بائع الصحف الباريسي علي أكبر.. صفحة أخيرة من زمن المناداة على العناوين

حجم الخط
0

باريس: يتنقّل الباكستاني علي أكبر يوميًا بين الباحات الخارجية للمقاهي في وسط باريس، حيث اعتاد روادها رؤية هذا المسنّ، الذي يُعدّ آخر بائع صحف ينادي عليها بصوته في العاصمة الفرنسية.

ويجوب بائع الجرائد العتيق شوارع منطقة سان جيرمان دي بريه الباريسية، التي يرتادها المثقفون وتنتشر فيها المعارض الفنية والمكتبات، ويستمتع سكانها والسياح بمشهده وهو ينادي بعناوين جذابة وطريفة أحيانًا، مثل: “فرنسا في حال أفضل” و”إريك زيمور يعتنق الإسلام”، في إشارة إلى المرشح اليميني المتطرف للانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022.

ويُضفي حضور علي أكبر طابع “القرية” على العاصمة الفرنسية.

وتقول أمينة قيسي، التي تعمل نادلة في مطعم مقابل سوق سان جيرمان وتعرف البائع الباكستاني منذ أكثر من 20 عامًا: “حتى الجدران يمكنها أن تتحدث عن علي”.

وتلاحظ أمينة أن هذا الرجل النحيل ذا الوجه الرقيق، الذي يحمل صحفه على ذراعه، “شخصية لا تتجزأ من الحي”، وتضيف: “حتى السياح يسألوننا عنه إن لم يروه!”.

حياة شاقة

وعد الرئيس إيمانويل ماكرون بمنح علي أكبر قريبًا وسام الاستحقاق الوطني من رتبة فارس تقديرًا “لالتزامه في خدمة فرنسا”.

ويعلّق علي أكبر، الذي يضع نظارة دائرية، ويرتدي بزة عمّالية زرقاء، ويعتمر قبعة باعة الجرائد المعروفة بـ “غافروش”، وقد بات متخصصًا بشكل رئيسي في بيع صحيفة “لوموند”: “في البداية، لم أصدق ذلك. لا بد أن أصدقاء طلبوا من ماكرون ذلك… أو ربما اتخذ القرار من تلقاء نفسه”. ويتابع متذكرًا: “كنا نلتقي كثيرًا عندما كان طالبًا”.

ويضيف: “أعتقد أن ذلك يعود إلى شجاعتي، لأنني عملت كثيرًا”.

كان علي أكبر في العشرين من عمره عندما وصل إلى فرنسا، سعيًا للخروج من الفقر وإرسال المال إلى عائلته في باكستان. عمل بحّارًا، ثم غاسل أطباق في مطعم بمدينة روان (شمال غرب فرنسا)، قبل أن يتعرّف في باريس إلى جورج بيرنييه، الملقّب بـ”البروفيسور شورون”، الذي عرض عليه بيع صحيفتيه الساخرتين “هارا كيري” و”شارلي إبدو”.

وعاش علي فترة بلا مأوى، ويروي أنه تعرّض خلالها لاعتداءات، وعانى الفقر المدقع، إلا أنه لم يستسلم يومًا.

وينقل أصغر أبنائه الخمسة، شهاب، عن والده قوله له: “سيضع إيمانويل ماكرون بعض البيتادين (المطهّر الموضعي) على جراحي”. ويشير الشاب، البالغ 30 عامًا، إلى أنه “معجب جدًا” بأبيه.

ويفتخر شهاب بعدد وسائل الإعلام الأجنبية التي كتبت عن والده أو أجرت تحقيقات مصوّرة عنه، ومنها “نيويورك تايمز” و”بي بي سي” و”آسيا بيزنس ديلي” و”لا ستامبا”.

عندما بدأ علي أكبر العمل كبائع جرائد في سبعينيات القرن العشرين، ركّز على الدائرة السادسة في باريس، التي كانت آنذاك حيًا جامعيًا “يمكن تناول الطعام فيه بأسعار معقولة”. وكان يتردد على شارع سان غيّوم أمام جامعة “سيانس بو” للعلوم السياسية، ويروي أنه تعلّم الفرنسية من أحاديثه مع الطلاب، ومن بينهم رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب، و”كُثر غيره ممن أصبحوا وزراء أو نوابًا”.

“ابتكار النكات”

كان في باريس آنذاك نحو 40 بائع صحف جوّالاً يتمركزون في مواقع إستراتيجية كمداخل محطات المترو. أما هو، فتميّز باختياره التجوّل في الحي اللاتيني. وفي ثمانينيات القرن الماضي، بدأ في ابتكار عناوين مثيرة.

ويشرح قائلًا: “أريد أن يعيش الناس في سعادة. أفعل هذا من أجل إشاعة جو محبّب، هذا كل ما في الأمر”. لكنه يُقرّ بأنه يواجه “صعوبة متزايدة في ابتكار النكات الجيدة، لأن الوضع فوضوي جدًا”.

ويتلقى علي أكبر معاشًا تقاعديًا قدره ألف يورو شهريًا، لكنه يواصل العمل من الثالثة عصرًا حتى العاشرة مساءً. ولأن الزبائن يندرون أحيانًا، يبيع في المتوسط 30 صحيفة يوميًا، مقارنة بما بين 150 و200 نسخة في بداياته.

ويقول مازحًا: “طالما لديّ طاقة، سأواصل العمل حتى الموت!”.

وترى أمل غالي (36 عامًا)، التي كانت تجلس في الباحة الخارجية لأحد المقاهي، أن علي أكبر “مؤثّر”. وتضيف: “جميل أن نرى ذلك في العصر الرقمي… ولكن يا للأسف، لن يتذوق أبناؤنا أبدًا متعة قراءة صحيفة خلال ارتشاف فنجان قهوة”.

(أ ف ب)

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية