لندن ـ «القدس العربي»: استخدمت الإدارة الأمريكية أقوى العبارات لوصف التهديد الذي يمثله مقاتلو الدولة الإسلامية على أمن الولايات المتحدة والعراق والمنطقة بشكل عام، لكن الخطة التي اقترحها الرئيس باراك أوباما محدودة الأهداف والمنظور وبالتالي ستكون نتائجها محدودة. فهي لن تؤدي لوقف تقدم داعش سواء في سوريا أم العراق. فقد جذب التنظيم إليه أعدادا من المتطوعين الأجانب، ويملك ترسانة عسكرية متقدمة وخزينته مليئة بالمال وحقق ما لم يحققه أي تنظيم من التنظيمات التابعة للقاعدة منذ هجمات أيلول/سبتمبر.
ورغم خطورة التنظيم إلا أن التدخل الأمريكي في شمال العراق ظل مرتبطا بالحدود التي فرضت على التدخل العسكري الأمريكي، غارات جوية، مستشارون عسكريون وأسلحة ولكن لا عودة للجيش الأمريكي للعراق مرة أخرى.
مهمة محدودة
ومن هنا ترى صحيفة «واشنطن بوست» نوعا من غياب العلاقة بين التقييم المخيف لخطر الدولة الإسلامية وغياب الخطة الطارئة لمواجهته. وترى أن وراء هذا خليط من الضوابط السياسية والعسكرية ومن أهمها غياب الإستراتيجية العسكرية الواضحة لوقف تقدم واستعادة ما سيطر عليه التنظيم منذ بداية العام الحالي، يضاف إلى هذا التعب والخوف من التورط بحرب جديدة، وغياب الرؤية حول خطط الدولة نفسها للتحول من قوة إقليمية لقوة ذات امتدادات دولية تهدد الولايات المتحدة وأوروبا. ففي الوقت الحالي ركزت الحملة الأمريكية جهودها على حماية المواطنين الأمريكيين في بغداد وإربيل وتوفير الدعم الإنساني للإيزيديين والطوائف الأخرى التي فرت من مقاتلي الدولة الإسلامية.
وعلى ما يبدو فالعملية الأمريكية لإنقاذ الإيزيديين قد توقفت بسبب خروج معظمهم من جبل سنجار.وبنفس السياق فالغارات الجوية الأمريكية لا تهدف لهزيمة المتشددين واسترجاع ما سيطروا عليه وهو ما اعترف به الجنرال ويليام ميفايل، الضابط البارز في هيئة الأركان المشتركة «تأثيرنا مؤقت» أي الغارات الجوية.
وتتعرض إدارة آوباما لهجوم شرس من صقور الحزب الجمهوري الذين يعتقدون أن أوباما يقوم بتضييع فرصة ذهبية لتوجيه ضربة قوية وموجع للمتمردين السنة.
ويرى الأدميرال جيمس ستارفيديس من القائد العام السابق لقوات التحالف في حلف الناتو والعميد الحالي لمدرسة فليتشر في جامعة تافت ان «الوقت جوهري» فكلما طال أمد الغارات الجوية عثر مقاتلو الدولة الإسلامية على طرق لتجنبها.
ويعتقد الجنرال انه بدون رد قوي بما في ذلك قوات خاصة على الأرض تظل فرص وقف تقدم الدولة الإسلامية قليلة.
ويوافق المسؤولون في البنتاغون على هذا التقييم، فالغارات الجوية الأمريكية لن يكون لها ذلك الأثر طالما غاب الشريك العراقي الحقيقي على الأرض لمواجهة عدو قوي.
جيل مؤهل
ويعترف المسؤولون الأمريكيون أن الجيل الجديد من المقاتلين الإسلاميين في العراق يتمتع بتدريب وتسليح جيد أفضل من الجيل الذي واجه الولايات المتحدة بعد غزو عام 2003 ويضاف إلى هذا ان واشنطن لا تحلق طائراتها اليوم في الأجواء العراقية بكثافة ما حدث أثناء الغزو.
وفي ذلك الوقت لم تستطع الولايات المتحدة هزيمة المقاومة رغم ما امتلكته من تفوق عسكري حسبما يقول ستيفن بيدل المحاضر في جامعة جورج واشنطن والذي يقدم الاستشارة بشكل مستمر للجيش الأمريكي، فإذا لم تستطع الولايات المتحدة هزيمتهم في ذلك الوقت فكيف ستكون قادرة اليوم على دحرهم وبقوة جوية محدودة.
ويرى محللون عسكريون أن قوات برية ستكون كفيلة بهزيمة الدولة الإسلامية وهذا رهن بموافقة أوباما على نشر عدد كاف من القوات الخاصة والمستشارين العسكريين والأمنيين والوحدات الطبية التي تعمل إلى جانب القوات العراقية بالإضافة لإقناع العرب السنة بالتوقف عن دعم الدولة والمشاركة في حربها وذلك بحسب العقيد ديرك هارفي المسؤول السابق في العراق والقيادة المركزية.ويعتقد هارفي أن هزيمة الدولة تحتاج إلى نشر ما بين 6-8 آلاف جندي.
وهذا الرأي يجري خلافا لموقف أوباما الذي دخل السباق الرئاسي عام 2008 لإنهاء الحرب في العراق وأفغانستان ولأنه قال ان عودة القوات البرية للعراق خارج التفكير لأنه لا يوجد حل عسكري للعراق.
ومع ذلك تواجه إدارة الرئيس أوباما معضلة في العراق من ناحية ربطها حل مشكلة داعش بالتقدم السياسي في بغداد وحل أزمة تشكيل الحكومة الجديدة، كما أن التعويل على إعادة تأهيل القوات العراقية حتى تتمكمن من مواجهة الدولة الإسلامية أو إقناع السنة التخلي عن الدولة يحتاج لسنوات. فالوقت ليس في صالح الإدارة وكلما تمكنت الدولة من بناء قواعد لها صعب استعادة المدن الواقعة تحت حكمها.
هل سيضرب أمريكا
ويلح الأمريكيون على فكرة الخطر المقبل من الدولة على أمريكا والغرب بشكل عام، حيث تراقب الدول الغربية تحركات الناشطين الذين انضموا للتنظيم إن في سوريا أو العراق. فالدولة الإسلامية وهو اسم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) لديه قدره إعلامية على جذب وتجنيد الأجانب.
ومهما كانت تهديدات الدولة للغرب فتظل في هذه المرحلة بعيدة عن التحقق نظرا لانشغالها بالتوسع في المناطق العراقية والسورية.
وفي الوقت الذي يتعرض المقاتلون التابعون لها في العراق للغارات الأمريكية يقوم الفرع السوري بتوسيع مجاله في شمال البلاد والعودة للمناطق قرب حلب التي أجبر التنظيم على الخروج منها نهاية العام الماضي.
ويقول مسؤول أمريكي بارز ان جهود الدول الإسلامية في الوقت الحالي تتركز على سوريا والعراق رغم أن المتحدثين باسمها تحدثوا عن قتال الولايات المتحدة». ولن تتحول الدولة لتهديد حقيقي على الغرب إلا في حالة عودة المقاتلين من حملة الجوازات الغربية لبلادهم والإدارة واثقة من ان الوكالات الأمنية مؤهلة لاكتشافهم قبل القيام بأية عملية.
وهناك أمر آخر يتعلق بالمسؤوليات التي يتحملها التنظيم الآن، فسيطرته على مناطق شاسعة تضع عليه أعباء لتوفير الخدمات الرئيسية وفشله في هذا المجال يجعله عرضة لنقد أو سخط من رحبوا به على الأقل كبديل عن حكومة نوري المالكي الطائفية.
لماذا تعجل؟
ويبدو أن هناك عدم رضا من ممارسات الدولة في شمال العراق. فبحسب ديفيد إغناطيوس المعلق الأمريكي المعروف نقلا عن مسؤولين سنيين تحدثا إلى مجموعة «اسبين الإستراتيجية».
وقال أحدهما «تعاطف»السنة» في البداية وبشكل كبير مع الدولة الإسلامية التي رأوا فيها حاميا للسنة» أما «الآن فلا يفرقون بينها وبين تنظيم للقاعدة وهي تقوم بتفجير المساجد وقتل الناس»، وتحول المقاتلون التابعون لها إلى «عدو للجميع».ويرى إغناطيوس أن زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي تعجل في الإعلان عن «الخلافة» لانه وحد الجميع ضده: السعوديون والإيرانيون والأتراك والأكراد وشيعة العراق والسنة والأكراد.كما أجبر الرئيس باراك أوباما المتردد على شن عملية عسكرية جوية ضده. وذكر إغناطيوس أن تعجل البغدادي في البحث عن الخلافة جاء في تجاهل واضح لنصيحة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الذي حذر أتباعه من بناء دول لا يستطيعون الدفاع عنها، وحذرهم من الظهور بمظهر من يبحثون عن السلطة ويقتلون إخوانهم المسلمين. ويستند إغناطيوس في حديثه على وثيقة عثر عليها في مقر إقامة بن لادن في سنواته الأخيرة في آبوت أباد قبل مقتله عام 2011. فقد تنبأ بن لادن من أن أتباعه لديهم القدرة على ربح حروب كثيرة ولكنهم قد يخسرون الحرب.
وقال بن لادن «نريد دولة إسلامية ولكن علينا أولا التأكد من قدراتنا للسيطرة عليها ـ وحتى لو كنا نملك القدرات العسكرية والاقتصادية التي نغلب من خلالها خصمنا، فقد ظل عدونا قادرا سواء قبل أو بعد (9/11) على تدمير أي دولة نقوم بإنشائها».
وفي السياق يتحدث الكاتب عن العملية العسكرية التي أعلن عنها أوباما والتي أوضح خطوطها العامة، ويرى أن هذه الخطة المحدودة تقتضي منه دعم الميليشيات التي تقاتل تحت العلم العراقي بمن فيها البيشمركة وقوات الحرس الوطني السنية الجديدة.
ونصح إغناطيوس أوباما بتعيين الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس، قائد القوات الأمريكية السابق في العراق ومدير سي أي إيه السابق كمبعوث خاص له في العراق مع رايان كروكر، السفير الأمريكي السابق في بغداد باعتبارهما من أفضل الأمريكيين العارفين بما يجري في العراق.
فرصة البغدادي
ولا نعرف ما الذي دفع البغدادي على إعلان الخلافة، فبحسب ديفيد بلير في صحيفة «دايلي تلغراف» كان الاجتياح السوفييتي لأفغانستان عام 1979 فرصة أدت لخروج أسامة بن لادن، وفي عام 2011 عندما استخدم بشارالأسد القبضة الأمنية لوقف الانتفاضة السنية فقد فتح الباب أمام البغدادي للظهور واعطاه فرصة للسيطرة على مناطق تمتد من العراق لسوريا وتغطي آلاف الأميال.
وحذر الكاتب من «فيروس» البغدادي الذي يلاحق الأقليات في العراق ووصل لشوارع لندن حيث وزعت منشورات في شارع المال والتجارة «اوكسفورد ستريت» تدعو المسلمين السفر للدولة الإسلامية في العراق. وذكر الكاتب هنا بما قاله كوفي عنان، المبعوث الدولي الخاص لسوريا عام 2012 من ان سوريا لن «تنهار» بل «ستنفجر وتؤثر على ما حولها».
ويناقش بلير فكرة خطر البغدادي ودولته على الغرب مشيرا إلى ما قاله مدير الاستخبارات البريطانية السابق سير ريتشارد ديرلاف الذي قال ان الحديث عن الخطر الإرهابي مبالغ فيه وان هدف البغدادي ليس إنشاء دولة تقوم بالهجوم على الغرب ولكن للسيطرة على الشرق الأوسط وشن حرب ضد الأٌقليات. والأيام كفيلة بإثبات مقولة ديرلاف أو خطلها.
فقد أثبت البغدادي- الخليفة إبراهيم- أو إبراهيم السامرائي أنه ليس مجرد عالم دين متطرف بقدر ما هو مفكر استراتيجي وقائد عسكري.
وحقق الكثير منذ توليه تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان فرعا عن القاعدة في عام 2010 عندما كانت خلايا التنظيم محدودة في منطقة بغداد.
ولكن عقدا من العمليات أعطت البغدادي وجنوده المقدرة على شن هجمات منسقة وتجاوز العقبات ونقاط التفتيش، ويذكر كيف كان قريبا من عملية شنوها في آذار/مارس 2013 على وزارة العدل المحاطة بنقاط التفتيش والجدران الواقية من الرصاص. فقد دمروا أولا الدفاعات ومن ثم فتحوا الباب أمام شاحنة محشوة بالمتفجرات وفجروها أمام مدخل الوزارة. فقد تعلمت خلايا البغدادي طريقة تدمير ثلاثة خطوط من الدفاع قبل الوصول للهدف. وبعد شهر من هذه العملية نقل البغدادي مسرح عملياته لسوريا معلنا ولادة الدولة الإسلامية في العراق والشام.
ومرة أخرى أظهر كفاءته وتفكيره البعيد النظر فبدلا من المشاركة في حرب الاستنزاف في حلب توجه نحو حقول النفط حول دير الزور شرق سوريا، فبسيطرته على هذه المناطق أمن له ولأتباعه مصدرا للتمويل، وأصبح تنظيمه يعتمد على نفسه بدلا من تبرعات الخارج. وقد دفعت استقلالية البغدادي زعيم القاعدة أيمن الظواهري للطلب منه حل الدولة والاندماج مع جبهة النصرة. ولأن البغدادي شعر بالقوة فقد رفض تنفيذ الأمر.
وأدى هذا لولادة «نموذج جديد في المنطقة حل محل القاعدة» حسب تعبير أحد الدبلوماسيين. ولاحظ بلير أن البغدادي حتى في حملته قبل شهرين في العراق تجنب الدخول في معارك لا معنى لها ومحاولة السيطرة على العاصمة وركز بدلا من ذلك على السيطرة على مناطق ذات أهمية اقتصادية مثل الموصل التي سيطر فيها على مخازن السلاح.
وعلى خلاف بن لادن الذي كان يصدر أشرطة فيديو وكاسيت تجنب البغدادي هذا النوع من الدعاية تاركا لنجاحاته التحدث نيابة عنه.
في الوقت الحالي ينشغل البغدادي بمعاركه ولكن عندما يزداد عدد الأجانب في صفوفه فقد تتغير النظرة وعندها تصبح فكرة ضرب الغرب مغرية له.
إبراهيم درويش