكيان اللبناني.
بل المقصود تلك الذاكرة التاريخية وذلك النسيج الحضاري اللذان ساهما بشكل اساسي في صناعة وتشكيل مفهوم لبنان الحديث وهما نفس الذاكرة و النسيج اللذان شكلا قوام المنطقة العربية والاسلامية الي حد كبير.
ان اي انكار او تنكر لهذه القضية يعني محاولة الانقلاب علي الذات والتفلت او التحلل من مكنونات الهوية الجامعة للبنان بمعني آخر تفجير الكيان اللبناني الآخر. وليس لأحد مصلحة في تفجير الكيان اللبناني الحالي سوي العدو القومي والحضاري والسياسي الرابض علي صدر لبنان منذ اكثر من نصف قرن الا وهو الكيان الصهيوني ـ الاسرائيلي.
هذا هو جوهر المعركة وكل ما عدا ذلك اما تفعيل ممل او تمويه متعمد او استراحة محارب الي حين نضوج ساعة الصفر!
السؤال المركزي هو اي لبنان نريد؟ والا فان حصول القوي الوطنية المعارضة علي الثلث الضامن او عدم حصولها عليه، او حصول فريق السلطة علي ضمانات بخصوص المحكمة الدولية او عدم حصولها علي تلك الضمانات فان الامر لا يعدو عن كونه تفصيلا محليا قد يرضي او يشبع هذا الفريق او ذاك من اطراف المعارضة او السلطة الي حين، ولن يكون الا مهدئا او اسبيرين يؤجل بعض المواجهات الي حين!
حتي الكلام عن المحور السوري ـ الايراني ومدي ضلوعه بما يسمي بمؤامرة اعادة لبنان الي ما قبل ثورة الارز وما الي هنالك من اتهامات سطحية وباهتة ما هو الا تمويه وهروب من جوهر المواجهة!
والا لماذا لا يقولون ماذا تريد سورية وايران من لبنان مقابل ماذا تريد امريكا واسرائيل من لبنان؟! هنا جوهر الصراع، نعم.. هل نسي العالم موقف الرئيس جورج بوش عندما اكتشف لبنان فجأة وهو يحاول اخراج سفينته الغارقة في المستنقع العراقي عندما قال واصفا ثورة الارز اللبنانية وهو يعلن دعمه المطلق لها بانها: الخطوة.. الواعدة.. والرسالة التي تنطلق من بيروت باتجاه دمشق وطهران وصولا الي ولادة الشرق الاوسط الكبير…! اي ان المطلوب من لبنان الذي يريدون ويدعمون ان يتحول الي قاعدة امريكية متقدمة حليفة لاسرائيل متصالحة مع هويتها الشرق اوسطية الهلامية القائمة علي مصالح الشركات المتعددة الجنسية الناهبة لثروات المنطقة والمحملة للشعب اللبناني مزيدا من الديون، ومحطة آمنة ومستقرة للعدو الذي ينبغي ان تفتح له كل الابواب والنوافذ التي يهرب من خلالها بكل احقاده فضلا عن خططه وبرامجه التآمرية لاسقاط الانظمة الممانعة والمقاومة لمشروع الشرق اوسطية الاسرائيلي بامتياز!
عندها يصبح مفهوما وطبيعيا الحديث عن المحور السوري ـ الايراني.. ذلك لان لبنان الحقيقي غير المتنكر لهويته الاصلية والحقيقية والوفي لأهله واكثرية شعبه الساحقة والمتصالح مع ذاته والمدافع عن ذاكرته التاريخية، يصبح في حلف طبيعي مع سورية العرب وايران الاسلام تلك هي حقائق التاريخ والجغرافيا والذاكرة الوطنية للبنان وكل ما عدا ذلك زبد يذهب جفاء مع الريح.