عيد الشعر: بأيِّ حالٍ عدْت يا عيد

قبل الإسلام، تحديدا في العصر الجاهلي، دأبت القبائل العربية على أن تجتمع مرة واحدة في كل سنة بمكان كان يسمى «سوق عكاظ»، لمدة عشرين يوما، من أول ذي القعدة. يبيعون فيه البضائع، ويلقون القصائد؛ ثم تنتقل بعد ذلك مباشرة إلى سوق مجنة، فتقضي فيه عشرة أيام، وينتهي بها المطاف بسوق ذي المجاز. والمأثور عن سوق عكاظ أنه كان سوقا للبضائع الأدبية بالدرجة الأولى، فيأتي الشعراء من كل فج عميق بقصائدهم لتُعرض على محكمين من كبار الشعراء. لقد كان لكل قبيلة شاعرٌ، بمثابة لسان حالها. يتكلم باسمها، ويدون أخبارها، ويفتخر بعلية قومها أمام القبائل الأخرى. لذا كنت تجد الشاعر يُبدعُ في صناعة قصيدته، من حيث الألفاظ والمعاني، حتى تصبح مفسدة للبأس، ذاهبة للضعف بالمنعة.
ويحكى أن العرب قد جمعت أجود ما قاله شعراؤها، وتداولته القبائل في ما بينها من قصائد، ثم كتبتها بماء الذهب، وعلقتها على جدران الكعبة حتى أصبحت عالقة بالأذهان. مياهٌ كثيرة جرت تحت الجسر، ومرت قرون طويلة، ووضعُ الشاعر في المجتمعات العربية، تعاقبا وتلاحقا، ظل محوريا ومؤثرا بشكل قوي في الحياة العامة، إلى حدود بداية الألفية الثالثة.
فبقدر ما أصبح الشعر منتشرا في العالم، بما تمنحه قنوات التواصل الإلكتروني من مساحات كبيرة للنشر، بقدر ما أصبح هذا الكائن مغتربا اغتراب امرئ القيس في باريس، نقلا عن عنوانٍ معبِّرٍ لمسرحية رائد المسرح الاحتفالي في الوطن العربي، المغربي عبد الكريم برشيد. لقد فقد الشعر معناه، وتم تفريغه من محتواه وبُعديه الإنساني والجمالي لصالح التسطيح والجاهز، والمبتذل، عبر شتى الوسائل والوسائط. لقد تحولت جدران الكعبة إلى حيطان الفضاء الأزرق (الفيسبوك) حيث تستبسل الرداءة متشامخة باسم الشعر، وهو منها بريء. مآس عديدة لحقت الشعر وصناع القول الشعري خلال الألفية الثالثة. نكتفي بحادث واحد حتى نتأكد من مدى بشاعة ما يتعرض له الشعراء بشكل مقصود وممنهج، ومدى حجم البؤس الذي ولج في سماء الشعر مثلما يلج الليل في النهار، يتعلق الأمر بحكم الإعدام الذي نفذ في حق الشاعر العراقي أحمد النعيمي بسبب قصيدةٍ «نحن شعب لا يستحي» فيها من الماء ما يكفي لفضح عورة البؤس العربي.

معظم دور النشر اليوم أصبحت ترفض طبعَ ونشر الدواوين الشعرية بمبرّر أنها لم تعد مقروءة أو مطلوبة من طرف القراء.

اغتراب الشعر في عيده لهذه السنة لا غبار عليه. يكفي أن نعطي مؤشرين اثنين من الواقع المغربي لكي نتأكد أنه آن الأوان لكي تقف البشرية جمعاء وقفــــة تأمل ومراجــــعة، مساءلة غـــرورها وجشعها وسعــــيها الحثيث نحو النزوات والمصالح الضيقة، ضاربة، بذلك، عرض الحائط كل القيم الإنسانية النبيلة، من قيم الجمال والتسامح والاختلاف والحقوق باسم الحداثة والحداثة منها براء.
1- إن معظم دور النشر اليوم أصبحت ترفض طبعَ ونشر الدواوين الشعرية بمبرّر أنها لم تعد مقروءة أو مطلوبة من طرف القراء. فإذا قمنا بجردٍ بسيط لمجمل الدواوين المنشورة من قبل دور النشر المغربية، خلال هذه السنة، سنلاحظ أن العدد هزيلٌ جدا بالمقارنة مع باقي الأجناس الأدبية والصنوف الفكرية والثقافية الأخرى، والمبرر دائما هو بوار هذه البضاعة. تصوروا معي أن صناع الثقافة والجمال يحكمهم منطق السوق المعتل، فيما كان عليهم أن يستحضروا رمزية الشعر ودوره في الحفاظ على الجمال والقيم الإنسانية كونيا عبر التاريخ، ولو كلفهم ذلك بعض التضحيات. إن منطق الربح والخسارة في الفعل الثقافي ليس هو الهاجس الأنسب، فقط لان هذا الثقافة ليست من الفداحة.
2- في المغرب لم يكن الشعراء ينجون من مرارة الإهانة والتحقير بسبب لقمة العيش والكرامة. فالعشرات من الشعراء/ الأساتذة المتعاقدين، خرجوا خلال الأيام الأخيرة، ضمن الآلاف من زملائهم الأساتذة، احتجاجا على نظام التعاقد الذي لا يساوي بينهم والأساتذة المرسمين، فكان أن نزلت عليهم هراوات رجال الأمن، وقابلوهم بالركل والرفس، بدون اعتبار لحسهم المرهف أو أنهم يشكلون نخبة لها وضعها الاعتباري والرمزي في المجتمع. قتلُ ما تبقى من رغبة في الإبداع والحياة، بزرع اللاطمأنينة في نفوس هؤلاء الشعراء/الأساتذة، هو وأدٌ للشعر، وللكينونة الأصيلة بتعبير هايدغر، وانتصار بالمقابل للكينونة المزيفة وللتبخيس والموات الذي لا عبرة به. والنتيجة أن بات الشاعر يتأرجح بين التعاقد والتعاقد. بين الخوف والعجز. تخيلوا معي شاعرا/ أستاذا في بداية عطائه الإبداعي والمهني، يتأرجح بين هُجنة الارتجال السياسي وبيان الشعر. والله خلق الإنسان وعلمه البيان.

حاشية على المتن:

ما بين الحائطين (الكعبة والفيسبوك) حائط ثالث هو حائط المبكى .. البكاء على الأطلال. وفي أحسن الأحوال البكاء بين يدي زرقاء اليمامة. رحم الله الشاعر العربي أمل دنقل. ولنا العوض في الشعر، فثمة أمل في العيد المقبل.

٭ شاعر وناقد من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية