بابا أميركا يجلس في مقهي بغداد يشرب الشاي ويسمع المقام العراقي
هاشم شفيقبابا أميركا يجلس في مقهي بغداد يشرب الشاي ويسمع المقام العراقي حطتْ طائرة الهليكوبتر علي قصيدتي ،تفكك البيتُوتداعت السطورُ ـالسياجُ يئن من الأزيزَوزهرة الشبوي ترتجفُمن هواء المروحيات ـاكتسح الجناحُ الأيسرُ فراشات الحديقةوالجناحُ الأيمنُ حطم الأريجَالمقيمَ وراء الجدار ـالجزمة العسكرية تهبط علي الكلمات ِوتخدش المعاني ـالبنادقُ مصوبة باتجاه الاستعارةِ ـالدخانُ يغطي الرموزويخترق الاشارات.اناعلي السطح كنتُ ،أغسلُ وجهي بضياء النجوموأحلمُ بالآتيوحين أتوا بطائرة الهليكوبترتركتُ في القصيدة قمصانيوأحذيتيومشطيوكتابا مفتوحاً ،تركتُ ساعتيوخاتمَ الزواج ِوبعض غيوم ٍ هدية أميونخلاً من أبيوكوب ماءٍ،تركتُ شموعاً فوق العروضوعطراً فريداً علي القافية ،أبقيتُ نافذتيمشرعة علي الرغبة وبابي موارباًعلي الطفولة ،تركتُ الطائريفقس بين جملةٍ وجملة،ولم اعلمْ انهمسيحطون بغتة ًبطائرتهم علي المعني مباشرة ً ،لم اعلمْ انهم سيفزعون المجازويخنقون الصورةلم أعلمْ انهم سيرتكبون التهاويلبحق التعابيرَ ،ساهيا كنتُ ،مأخوذاً بالفأس التي رماها القمرُ اليلأحمي بها القصيدة ، هل تنفع الفأسُ هل ينفع الرمحُ المرسلُمن كوكب الزهرةأمام الأباتشيوهي تقصفُ مبني القصيدة ؟مانفعُ الساعدِمقابل التوماهوكوهويفتض الصباحات واللياليليلي مفتضبطائرة هليكوبترعبأتْ وقودها في الجحيمثم حطتْ وأنا نائمعلي طرف القصيدة ،حالما كنتُ بطيور تمر بيمبللة بالنسيم ،ونساء عابقات بالرضا ،حالمات ٍ مثليبالأغاني والخيولوساعيات ٍ الي قطف المنيمن حقول السماءْ .متمدداً كنتُفوق بيدر العدستضيء باطني الفوانيسُوتنيرُ قلبيَنحلة ممرغة بالعسل ،حالما كنتُببلبل يحط علي صوتيبشراع يسافرُ في شريانيبجواد أحمله الرؤيبعربات تجر بضاعة مخيلتيبامرأة مفعمة بالأغتلامومكرسة للوصالبقطار يعبر شغفيويحوله الي محطاتبمدن تنامُ معي في القصيدةبأشجار تأكلُ معي الشمس والماءبتراب يلوث ذاكرتي .كنتُ أحلمُأنْ أعلق معطفيعلي الجبلأنْ أرش جسدي بالبراعمأنْ أصنع وسادتيمن الجذوروسريري من ليف اليقطينوشرشفي من الحجرْكنتُ أحلمُبالليل يأتيمتزوجا في زورقْلا أنْ ياتيبطائرة الهليكوبترلتحط علي القصيدة .ليل ئذ ٍمسحوراً كنتُبشهاب يسقطُ علي جرة الماءبنجمة صغيرة تزرر بيجامتيمسحورا كنتُكفلكي يجمع الكواكبفي غرفته للذكريكعالم مهموم بالبهاءكبشير موفد من كوكب الشعريكنتُ مأخوذاًبعَلق ٍ أخضر موضوع فوق نبضيببخور يصعد من نافذة الجيرانلينتشر في الأوردة .كنتُ مأخوذاًقبل أنْ تطل خوذعلي يديوهي نائمة في فراش المساءبهبات المراعيمحلقا كنتُفي الفيروزوفي خفة اللامتناهيراكضا في سحابة من فستق ،لذلك فوجئتُ بوصولهموانا أعزلُمقرفص قرب نجمةلا سلاح في يديغير هذه الدهشةوهي تسقط من وجهي ،كنتُ أتساءل :كيف وضعوا الحدودفي حقائب الجند ؟كيف انتهبوا الخلود المنحوت في الدساكر ؟وكيف دفعوا الغضب أمامهمكأسير حرب تجاه ” أبي غريب “ثم جلسوا في ” مقهي بغداد”يشربون الشاي مع ” حمورابي”ويسمعون المقام العراقي ،أكلواالسمك المسقوف بأحطاب النخيلفي ” جزيرة السندباد “منتشين بطيف ” شهرزاد “ودائخين بعبير الحكاياوحين استراحوافي قصور الشقاةأراحوا السلاحعلي مقعد الطاغيةلذا فاجأتني البنادقُقرب حواجبي ،أذهلتني النواظيرُ منصوبة فوق السياجقبالة حبل الغسيلالمرفرف في الهاوية .آنها كنتُأخلص طيارتي الورقية التي علقتْبين غيمتين ،كنتُ أفرغ الريش من الهواء ،كنتُ أعطي الزرازيرحبات من الذهب ،كنتُ أهرس الضوء بالهاونلأنثره في الطرقات الضالة ،كنتُ أطحن الياقوتلفتاة الجيران ،كنتُ أصنع ” خبز العباس”وأرشه بالأقمار ليكبر ،كنتُ أعجن الأنغام وأزينهالطبال الحارة ،كنتُ أثرد الهلالوأدهنه بالعسل كحلويلبهلول المحلة ،كنتُ أمارس الجنس مع النهر علانيةأمام الهبوب ،كنتُ أعد القهوةوأخلطها مع الصمت -ان القهوة بيضاءُوصمتي أسودْحين بلغ المارينزتخوم شفتي .لا أعلم كيف جاءوا سوي اني أحسستُبأنفاسهم تحرك رموشي ،أحسستُ بصوت يدقق في نبضي ،أحسستُ بضجة تتفحص ارادتي ،احسستُ بالسلم الحجرييهتز في أمعائي ،رأيتُ الشرر يتطايرمن مخالبهم ،والثأر يفوح بين الأصابع ،رأيتُ أصواتاً لم أر وجوها ،رأيتُ نسرا حديديايطير من البزة العسكريةويحلق فوق ” نصب جواد سليم “رأيتُ محاربامن صحراء ” نيفادا “يحاور ” سنحاريب”في ” باحة المتحف ” .لا أعرف كيف جاءوا ،لكنني شممتُروائح دبابة تملأ الغرف ‘شممتُ ضوع المساميرفي البسطار المداهم ،شممتُ الثلوجوهي تذوب علي القممبفعل طلق ناري ،شممتُ الصخور تحترقودخانها يغطي الجبال ،شممتُ السعادة معطوبةوهي مرمية خردة بين المزابل .لهذا لم أدر حين جاءوا ،لكنني لمستُ الخوف سائرابعكاز في الشوارع ،لمستُ القتل جائعايلهث بين الدروب ،لمست الرعب يلد توائمبين الجموع .حين جاءواكنتُ أقتاتُ الوسنفي طبق من قش ،حين جاءواطرقتْ سمعيسحنة غريبةترتدي همسة اليانكي ،سحبتني من الأساطيرولم تمهلني . . .أنْ أحلق شعر الغابة الطويل أنْ أشرب ما تدفق من الغسقفوق أسطح البيوت أنْ أحضن الصباح ذا الأذرعالمزدانة بمحابس الشجرأنْ أرفع الحصادالي قسم من جهاز الهضمأنْ أحتذي الرمل المنشور فوق التلالأنْ أنظف أسناني بقطعة شمسأنْ ألم هيبتي المبعثرةبنظرة مسدس ،لم تُمْهلني ملامحهمأنْ أراجع ذاتي المتروكة في الصحو ،لأني كنتُ شبه مسرنم ،أتذكر لوني المتهاديفي شارع أبي النواس وهو يجر أرصفة مرصعة بالندي ،أتذكرُ صورتي المظللة بالغبشفي ” حانة بلقيس “أتذكرُ رغبتيوهي تدخلُ ” سينما الرشيد “أتذكرُ قلبيوهو يطلب شاياًفي ” مقهي الزهاوي “لذا لم تُمْهلنينبرة اليانكيعلي لملمة تذكاريوأنا في كلتيالمرفوعة فوق السطوحكراية بيضاءْ . (…)ہ شاعر من العراق يقيم في لندنفوجئتُ بوجودهموهم يهبطون من الأعاليوينشرون خيما جاهزة مموهةبحياة الغابات ،جلبوا معهمأنوارا كشافة تسبرعمق الرفض في العيونوعمق الصد في القلوب ،معهم كلاب تتشممُ الخصيوالحزن تحت الثياب ‘معهم خبيرُ آثاريتفقدُ كنوزالنفوس ،معهم صائد الهمسات والجوائز ،معهم مساحُ رؤي وأراض وعقول ،معهم حوات قادرعلي التهام الذري والرواسي ،معهم جرافةلجرف الأمل والدموع ،معهم حادلاتلتسوية الاحتجاج والممانعة ،معهم طائرات الشبحلتربية الأفق ،معهم مركبات الهمر والهامفيالعابرة للاشواق والشرايين ،معهم خراطيمُلاطفاء الحريق الناشب في الافئدة ،معهم السياط التي تجلدُ الأفواهوكلمة لا ،معهم الأدلاءُ الغامضونوعشاقُ الأقنعة ،معهم نجارونيصنعون توابيت للعلوم ،معهم دفانونيُهيلون الدمارعلي العبقرية .لهذا فوجئتُ بهموهم يبحلقون في دمي ،تري من أرسلهمبالبريد المستعجلالي مسقط الرأس ؟ولماذا هم مسرعونلملاقاة الحقد علي ناصية الطريق ؟من جاء بهم الي بيتليس له سوي السقف ؟وثمة سطحيستند الي الصبربداخله رجليلوك الفولاذليقوي فمهعلي شتم العبوديةليضرب فرقاطة بالكلماتليلغي جحفلا بالتمتمةليقلب الفواعد التي أنشئتْقرب الجبينبما تبقي من النظراتليكتسح الألغام الخضراءببيت شعر أزرق .فاجأوه اذن عبروا الماء كلهوجاءوا اليهحتي كادتْ الطائرةُأنْ تحط علي كتفيه ،بفوهة البندقيةفتحوا جفونه وهو شبه نائميحتضن الأحجار علي السطح ،ويطالعُ طالعه ،يقرأ في صحائف من نورأنزلها البدرُ عليه ،جامعا بأصابعهخطوط الطول والعرض ،وماسكا الرجاء الصالحبكلتا يديه ،هائما بالأقاصي ،يقلب الغرائب بالأهدابويلحسها بالقرنية ،فاجأوه بمدخلهموحلولهم بين المسامات ،منتشرين بين الصماخوالشريان التاجي .أعطوه الكوكا كولاوالوجبات السريعةوأخذوا منه” لبن أربيل”و” كباب الفلوجة “وهبوه غبار الحروبوضجيج المدرعاتوصادروا الألق المشعفي قباب الأولياء اعطوه أغاني ” الراب “والمخدراتوصداع العصروأخذوا منهالمنجل والمطرقة و” الجالغي البغدادي” أعطوه الدمية ” باربي “وأخذوا ” سلمي يا سلامهخنت العهد ويايوالليل ما نامهيشهد علي اغطاي ” .هكذا اذنظهروا فجأة في ” سوق الفرج “لا ملامح لهمنظارات شمسية حسبُوأصابعُ علي الزناد تتوعد الرصيف ،مر مخبولقال لهم : فاك يو . . .مر شاعر سرياليوأخرج قضيبه لهممر فتيوكتب علي الحائطكلمة : خراء كبيرة ،مر حكيموقال لهم :عودوا الي فروج زوجاتكملنعود نحنالي الحرية . لندن – أيار – 20060