بابا ..أريد رؤية البحر!

حجم الخط
0

سهيل كيوان

علمني والدي أن الإنسان يأتي من الغيب بقدرة السماء، يشرب ويأكل وينمو، يمشي يلعب ثم يدخل المدرسة ليتعلم الحروف والأسماء، يشكّلُ بالرمل والطين والتراب والمعجونة أشكالا وتماثيل ونجوما وسماء، يرسم أشجاراً أنهاراً بيوتاً أزهارا أقماراً وعصافير. في يوم ميلادي الأخير، أجلسوني علي كرسي المعلمة لأنني قصير، صرت أميراً، كل من حولي غنوا لي سنة حلوة يا جميل! طلبوا أن أنشدَ فخجلتُ وعندما ألحّوا غنيت طوط طوط عا بيروت يا بيي خدني مشوار شعرت أنّ لي جناحين طرت بهما، قبّلتني ماما ووزّعتْ حلوي وسألني والدي ماذا تريد هدية؟ فقلت أن أري البحر هذا كل ما أريد فوعدني في أقرب فرصة إن شاء الله! أما والدتي فقالت لي في ذلك النهار ها قد صرت رجلاً في الخامسةً، واعلم يا بني أن الله خلقنا كي نعبده وخيرنا بين طريقين الخير أو الشّر، وبعد عمر طويل تعود أجسادنا تراباً، ثم ننهض من غفوتنا للمساءلة والحساب، فمن جاء وكتابه بيمينه كان من أهل السعادة والهناء، ومن أتي وكتابه بشماله فهو من أهل الشقاء، ولهذا حرصتُ علي حمل حقيبتي المدرسية بيميني حتي عندما جرح حزامها أصابعي، وإذا أخطأت وحملت كتابيَ بشمالي أُسرع لإصلاح الخطأ. توسّم بي الجميع خيراً فقد حفظت بسرعة بعض قصار السُوَر، وبدأت والدتي تحكي لي عن سِيَر الصالحين والأنبياء، وقالوا إنه سيكون لي شأن عظيم! ولكن أمراً فظيعا قد حدث لا أذكر منه شيئاً، من تحت التراب وفي الحفرة الجماعية التي وجدت نفسي فيها سمعتهم يقولون إننا شهداء.

حتي زميلي حسين الذي كان يسرق اللوز والخوخ والرمان ولم يحفظ أي سورة من القرآن، أرواح الشهداء تحفظ في حواصل طيور خضر، والأطفال هم طيور الجنة ففرحت رغم تمزق جسدي واختلاط اعضائي بأعضاء حسين، ووددت لو أُطمئِنَِ والديّ بالكفّ عن البكاء لأن الأطفال في العدم لا يشعرون بالألم، ولكن ما آلمني هو أنني لم أحقق أمنيتي برؤية البحر! وفوجئت أنني قد عدت بعد سنوات الي المكان ذاته كأنما كنت في زيارة أقرباء في العطلة الصيفية، هذه مدرسة قانا وهذا مسجدها، هذه طرقاتها وهذا نصب شهدائها الذين كنت واحداً منهم، مرة أخري طالبت والدي أن يشتري لي علبة ألوان مائية وأن يأخذني الي بحر صور أو صيدا وحتي بيروت كي أرسم البحر، فوعدني هذه المرة بشرفه وصدّقته، مرّت أيّام وأسابيع وأشهر وأنا ألحُّ طالباً رؤية البحر. بالأمس وكانت السماء مغبرة في آخر تموز الذي يقطفون فيه الكوز وعدني قائلاً عندما تتوقف زخات النار من السماء سآخذك الي البحر قلت له وإذا متّ! فقال لا يمكن أن تقتل في المكان نفسه وبيد القاتل نفسه مرتين ولهذا بِتُّ ليلتي مطمئناً رغم الرُعب وجوع الطائرات للأطفال! بدأت أحلم برسم الرمال والأزرق الكبير، ثم بدأت أسبح وأسبح غير مصدق أنني في البحر، وفجأة انتبهت أن المياه دموية فارتعبت، حاولت الهرب بسرعة فأمسكت بي موجة عاتية شدّتني الي الأعماق، صرخت فضاع صوتي، حاولت إخراج رأسي ولكنها شدّتني بأنياب وأظافر من نار وابتلعتني، أنقذني يا بابا انقذني يا بابا.. كان يلطم وجهه من بعيد وعيناه جمرتان سامحني يا حبيبي سامحني كبدي فأنا لم أومن بإمكان قتلك باليد نفسها والحقد نفسه مرتين وفي ذات المكان… كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية