بأي معني يمكن أن يكون ابن رشد مدخلا لحوار الثقافات؟

حجم الخط
0

بأي معني يمكن أن يكون ابن رشد مدخلا لحوار الثقافات؟

في المعني الرشدي عالم الاسلام يتشارك مع الغرب في الجذور والانتماء.. واختلافنا هو بالعرض لا بالذاتحوار الحضارات يتم بالعقل المرن المطعم بالقلب والخيال.. العقل الذي لا يحول التخوم إلي خنادق حربيةبأي معني يمكن أن يكون ابن رشد مدخلا لحوار الثقافات؟محمد المصباحيہ ينطوي سؤالنا عن المعني الذي يمكن أن يكون به ابن رشد مدخلا لحوار الثقافات اعترافاً ضمنياً بإمكانية استلهام ابن رشد لحل الصعوبات التي تطرحها نظرية صراع الحضارات، وفي نفس الوقت بحدود هذه الإمكانية.لذلك سيكون علينا منذ البداية أن نزيح الالتباس الذي يثيره الكلام عن العلاقة المحتملة لابن رشد بموضوعنا. فنحن لا نقصد أبداً أن يكون قد خطر علي بال قاضي قرطبة وفيلسوفها التفكير في صراع ما بين الحضارات، وذلك لثلاثة أسباب. أولا لكون هذا الإشكال هو وليد اليوم، أي أنه ثمرة صراع معقد ومرير في إطار العلاقات الدولية منذ انقسام العالم إلي معسكرين كبيرين، المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي. فبعد أن انتهي هذا الصراع بانتصار الليبرالية الرأسمالية بقيادة أمريكا، اتخذ للعالم صورة جديدة أهم مظاهرها عند البعض بروز صراع الحضارات إلي واجهة العلاقات الدولية، وثانيا لأن تفكير ابن رشد السياسي، الذي نشأ خاصة علي هامش شرحه لجمهورية أفلاطون وشرحه لأخلاق وخطابة أرسطو، كان قائما علي نظرة عمودية، تردّ عوامل الصراع والتحول بين ثمانية أنواع من الحكم داخل نفس الحضارة الواحدة إلي أسباب نفسية وأخلاقية أساسا، أي إلي عوامل تتعلق خاصة بطبائع الناس وأخلاقهم، في حين يقترح صامويل هنتنغتون باراديجما paradigme لصراع الحضارات قائما علي نظرة أفقية تتصادم فيها ما بين 5 إلي 8 حضارات تعيش في نفس الوقت موزعة علي القارات الخمس. وقد أضحي هذا التصادم هو المحرك الجديد للتاريخ ابتداء من سقوط حائط برلين، بديلا عن الإيديولوجية التي كانت هي المحرك الأول للتاريخ أثناء الحرب الباردة، وأخيرا لم يكن يخطر علي بال ابن رشد التفكير في موضوع الصراع الحضاري لأن باراديجم صراع الحضارات كما طرحه المفكر الأمريكي مرتبط بجملة من المفاهيم الجديدة كل الجدة علي لغة وثقافة القرون الوسطي: كالإيديولوجية، والثقافة، والحضارة، والحرب الباردة، والرأسمالية والليبرالية والاشتراكية الخ، كما أنه نتيجة مناهج ومقتربات ورؤية للوجود الاجتماعي والتاريخي لا تَمُت بصلة لمناخ قرن ابن رشد، القرن الثاني عشر. نعم، لا بد من الاعتراف بأن ابن رشد كان يضع مجموعة من القيم النفسية والأخلاقية (كالشجاعة، والعفة والحكمة، والشره، والنسب، والكرامة، والحرية، وشهوة التسلط، وشهوة اللذة…) وراء تصنيفه لأنواع الحكم، ووراء تحولها من نمط إلي آخر. وهذا ما قد يجعل المرء يعتقد لأول وهلة أنه من الممكن إدراج هذه القيم ضمن ما يسميه هنتنغتون بتعارض المُثُل والقيم بين الحضارات المتصادمة، لاسيما وأن أسماء مثل الديمقراطية، والمَلَكية، والطغيان، والتربية، وحقوق المرأة… ليست غائبة في جوامع كتاب سياسة أفلاطون. إلا أننا عندما نتفحص القيم الرشدية جيدا نجدها أقرب ما تكون إلي الطبائع النفسية، أو المبادئ العقلية، التي تتصل بفِطَر الأفراد، لا بسياسات الدول واستراتيجيات الحضارات. فالتحولات التي تطرأ علي الدولة الواحدة وضمن الحضارة الواحدة، تكون نتيجة انعكاس تغيرات تحصل بالتدريج في نفس قائد الدولة، وليس العكس، مما يبعدنا كثيرا عن الطرح الثقافي الذي يعطي الأولوية للثقافة الجماعية النابعة من الطبائع الحضارية المتقابلة في زمن واحد، وغبر القابلة، مبدئيا، لأن يتحول بعضها إلي البعض الآخر.وقد كان هذا التعارض في الرؤية التاريخية والإبستيمولوجية بين الطرح الرشدي والطرح الهنتنغتوني من بين الأسباب التي جعلتني في البداية غير متحمس للكلام في هذا الموضوع، إضافة إلي شعوري بأنه ليس من باب الأعراف العلمية أن نحشر مفكراً مرتبطا بحيزه الزماني والمكاني والحضاري في أي موضوع كان، وفي كل مناسبة أُتِيحت، لا سيما إذا كان الموضوع ينتمي إلي زماننا هذا ويتمتع بِرَاهِنية حيّة كموضوع صراع الحضارات. ومع ذلك، فإن من يتأمل مسار شخصية أبي الوليد بن رشد، ويتأمل جملة من أفكاره الأساسية بصدد علاقة الفلسفة بالإنسان، لا يملك إلا أن يُقْدم علي المغامرة من جديد بالكلام في هذا الموضوع. حجة في العلوم الدينية والعقليةفهذا الرجل المشبع بالعلوم الإسلامية إلي درجة انعقد الإجماع حوله بأنه كان حجة فيها، هو نفسه الذي انعقد عليه إجماع آخر بوصفه حجة في العلوم العقلية، أي العلوم اليونانية. هكذا يمكن أن نسمي ابن رشد بذي الحُجَّتين، فهو في نفس الوقت حجة في الثقافة الإسلامية وحجة في الثقافة اليونانية. إن انتصاره للثقافة الأولي لم يمنعه من انفتاحه علي الثانية. وكان وراء هذا الازدواج في الأفق ازدواج آخر، فقد كان بحسه السياسي أحرص ما يكون علي استقرار الدولة وضمان مناعتها وقوتها، وذلك عن طريق الدفاع عن وحدتها الإيديولوجية، لكنه في نفس الوقت كان غيوراً علي الدفاع عن وحدة أخري، هي الوحدة البرهانية، رغبة منه فتح باب الشريعة لاستقبال ذخائر ورؤي الحضارات السابقة عليها، بالرغم من أنها كانت تشكل أفقا مخالفا لأفق الشريعة. وفي الحقيقة، إن ما حرك ابن رشد علي هذا الانفتاح هو نظرته الاستراتيجية التي كانت تعتبر أنه بغير الوحدة بين العلم الوضعي والشريعة، أو بغير الوحدة بين الشريعة الدينية والشريعة الفلسفية، لا يمكن لأمة ما أن تؤمّن بقاءها وتحقق حضورها الحضاري.وبالرغم مما قلناه، علينا أن نعترف بصعوبة الاستئناس بفكر ابن رشد، أو برمزية شخصيته، في تناول موضوع الصراع الحضاري. ذلك أن هذا الاستئناس يضعنا أمام مأزق اختيار زاوية النظر التي يمكن من خلالها أن ننظر إليه. ومرد ذلك إلي أن الإسلام بات في الإعلام الغربي يشكل الحدود الساخنة والدموية مع الحضارة الغربية، بل إنه تحوّل عند منظّر إيديولوجية صراع الحضارات، صامويل هنتنغتون، إلي العدو الشامل للغرب ، هذا من جهة، ومن جهة أخري، صارت إيديولوجية معاداة الغرب والحضارة الحديثة نوعاً من الطقوس اليومية التي تمارسها بعض الاتجاهات الفكرية في ثقافتنا وخصوصا الأصولية منها. الحرب الحضارية، إذن، قائمة منذ مدة بين الأصوليتين، الغربية والإسلامية، دون أن يكون بينهما تكافؤ في العدة والعتاد. فمن أي الجهتين يجدر بنا أن ننظر إلي هذا الصراع، هل من جهة الرد علي الآخر، أم من جهة الرد علي الذات، أم لا من هذه الجهة أو تلك؟ يُخيّل إلينا أننا سنكون رشديين أكثر لو اتخذنا نقطة انطلاقنا الموقف الذي تتخذه بعض اتجاهاتنا الفكرية في التعاطي مع مسألة صراع الحضارات، لا موقف أصحاب عقيدة صراع الحضارات منّا، لأن هذه الزاوية هي نفسها التي نظر ابن رشد من خلالها إلي علاقة الشريعة الإسلامية بالحكمة اليونانية. ذلك أننا نعتقد أن المؤسف في هذه الصراع المتبادل ليس هو عداء الآخر لثقافتنا، وإنما عداؤنا له ولحداثته. فالغرب لن يخسر شيئا كثيرا إن هو أبدي عداءه لثقافتنا، أما رفضنا نحن الانخراط في مجري الحداثة الثقافية التي يقودها الغرب فسيكلفنا ثمناً باهظاً. لذلك فإن ما يهمّنا من هذا النقاش هو فتح باب الحوار مع الذات أولا، حتي نفهم أسباب رسوخ هذه النزعة العنيدة التي ترفض مبدأ التجديد الثقافي، مكتفية بالتشبث بنموذج تقليدي للحياة والتفكير والتصور عفا عليه الزمن. الغاية من هذا الحور إذن أن يسمح لنا بإمكانية خلق مساحة عامة نلتقي فيها جميعا، نحن والغرب، حفاظا علي مكتسبات الحضارة البشرية الحديثة، التي هي ملك للجميع، وليست وَقْفاً علي قوم دون آخرين. من أجل ذلك، سنعمل علي استلهام جملة من المبادئ الفلسفية الرشدية التي تمكننا من بناء ذلك الفضاء المشترك مع الآخر. حوار الحضارات1) وأول مبدأ نقتبسه من الفلسفة الرشدية لمعالجة قضية حوار الحضارات يقضي بأن الفلسفات والعلوم والفنون، والتي هي أساس كل الحضارات، هي عبارة عن كائنات حية، يجري عليها ما يجري علي باقي الكائنات من قوانين الكون والفساد. فمن ناحية، إذا نظرنا إلي الحضارات، بعلومها وفلسفاتها، ككائنات فردية، أي في علاقتها بأمكنة معينة وبأقوام معلومين في التاريخ، فإنها ستكون آيلة إلي الموت لا محالة. ومن ناحية أخري، إذا نظرنا إلي الحضارة في ذاتها، أي ككائن عام، فستبدو لنا خالدة لا تموت. فإن هي تلاشت في زمن ما، ومن منطقة جغرافية ما ـ كما يقول ابن رشد ـ فإنها حتْماً ستنتقل إلي منطقة أخري لتبدأ حياة جديدة أكثر حيوية وعنفوانا. وهذا معناه أنه لا يمكن أن يخلو العالَم لحظة من الحضارة، ما دام الإنسان موجوداً. فإذا طبّقنا هذا المبدأ علي علاقة حضارتنا القديمة بالحضارة الحديثة، فسيكون علينا من جهة أن نعترف بأن حضارتنا العربية الإسلامية قد توقفت منذ زمن طويل عن العطاء، وأنه من العبث العمل علي إحيائها أو القول بأن طريقة نظرتها إلي العالم ما زالت قادرة علي معالجة مشاكلنا وتحدياتنا المعاصرة. ذلك أن كل ما أنتجته حضارتنا من علوم وتقنيات وأنظمة حكم سياسي دخل إلي متحف التاريخ منذ مدة طويلة، ولا يمكنه أن ينفعنا في شيء، اللهم إلا فيما يتعلق بتاريخ العلوم والحضارات، أي الوقوف علي آليات حياتها وموتها والأسباب التي أدت إلي تطورها في زمن ما وفنائها في زمن لاحق. إن الاعتراف بهذا المبدأ لا يشجعنا فقط علي أن نتبني الحضارة المعاصرة باعتبارها حضارة إنسانية، بل ويجعلنا أكثر قوة إزاء هذه الحضارة.2) ينطوي مبدأ فناء الحضارات ـ وهنتنغتون نفسه يقول به ـ علي مبدأ آخر، وهو وحدة الحضارة، الذي يجعلنا نُجرِي علي الحضارة ما أجراه ابن رشد علي العالم، وعلي الحق، وعلي الله. فإذا كان الله واحدا، والعالم واحدا، والإنسان واحدا، فيجب أن تكون الحضارة واحدة. نعم، قد تنتحل الحضارة عدة أسماء، وتتخذ لنفسها عدة رؤي للعالم، وعدة صور، حسب الأزمنة والأمم والشرائع التي ارتبطت بها. ففي زمن سُمِّيت الحضارة بالإغريقية، وفي زمن آخر سُمِّيت بالرومانية، أو الفارسية، أو الإسلامية، وهاهي اليوم تسمي بالحضارة الغربية. ومع ذلك فهي واحدة في جوهرها من حيث هي حوار بين الإنسان والإنسان، وحوار بين الإنسان والطبيعة من أجل تطور وضع الإنسان كإنسان.ومن البيّن بنفسه أن نعوت هذه الحضارات هي نعوت عامة وغير دقيقة، إذ لا توجد حضارة أو ثقافة صافية من أي أثر للثقافات الأخري فيها. فمساهمة اليابان والصين في الحضارة الرقمية اليوم لا تقل أهمية عن مساهمة فرنسا أو ألمانيا، كذلك لن نكون مُنصِفِين إن قلنا بأن الحضارة الإسلامية هي إسلامية خالصة، لأن إسهام الحضارات الفارسية واليونانية والهندية والرومانية وغيرها ليست بأقل أهمية عن إسهام الإسلام فيها. ويكفي دليلا علي ذلك أن نفتح أي كتاب، ككتاب الأغاني مثلا، لنجده عبارة عن حوار حي وخصب بين كل الثقافات الموجودة آنذاك، كما يكفي أن نقف علي حياة أحد رجالات الحضارة العربية الإسلامية، لنجدها عبارة عن نقطة تتجمع فيها موارد كل الحضارات. إن معني مبدأ وحدة الحضارة أنه لا يمكن أن توجد في زمن واحد إلا حضارة عالمية واحدة، وهي التي تجلت في العصور الحديثة تحت اسم الحضارة الغربية. وبالتالي، لم يعد ممكناً الوقوف منها موقف الرفض أو القبول، لأنها هي الفضاء الضروري لحياة الإنسان اليوم مهما تعددت انتماءاتُه وحيثياته التاريخية. فالإنسان مدنيّ بالطبع، ولا يمكن أن يعيش بدون حضارة. ومن ثم فإن رفض الحضارة الحديثة باعتبارها حضارة غربية، أو حضارة أجنبية، هو الحكم علي الذات بالخروج عن سياق الإنسانية. إن رفض كل ما أبدعه الغرب من مؤسسات سياسية وأنظمة فكرية وعلمية وتقنية وقيمية، بدعوي أنها تهدد وجودنا وهويتنا، هو من باب المكابرة والانغلاق علي النفس. لكن مبدأ وحدة الحضارة لا يعني إبادة التعدد الثقافي، فالثقافات تبقي وإن فني أساسها الحضاري. ومن ثم فالحضارة الغربية لم تلغ ـ كما قال هنتنغتون نفسه ـ الثقافات السابقة عليها، بل كانت مصدر غني لها. عندما تكون الخصوصية اداة لمحاربة الذات3) المبدأ الثالث الذي نستلهمه من الفكر الرشدي ينظم العلاقة بين الماهوي والتاريخي. فقد دأب أعداء الحداثة علي رفع شعار الخصوصية الثقافية لمعارضة قيم الحضارة الإنسانية الواحدة، وكأننا نختلف مع الإنسان الغربي اختلاف جوهريا. فيتم مثلا رفض مبدأ الديمقراطية، والطعن في مبادئ حقوق الإنسان بصفة عامة وحقوق المرأة بصفة خاصة، بدعوي أن تطبيقها في مجتمعاتنا من شأنه أن يُفسد هويتنا ويخرب ثقافتنا. وعلي هذا النحو يَجري إقناع الإنسان برفض حقوقه وحريته. هكذا تصبح الخصوصية أداة لمحاربة الذات وتفقيرها، ووسيلة لمنعها من اللّحاق بركب التقدم الأخلاقي والمعنوي الذي حققته الإنسانية باسم الغرب. والحال أن الديمقراطية في ذاتها إما أن تكون ذات مواصفات عالمية شاملة، أو لا تكون. فليست هناك خصوصيات في الديمقراطية، لأنه ليس هناك سوي إنسان واحد وحرية واحدة وكرامة واحدة غير قابلة للتجزيء. أما الاختلاف فهو فقط فيما يخص درجات ومراتب الصعود في سلم التطور، حسب ميزان القوي التاريخي بين الأطراف المؤمنة بالحق والعدالة، والأطراف المعادية لهذه القيم الإنسانية. فالمسألة إذن ليست مسألة ماهية وإنما مسألة ملكية، أو قل إن الأمر لا يتعلق بأن لنا ماهية ثقافية مخالفة لماهية الإنسان الغربي، وإنما نوجد في درجة من السلّم التاريخي غير الدرجة التي يوجد فيها الإنسان الغربي. لذلك نري أننا إن لم نتمثل قيم الحداثة بكل أبعادها فإننا سنفقد مناعة المدنيّة، فنعرّض أنفسنا للرجوع إلي حال الفِطرة المناهضة لروح الثقافة. إن أنصار العودة إلي التقليد لم ينفعونا في شيء: جمّدوا تاريخنا، الغَوْا إرادتنا، قيدوا حريتنا، قمعوا إنساننا، اعترضوا عقلنا. إن أخذ العبرة من التجارب الفاشلة في الاتجار بالتراث والتقاليد واصطناع الحروب الدينية والحضارية يعتبر واجبا فكريا بالنسبة لنا. في مقابل ذلك يدعونا نموذج ابن رشد للإقتداء به: فلو تخيلناه موجودا بيننا اليوم، لَمَا كان من أنصار عقيدة صراع الحضارات، لأنه عندئذ سيكون مسكونا برعب حضاري جارف، وبوسواس حصار ثقافي يمنعه من أن يكتب حرفا واحدا مما كتبه فيما نسميه اليوم بحضارة الآخر. والحال أنه أقدم بجرأة نادرة وبعزم متواصل علي تفسير أعمال الفلاسفة والعلماء والأطباء والفلكيين اليونان اعترافا منه بواجب الحوار الثقافي، والتلاقح الحضاري، مُخاطِراً بذلك بوضعه الاجتماعي والسياسي والعلمي الرفيع.لقد سبقت منّا الإشارة إلي أن ابن رشد كان في جوهره رجل الوحدة، لا الاختلاف في المبادئ والعقائد الأولي. من أجل هذا تصدي لعلماء الكلام والتصوف، لأنهم كانوا يشوشون علي وحدة الحقيقة، ومن خلالها علي وحدة الإنسانية. لقد كان همّه أن يبحث عمّا يوحّد البشرية، لا عمّا يفرقها ويبعد بعضها عن بعض، سواء علي مستوي المعرفة العلمية أو علي صعيد العقيدة الشرعية. غير أنه، كما هو معلوم، لم يشأ أن يفرض نفس النموذج الوحدوي علي هذين المستويين العلمي والعملي، وإنما جعل النموذج البرهاني للعقل النظري مثالا للمعرفة العلمية، والنموذج البرهاني للعقل العملي معياراً للعقيدة الشرعية والحياة العملية ومن بينها الحياة السياسية. ومع ذلك فإنه لم يجعل العلاقة بين نموذجي البرهان النظري والعملي علاقة تقابل، بل علاقة وحدة في القصد والغاية. وبهذه الجهة، نتصور أن ما يفصلنا عن الغرب هو أننا لم نتابع مضمون الرسالة الرشدية، في حين استطاع الغرب أن يطور ما شرع فيه ابن رشد من تقريب أسس البرهان العملي من مبادئ البرهان النظري، وذلك عن طريق فصل الشريعة عن الدولة، وهو ما يُصطلَح عليه اليوم بالعلمانية. إن صراع الحضارات هو صراع القيم. فإذا كان الأمر كذلك، فليس من الحكمة بتاتا التقوقع وراء التقليد دفاعا عن الهوية والنقاء الحضاري، ولا شن الحروب الوقائية ضد الشعوب التي يُعتقَد أنها ليست غربية وبالتالي تهدد صفاء الحضارة الغربية. الحكمة الرشدية تعلّمنا أن نبحث عن حل وسط، عن موقف عدل بين الرافضين لقيم الحداثة، والمروّجين لإيديولوجية صراع الحضارات، أي لعدم قدرة الآخر علي الالتحاق بالركب الحضاري. والموقف العدل في نظرنا تَكفُله الرؤية التاريخية التي تتوخي مراعاة مبدأ المناسبة، أي أن التفاعل بين أمرين يقتضي أن ينتميا إلي نفس الطبيعة. فإذا استبدلنا الطبيعة بالتاريخ، لأمكننا أن نقول بأن كل الحضارات والشعوب لها نفس الطبيعة في نهاية الأمر، إذ الإنسان بطبعه يشتاق السعادة، والعدل والحق، والفرق بينها هو الاختلاف التاريخي، أي مدي القابلية التاريخية لمفاهيم متقدمة للحق والحرية والعدل. لا ننسي أن الغرب لم يصل إلي ما وصل إليه إلا بعد صراع مرير وإبان قرون طويلة، وحق التصويت بالنسبة للمرأة دليل ساطع علي ذلك، إذ لم تتمكن منه في بعض البلدان المتقدمة إلا في أواسط القرن الماضي. من اجل نزع فتيل الصدام بين الحضاراتإذن بدل اختلاق الحدود الدموية الساخنة بين الحضارات، يمكن لمفهوم المجال المشترك الذي يقتضيه الحوار الثقافي أن ينزع فتيل الصدام بين الحضارات، لأنه يخلق لغة مشتركة، وتيارا عاما بين المتحاورين. إن وجود المجال المشترك يسمح بالمناظرة والتوافق علي ما هو في مصلحة الثقافات المختلفة. ولا شك أن التوافق يقتضي جملة من التنازلات من الطرفين: وأهم تلك التنازلات المطلوبة، التخلي عن مبدأ التفوق التقابلي بين القيم الثقافية، والقبول بمبدأ الاختلاف النسبي، ما دامت كل الثقافات تنشد نفس الغاية، وتحمل نفس المعني والحقيقة وإن كانت بدرجات متفاوتة فيما بينها. كما لا يمكن أن يجري الحوار الثقافي المنشود دون التخلي بشكل متوازٍ عن هاجس الحصار الذي صار ينتشر في الغرب بشكل هذياني, وكأن للحضارات الست الأخري إرادة مبَيّتة للنيل من مكاسب الغرب الثقافية، والتخلي عن نزعة المؤامرة التي صارت عادة فكرية لدي الرأي العام الإسلامي. ولا يمكن أن يتحقق التخلص المزدوج من سيكولوجية المواجهة والرفض إلا إذا أظهر الغرب شيئا من الموضوعية تجاه الحضارات الأخري، وحاولت الحضارات الأخري أن ترفع من جودة قيمها حتي تتلاءم مع قيم الحداثة. فبدون تحقيق حد أدني من النِّدية مع الآخر لا يمكن للحوار أن يجري. نخلص مما سبق إلي أنه يمكن أن يكون ابن رشد مدخلا لحوار الثقافات من خلال التركيز علي مبدأ الوحدة. لقد اعتاد مفكرونا أن ينطلقوا في مطالبتهم بالحوار الثقافي مع الغرب من مصادرة المغايرة الجذرية لمنظومة قيمنا مع المنظومة الغربية. بينما نري أن هذا الطريق مسدود، ومن الأفضل البحث عما يوحدنا. والوحدة التي ندعو لها لا تنفي التعدد والاختلاف، لأنهما يطرحان علي مستويين مختلفين. فالوحدة تكون علي مستوي الجوهر، أما الاختلاف فيكون علي مستوي الأعراض. فقد نختلف ثقافيا مع الغرب في درجة اقترابنا من المعايير العالمية لجودة القيم، لكن هذا الاختلاف يبقي اختلافا عرضيا. ومعني ذلك أن الاختلاف في درجة التشبع بروح المساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان ليس مردّه إلي فطرة ثابتة تتميز بها هذه الثقافة عن تلك، وإنما مرده إلي عامل الزمن، أي إلي التوقف التاريخي الذي عانينا منه طويلا. بعبارة أخري، ليست هناك طبائع ثقافية، أو جواهر حضارية منفصلة بعضها عن بعض، وإنما اختلافات في درجة صيرورة ثقافة عن درجة صيرورة ثقافة أخري. فحلبة السباق واحدة، والمتبارون في القيم لهم نفس الفطرة، ويبقي أن الفرق بينهم هو فرق بين من تصدر السباق، ومن هو في الوسط، ومن هو في المؤخرة. نعم، إن هنتنغتون يضع الحضارتين الإسلامية والكنفوشية في مؤخرة القائمة بالقياس إلي الحضارة الغربية التي توجد علي رأسها، ولكننا نعتقد أننا نجري بسرعة أكثر من السرعة التي جرت بها الثقافة الغربية في مجال الإصلاحات السياسية والاجتماعية. فالوقت الذي قضاه الغرب لإعطاء المرأة حق دخول البرلمان أطول بكثير من الوقت الذي تطلب من الشعوب الإسلامية اليوم أن تقطعه. هكذا نصل إلي خلاصة مفادها أن علاقتنا مع الغرب ليست علاقة مغايرة، وإنما هي علاقة اختلاف إضافي. ذلك أنه بالرغم من اختلافاتنا مع الغرب في كثير من الأمور الثقافية، فإننا نتقاسم الجذور المشتركة بيننا، كالانتماء إلي ديانات أهل الكتاب، وإلي التراث الإغريقي والروماني. أو بلغة ابن رشد، إذا كنا مختلفين مع الغرب، فسيكون اختلافنا معه بالعرَض، لا بالذات. الحضارة إذن، وكما قلنا، واحدة ومتعددة لكن بجهتين مختلفتين. فبجانبها الوحدوي تنتسب إلي مجال العقل النظري، الذي يتجلي في الإنجازات العلمية والتقنية، وبجانبها التعددي والاختلافي تنتمي إلي فضاء العقل العملي، الذي يسمح بالاختلاف بين المتلقين. وفي هذا الصدد تحضرني حكمة طبية رددها ابن رشد عن أبوقراط الطبيب تقول لو كان الإنسان شيئا واحدا لما كان يألم ، ومفادها أنه لو كان الإنسان واحداً غير مركب، لما تألم ولما مرض، بل ولما تعرّض للفساد، ومن ثم لما احتجنا إلي الصناعات العملية والنظرية، وهذا أمر مستحيل، لأن الإنسان بما هو إنسان مشار إليه لا بد أن يكون مركبا ومختلفا، بل ومتناقضا. فإذا طبقنا هذا القول علي المجتمع، علي الدولة، وعلي الثقافة، لقلنا بأنه لو كان المجتمع واحدا في هويته، منسجما في ثقافته، لما كان مجتمعا حيّا. ذلك أن التعدد والاختلاف في الآراء والقيم دليل علي الوجود وعلي الحياة، أما الوحدة والبساطة فهما علامتان علي الجمود والتوقف عن الحركة. فما يحرك، سواء علي مستوي الطبيعة أو الإنسان، أو الهوية أو التاريخ، هو الاختلاف والتناقض. لكن بشرط أن لا يصل التعدد والاختلاف إلي حد لا يطاق، أي إلي حد التمانع واستحالة التعايش معاً، إنه في هذه الحالة يصبح الاختلاف رديفاً ومطية للعدم. فأنا أَقبل الاختلاف داخل الوحدة، والوحدة في إطار الاختلاف، فتكون الوحدة من أجل التنوع، والتنوع من أجل تكريس الوحدة، لا من أجل هيمنة فكر عدمي لا يُبقِي ولا يذر، ولا من أجل إلغاء كل المرجعيات والعيش في عراء تاريخي ومعرفي ورمزي تام. فنحن مهما اعتنقنا من أفكار حداثية، تجري في دمائنا ثقافة عتيقة، ومهما انتصرنا للأفكار الأصولية والعتيقة فإن هواء الحداثة يتسرب إلي مسام ذاتنا بقوة لا نشعر بها. إننا نعيش في موقف، أي في برزخ بين مقامين: فنحن نطل بوجه إلي جهة التراث العتيق، وبوجه إلي الحداثة الجامحة، ومن رأَي بوجه واحد، وبعين واحدة، لا يُعوَّل عليه! ومن المثير للانتباه أن ابن رشد لم يتكلم قط عن وحدة الدين علي صعيد المعمور، أي أنه لم يتصور إمكان سيادة دين واحد وشريعة واحدة أو فهم واحد للشريعة علي جميع الأمم، ولكنه في المقابل تكلم عن وحدة الفلسفة والعلم. كان ابن رشد يقول إننا لا نعرف ذاتنا إلا عندما نعرف الآخر، أما قبل أن نعرفه فلا وجود لذاتنا. ويمكن أن نفهم علي ضوء هذا المبدأ لماذا كان ابن رشد يكره المتكلمين، لأنهم كانوا في نظره أداة لرفض الآخر، أداة للتوحيد الإيديولوجي الذي لا طائل ثقافيا أو حضاريا من ورائه، اللهم إلا نشر الفتنة بين الناس. لذلك، ليس من حقنا أن نَعْرِف أنفسنا إلا عندما نعرف ما لسنا إياه، أي إلا عندما نعرف من هم أولئك الذين نعاديهم . ليس من حقنا أن نعرف أنفسنا فقط بالتقابل مع أعدائنا؟ إن هذا هو الموقف الذي يلتقي فيه الأصوليون التقليديون مع الأصولي الحداثي هنتنغتون، فهم جميعا يعرّفون بلدانهم وشعوبهم وتاريخهم بمغايرتهم وتضادهم مع غيرهم. أما نحن فنقول بأن هويتنا، لا تتشكل بما ليست هي أو بنقيض ما يملكه أعداؤنا، لأننا عندئذ سنعرف ذاتنا بالعدم، بل إن هويتنا يجب أن تظل هوية منفتحة علي الضفتين معاً، لأن الحقيقة توجد بين خطابين، توجد في تلك الرحلة التي تقطعها الذات نحو الآخر. إن الانفتاح علي الآخر مشروط بمبدأ رشدي يقول إننا نقبل برأي وعلم الآخر إذا كان حقا، والحال أن ليس كل ما يراه الآخر حقا. فعندما نري مثلا بأن عقيدة صراع الحضارات تفرز مبدأً حربيا يقضي بحق تدخل الحضارة الغربية بالقوة في قيم الحضارات الأخري إن هي خالفت أو هددت قيمها أو بالأحري مصالحها، فإننا لن نقبل ذلك، لأنه ليس حقا. إننا لا نفهم عالمية القيم الحضارية الحديثة بمعني الترخيص للغرب بحق التدخل بالقوة في الثقافات الأخري لفرض منظوره عليها. لقد شاهد العالم بعض الأطراف في الغرب لا تتردد أمام الإطاحة بأنظمة انتخبتها شعوبها بطريقة ديموقراطية، لكونها تهدد مصالح تلك الأطراف، بناء علي مبدأ يقول بأنه من الأفضل للغرب أن تكون الدول المنتمية للحضارات الأخري ديكتاتورية مقيتة ولكنها صديقة للغرب، من أن تكون ديمقراطية ولكنها مناهضة له. أما إذا كان النظام ديكتاتوريا وعدوا للغرب كما هو حال العراق، فإن سيكون جامعا لكل عوامل التدخل.ہہہخلاصة القول، نعتقد بأنه علينا أن لا نجعل الحضارة ذات لون واحد، ذات طعم واحد، فتفقد بذلك حيادها إزاء باقي الألوان الأخري، وقدرتها علي أن توجد في أي مكان، أي بصريح العبارة، علينا أن لا ننسب الحضارة إلي منطقة جغرافية أو عرقية أو ثقافية أو دينية ما، لأنها عندئذ ستصبح الحضارة أو الثقافة عبارة عن إيديولوجية حربية، وأداة عرقية للاستعلاء والإقصاء. إننا لا نتردد لحظة في الاعتراف بالدور الريادي للغرب، وبخاصة لأمريكا في صياغة معالم الحضارة الحديثة، لأنه عندما يغير الأمريكيون بلدهم يتغير العالم معهم، لكننا في المقابل نرفض أي توحيد قسري لكل القيم. فالحقيقة لا توجد في مكان واحد دون غيره، إنها توجد بين الأقوال المختلفة والمتضادة.ومن هذا المنطلق ندعو إلي فصل الغرب عن الحداثة. فالحداثة مكان مشترك ومحايد تلتقي فيه كل الحضارات وكل الثقافات، في حين يُعتَبر الغرب مكانا خاصا ومغلقا في وجه الآخرين. نعم، من نتائج تطور وسائل الاتصال السريع نشر نفس الأذواق، نفس التصورات، نفس الأوهام والخيالات، نفس الرغبات، نفس طرق التفكير والعيش… ولكن يجب أن لا تكون هذه الوحدة البشرية علي غرار منهجية الاستنساخ، فتصبح الشعوب والثقافات نسخا لبعضها بعضاً. فما يميز هذا العالم الذي نعيش فيه هو التعدد والاختلاف في إطار من الوحدة الهشة، وأي تخريب لهذا القانون الأزلي سيكون تهديدا لوجوده.إن جعل ما يسمي بالحضارة الغربية في مواجهة باقي الحضارات الأخري معناه تخلي الحضارة بما هي حضارة عن طابعها المحايد، لتصبح أداة إقصاء وعدوان. والحال، أن الحضارة المعاصرة يجب أن تبقي ملكا مشاعا بين الإنسانية جمعاء، يجب أن تحتفظ بطابعها المحايد حتي تجد فيها كلُّ ثقافة مختلفة مكانها وحيزها الذي يمكن أن تترعرع فيه. ولذلك ينبغي أن نقاوم كل محاولة لبناء جدران عالية تعزل الحضارة الحديثة في غيتو غربي، لأن من شأن ذلك أن يقضي عليها. ذلك أن الحضارة عندما تتوقف عن أن تكون عالمية تتوقف عن أن تكون حضارة. إننا نزعم بأن الحضارة ليست أداة لتحديد الهوية، أي وسيلة للفصل والتمييز، بل هي مجال عام وواسع تنتمي إليه كل الهويات، لأن كل الإنسانية ساهمت فعلاً في بنائها بهذا القدر أو ذاك.لقد قلنا في مكان آخر: إذا سلمنا بأن الحداثة اسم مشترك يقال علي معان مختلفة إلي حد التقابل ، كما هو الحال بالنسبة لما بعد الحداثة ، فبوسعنا أن نستثمر مفهوم العقل الهيولاني لنعطي تعريفا آخر لها، وهو أن الحداثة هي القدرة علي إنشاء مكان محايد، ومجال عام مشترك بين كل العقول، وكل الحضارات، مكان تتساكن وتتحاور فيه تجارب الإنسانية من كل مكان وزمان. وبالفعل، فإن ما نحتاجه في عالمنا اليوم هو بالضبط هذا المكان المحايد الذي يسمح لنا بحرية أكثر في التفكير والعمل، يسمح لكل العقائد والحساسيات الفكرية والثقافية بالوجود، ما نحتاجه في زماننا هذا هو مكان شفاف نلتقي فيه ونتجاوز علي أرضه حدود الأعراق والثقافات والأديان والإيديولوجيات . إن حوار الحضارات بيننا وبين الغرب يعني استعمال العقل وسيطا بيننا. لكن لا العقل الذي يقود إلي المركزية الحضارية وإلي إشعال نار الفتنة بين الثقافات المختلفة، بل العقل المرن المطعم بالقلب والخيال، العقل الذي لا يحوّل التخوم إلي خنادق حربية، وإنما إلي ضفاف ترتع منها الهويات المنفتحة والمتحركة والمتبادلة بين المتحاورين. وفي الحقيقة، إننا جميعا نعيش علي الحدود، ولو كنّا في المركز، لأن من لا يعيش علي الحدود، من لا يتطلع إلي الآخر ليتقاسم معه سبل العيش والوجود، هو في عداد الأموات.ہ كاتب من المغرب7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية