«بأس جنين»: الفدائيون الجدد يدشنون مرحلة «الكرامة»

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

جنين ـ «القدس العربي»: شاءت الأقدار إلى جانب الفعل الفلسطيني المقاوم أن تكون الكلمة الختامية في العملية العسكرية على مخيم جنين والتي استمرت لما يقرب من 48 ساعة بمشاركة أكثر من ألف جندي إسرائيلي من مختلف الوحدات العسكرية، أن تنتهي برصاصة من مقاوم فلسطيني أصابت رأس ضابط في الجيش الإسرائيلي.

وحسب الدكتور وعضو المجلس الثوري في حركة فتح جمال حويل فإن هذه الرصاصة التي أصابت الجندي تحديدا تجاوزته، حيث كتب لها أن تصيب رأس بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووزير الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت، اللذين حضرا إلى معسكر سالم العسكري غرب مدينة جنين قبل انسحاب القوات بساعات معدودة في انتظار صورة ما للنصر على مخيم جنين ومقاوميه.
وبدل أن يحصل الاحتلال على صورة مهما كانت صغيرة للنصر حصلوا على كل معاني الهزيمة، حيث خرجت مئات السيارات المصفحة والدوريات الثقيلة وغادرت الطائرات المسيرة سماء المخيم، فيما خرج المقاومون أكثر قوة وإيمانا بخيارهم، وخرجت حاضنتهم الشعبية أكثر إيمانا بما أصبح يطلق عليه فلسطينيا «الفدائيون الجدد».
وحملت العملية العسكرية المكثفة والمحدودة حسب الاحتلال هدف «تغيير الواقع» المقاوم في جنين، واعتقال أو قتل المقاومين المطلوبين والسيطرة على البنى التحتية لقوى ومجموعات المقاومة في المخيم، لكن مع ساعات العدوان كانت كل هذه الأهداف تتقلص.
وحسب الناشط الميداني حويل الذي أصبح يلعب دورا مركزيا في المخيم فإن العملية العسكرية الموسعة إلى جانب أنها لم تحقق أهدافها، يمكن النظر إليها على أنها حلقة من حلقات كسر المشروع الصهيوني الذي يريد أن يمنع الفلسطينيين عن قول كلمة «لا» وصولا إلى تهجير الفلسطينيين والسيطرة على كامل الأرض الفلسطينية والأردنية وفق الرؤية اليمينية المتطرفة للحلم الإسرائيلي.
وعلى غير العادة، هناك إجماع فلسطيني من كل الفصائل والتيارات السياسية وعامة المواطنين على انتصار المخيم يدعم ذلك «حفلة الذبح» التي أقامتها الصحافة العبرية لكل أطراف الحكومة الإسرائيلية حيث الاعتراف بالفشل لغة الموقف.
يخبر حويل «القدس العربي» وهو محاضر العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية في مدينة جنين، أن خطورة ما كان يخططه الاحتلال للمدينة ومخيمها بمقاوميها وحاضنتها الشعبية تجاوز تحطيم المقاومة في المخيم، «لقد رغب الاحتلال من خلال عمليته إلى كسر نموذج أو صورة جنين في رسالة أكبر وأهم لتكون رسالة ردع لبقية المحافظات في الضفة الغربية، وذلك كي لا يتكرر المشهد ولا تستمر الفكرة».
ويضيف: «المخيم رفع الراية، وقام بحمايتها» ويستخدم حويل أيضا مصطلح «الفدائيون الجديد» في الزمن الفلسطيني الجديد، لكنه يصر وهو صاحب كتاب «معركة مخيم جنين الكبرى 2002: التاريخ الحي» الصادر قبل عام عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، على ربط المعركة الجديدة بالاجتياح الكبير عام 2002.
والحال مرتبط بأغلب سكان المخيم، حيث يفضل الأهالي، الذين تعرضوا لاحتمال الموت مرارا وتكرارا، الحديث عن أن المخيم يعيد التأكيد على ماضيه، ذلك الماضي الذي صنع حكاية المخيم الذي وقف في وجه الاحتلال وهمجيته.

الوحدة الوطنية

بعض النشطاء يصفون المواجهة الأخيرة بإنها مختلفة عن المعركة التي خاضها مقاتلون من مختلف الفصائل تحت راية موحدة أساسها الوحدة الوطنية، والسبب في ذلك أنها تأتي بعد فترة طويلة من محاولات كسر رمزية المخيم وتهميش الخيار المقاوم بصفته فعلا يمكن أن يقود لنتيجة أو يمكن أن يضمن الوقوف في وجه الاحتلال.
وانتشر فيديو قصير لامرأة عجوز من سكان المخيم تسخر من جيش الاحتلال وتقول مستغربة من الكم الهائل من الوحدات العسكرية التي شنت هجومها على المخيم مشيرة إلى أن كل هؤلاء جاءوا من أجل صبية وشبان صغار ما بين 15 – 22 عاما.
ورأت هذه المرأة مفارقة الجيل الجديد الذي يصر على المقاومة ولا يرى بديلا عنها في ظل الواقع الفلسطيني المعقد.
وقبل العملية العسكرية على المخيم التي حملت اسم «بيت وحديقة» وتم التراجع عنه لاحقا، كان يمكن للمار أن يتجول في المخيم من شرقه إلى غربة بأقل من ربع ساعة، لكن ما فعلته وحدة الهندسة الإسرائيلية جعل من ذلك مسألة صعبة للغاية، فهناك طرق مدمرة وبنية تحتية تم استهدافها بشكل متعمد، فيما يدرك الأهالي الهدف الاحتلالي من وراء كل ذلك. فكلمة «بتتعوض» على كل لسان، جاء ذلك قبل أن يتم الحديث عن أي من مساعدات الإعمار التي قدمتها دول عربية.
وحسب الكاتب ساهر موسى فإن الاحتلال نفذ ما يمكن تسميته «عقدة الضاحية» في مخيم جنين، وهي استراتيجية يستخدمها جيش الاحتلال فيما يتعلق بالحرب غير المتوازنة، وفيها يستهدف الجيش عائلات أو مجتمعات محلية أو أحياء أو قرى أو مدنا فلسطينية بأكملها بسبب فعل قام به فرد أو عدة أفراد.

أشكال العقاب

وأضاف موسى: «تتضمن أشكال العقاب: تدمير البيوت والمصانع والمدارس، واقتلاع الأشجار، وتدمير الأراضي الزراعية والبنى التحتية (مثل مصادر وأنظمة المياه والكهرباء). والهدف دق الأسفين بين السكان ورجال المقاومة».
ويشدد موسى أن هذه الاستراتيجية تقول إن؛ «السكان المدنيين هم المسؤولون عن أفعال رجال المقاومة» وهي مسماة على اسم ضاحية بيروت، معقل حزب الله في بيروت الذي سوته إسرائيل بالأرض خلال حرب لبنان الثانية.
نقطة أخرى يركز عليها حويل ويراها من أهم القضايا التي يجب الاهتمام بها والحفاظ عليها وهي الوحدة الوطنية، معتبرا المخيم ومعركته الحالية كما معاركه السابقة نموذجا للوحدة، «فالوحدة هي الرسالة المقدسة التي يرسلها المخيم ولن ينحرف عنها».
وعملت فصائل أربعة إلى جانب بعضها البعض طوال فترة العملية العسكرية، وهي: سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، وكتائب القسام التابعة لحركة حماس، وكتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، وكتائب أبو علي مصطفى التابعة لحركة الجبهة الشعبية.
ويشدد نشطاء أن المخيم قدم كل المفارقة التي تحتاجها الحالة الفلسطينية، فبدل أن ينكسر قولا وفعلا كما خطط الاحتلال بعقليته الباطشة حلق عاليا وعزز الايمان به والالتفاف حول خياره.
وأضاف ناشط: «في لحظة فارقة كان الجميع يتحضر لمرحلة ما بعد سحق مخيم جنين حدث العكس تماما.. حيث خرج الجميع حالمين بالمزيد من المقاومة، وهو ما انعكس على ممارسات نضالية خارجه بدلالة العلميات التي جرت أثناء العملية العسكرية وما بعدها».
وقال شبان من المخيم أنه سيضاف اقتحام الـ 48 ساعة إلى قائمة الاقتحامات الأبرز للضفة الغربية رغم أنه ليس الأطول. كما يمكن توثيق 9 علميات عسكرية أو اقتحامات إسرائيلية كبيرة للمدن الفلسطينية منذ آذار/مارس 2022 وحتى اللحظة إلا أن ما جرى في مخيم جنين كان ذروة العمليات وأوسعها ضمن حملة «كاسر الأمواج» التي هدفت إلى قمع الحالة النضالية والإجهاز عليها.
هنا تحديدا يتحدث الدكتور حسن خريشة، رئيس المجلس التشريعي السابق والسياسي المخضرم، عن النتيجة التي لخصتها معركة المخيم البطولية معتبرا أنه يمكن قراءة الحدث المهم بالعودة إلى عام 1968 أي «معركة الكرامة».
ومعركة الكرامة هي اشتباك مسلح استمر لمدة 15 ساعة بين جيش الاحتلال الإسرائيلي والقوات المسلحة الأردنية، ومقاتلين من منظمة التحرير الفلسطينية في بلدة الكرامة الأردنية في 21 اذار/مارس 1968 أثناء حرب الاستنزاف، حيث حاولت قوات الكيان الصهيوني احتلال نهر الأردن لأسباب إستراتيجية. فتم التصدي لها ما اضطر الإسرائيليين إلى الانسحاب الكامل من أرض المعركة.

القدرة على الاستمرار

وحسب خريشة فإن الفدائيين الجدد في مخيم جنين قاموا بدور أهم من معركة الكرامة، فقد قاد شباب فلسطيني جديد المقاومة، حملوا الراية، وصنعوا انتصارات مهمة، وبالأساس والجوهر منها أعادوا للفلسطيني كرامته وإيمانه بنفسه وتأكيد في القدرة على الاستمرار.
وحسب الأدبيات الفلسطينية فإن معركة الكرامة تكتسب أهمية كبيرة في التاريخ الفلسطيني المعاصر لكونها تعدُّ نقطة تحوّل باتجاه سيطرة العمل الفدائي الفلسطيني – وخصوصاً حركة فتح- على الساحة السياسية الفلسطينية وعلى منظمة التحرير الفلسطينية، وقد أدت إلى ترسيخ الوجود الفدائي شرقي الأردن وأعطته زخماً شعبياً كبيراً فلسطينياً وعربياً. كما أسهمت في تكريس خيار «حرب العصابات» و«حرب التحرير الشعبية» ضدّ الكيان الصهيوني، بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران/يونيو 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وسيناء.
ويعقب خريشة أن المخيم جدد أسطورته، في عام 2002 مرغ أنف الاحتلال بالتراب فعليا، ونتنياهو خسر المعركة وفشل في تحقيق أي من أهدافه، والمقاومة كسبت الجولة.
ويشدد أن ما جرى في المخيم يشبه ما حدث في معركة الكرامة عام 1968 حيث انتصر مقاومون على قوات الاحتلال بالتعاون مع الجيش الأردني وعبر هذا الانتصار انضم المقاتلون للثورة الفلسطينية وحصل الإقبال الكبير على الخيار المقاوم.
ويختم: «الانتصار كان حليف الفدائيين الجدد، لقد حققوا الكرامة لنا. وسيكون هناك مد مقاوم جديد، وهذا مما لا شك فيه، وكما قال الشهيد الفدائي عدي التميمي حيث أشار في إحدى منشوراته أنه لن يحرر القدس لكن فعله المقاوم سيجلب المزيد من المقاومين وهذا ما سيحدث تماما في المرحلة المقبلة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية