استمع صديق لي مجددا لتلك المداخلة الشهيرة على قناة ‘المحور’ المصرية، حيث يظهر الجنرال عبد الفتاح السيسي أمام نخبة من الانصار والعسكر قائلا: ‘أنتم نن عينينا’.
سألني الصديق عن ‘نن’ العين، مستفسرا عن الجزء الذي يمكن اعتباره المقصود بعبارة السيسي.
بصراحة احترت قليلا، فالنن بالدارجة المصرية قد يعني بؤبؤ العين بلهجة أهل الشام، وخادم الحرمين الشريفين وصف مرتين على الاقل الاردن بأنه بؤبؤ العين.. بعد هذا الوصف، الذي بثته فضائية العربية في وقته، كما احتفل به تلفزيون الاردن دخلت ميزانية البؤبؤ فورا في حالة جوع وضمور حتى وصل الامر لتهديد الرواتب.
يعني باختصار خادم الحرمين الشريفين لم يقدم للبؤبؤ الاردني أي مساعدة فارقة وأزعم شخصيا بان ‘نن’ العين المصري، وعلى طريقة السيسي قد يتجه للدرب نفسه، فالسيسي نفسه أخبر أحد قادة الخليج بأن مصر حتى تتعافى وتضع قدمها على بداية طريق الانتاج تحتاج لـ 200 مليار دولار على الاقل.
من أين سيأتي السيسي بالاموال لكي يحول عبارته عن الجزء الوسطي في العين المخصص لتجميع الصورة في الواقع، وليس لرسمها أو نقلها من تعبير مجازي الى تعبير واقعي وحقيقي.
تصريح بؤبؤ العين الخاص بخادم الحرمين الشريفين، لم يكلفه كثيرا، فقد كان تصريحا للمجاملة فقط، لكن عندما يخبر السيسي الشعب المصري نفسه بأنه بؤبؤ العين وجيوبه خاوية من المال، فيما تصطف الطوابير على رغيف الخبز تصبح العبارات المجازية عبئا ضاغطا على القرار السياسي وليس العكس.
نتأمل دوما السلامة لنن العين في مصر ولبؤبؤها في السعودية، وأقترح مسبقا على الفضائيات أن تتجاوز مثل هذه التعبيرات، حرصا على قدرة الابصار نفسها، فقد هرمنا من المبالغات واللف والدوران ومخاطبة الغرائز!
فعلها باسم يوسف
حسنا فعل المذيع المصري الشهير باسم يوسف، عندما إختصر الطريق على نفسه وعلينا ومارس الخطأ البصري ودفعنا لإلتقاط الرسالة، فالرجل عاد بحلقاته وإسمها ‘البرنامج’ ضمن موسم خاص لـ’أم بي سي’ في النسخة المصرية المدعومة من السعودية، التي تدعم بدورها الجنرال السيسي ‘للصاجة’ على حد تعبير المقولة الشعبية الأردنية الدارجة.
حسنا فعل باسم يوسف لإنه أبلغ المشاهدين مسبقا وفي الحلقة الأولى بأنه لن يتعرض لـ’السيسي’ لا من قريب ولا من بعيد.
هرب الرجل من السياسة والسيسي والإنقلاب وملف الاخوان المسلمين بإتجاه الموضة والرياضة والتجارة، وقفشات إجتماعية هنا وهناك، لكنه في الواقع هرب من السيسي إليه تماما فوكالات الأنباء رصدت مفردة السيسي 72 مرة في برنامج باسم يوسف.
تمثل ذلك في ملابس الموضة، التي حملت إسم السيسي، وتاجر الخضار الذي يبيع ‘سيسيات’، على حد تعبير أحد الساخرين إلى نجوم الموسيقى والرياضة، الذين قاموا بإهداء منتجهم للجنرال السيسي.
لو كنت مكان المذيع اللامع لإختصرت المسافات بصورة أفضل، فبدلا من وصلة النفاق للسيسي، التي حفلت بها جميع فقرات البرنامج، لكنت قد أعددت فقرة واحدة مليئة بالنفاق وتحديدا من الحجم، الذي تتخصص به فضائية سورية الثانية، عندما تتحدث عن القائد الملهم العلامة الفهامة بشار الأسد!
لو نافق باسم يوسف للسيسي مرة واحدة لتمكن من تقديم فقرات أكثر إستقلالية لنا لاحقا بدلا من هذه الخدعة البائسة، فالبقالة الفضائية السعودية، فتحت أبوابها للمذيع إياه تحت عنوان ‘إعادة تغليف الغبار’.
الحكومة تبيع مياها مسرقة للمواطن
تذكرت وأنا أستمع لخبراء عن كيفية قيام نخبة من كبار اللصوص للمياه بعملهم في بلادي، ذلك المشهد الذي أعاده علينا التلفزيون الأردني في مرحلة الطفولة مئات المرات، حيث يفتتح الملك حسين بن طلال – رحمه الله- مشروعا مائيا ضخما تتدفق فيه المياه وسط التصفير والتصفيق لري مزروعات المواطنين.
حرب المياه هو العنوان، الذي حمله برنامج بثته فضائية ‘بي بي سي’ العربي وقبلها بثت فضائية ‘الجزيرة’ سلسلة برامج.
الحرب مع لصوص المياه في الأردن تبدو أكثر طرافة وما بلغني أن القاضي في المحكمة في قضايا سرقة المياه صغيرة أو كبيرة يستمع لأقوال الموظف، الذي قام بتحرير المخالفة وضبط الواقعة.
يوجه للموظف سؤالا صغير: هل رأيت بعينك سرقة المياه؟ في أغلب الأحيان الجواب بالنفي، فكل المعدات واللوجستيات والدلائل والقرائن تقول بالسرقة، لكن من الصعب تثبيتها في محضر رسمي تحت القسم.
هنا حصريا البعرة لا تدل على البعير، والقانون يتضمن قصورا لإنه يضع قيودا على إجتهادات المحكمة ويتضمن نصا مباشرا على ضبط عملية السرقة.
لذلك يفلت كبار اللصوص من العقاب والقانون المرة تلو المرة… أحدهم أقسم لي أنه بقي لخمس سنوات يبحث عن ‘ماسورة’ غير شرعية في إحدى المناطق تسرق منها كمية هائلة من المياه، ولم يجدها لإن السارق حفر نفقا لإخفاء ماكينة الجريمة تتطلب جهازا لفحص المعادن للوصول إليها.
أطرف ما سمعته أن بعض لصوص المياه الذين حفروا الآبار الجوفية بصورة غير شرعية يبيعون وزارة المياه كميات المياه المسروقة التي توزعها الوزارة بدورها على المواطنين.. حتى أفلام الخيال العلمي لا يمكنها توقع حالة مماثلة الأدهى والأمر هو ما يلي: سلطة المياه تشتري أحيانا من مواطنين عاديين كميات من المياه لا توجد أصلا في آبارهم مما يعني التلاعب بالكميات والفواتير والعدادات.
يعني مؤسسات وظيفتها عد ومراقبة المياه يتم خداعها… ذلك بطبيعة الحال لا يحصل إلا عن طريق الشراكة بين فاسد خارجي وفاسد داخلي ‘يعني داخل النظام’… إستعدت مشهد الملك الراحل وهو فرح بالمشروع، الذي أفسدناه نحن من بعده وأشفقت على ولده الملك عبدلله الثاني وهو يجول الدنيا بحثا عن طريقة لتوفير الأمن المائي لشعب يدافع بعضه ‘المسروق’ عن بعضه ‘السارق’ في أغلب الحالات.
* مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمان