باب‭ ‬الجابية‭ ‬في‭ ‬دمشق‭: ‬ذكريات‭ ‬مؤرخ‭ ‬وأوقاف‭ ‬ولاة‭ ‬عثمانيين

■‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬وأكثر،‭ ‬والمؤرخ‭ ‬الكوسوفي‭ ‬السوري‭ ‬محمد‭ ‬م‭. ‬الارناؤوط‭ ‬لا‭ ‬يكلُّ‭ ‬ولا‭ ‬يملُّ‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬العثماني‭ ‬أو‭ ‬المعاصر‭ ‬لمدن‭ ‬الشام‭.‬
وإذا‭ ‬اعتبرنا‭ ‬وجود‭ ‬جيل‭ ‬أول‭ ‬أسس‭ ‬لحقل‭ ‬الدراسات‭ ‬العثمانية،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬أعاد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬العثماني‭ ‬للمنطقة‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الثمانينيات‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬قبلها‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الفائت،‭ ‬فيمكننا‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬قدمه‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬هو‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬نظرية‭ ‬الانحدار‭ ‬العثماني،‭ ‬وفق‭ ‬تعبير‭ ‬جين‭ ‬هاثاواي‭ ‬المؤرخة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬هاواي؛‭ ‬وهي‭ ‬نظرية‭ ‬ترى‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬حلول‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬بدأت‭ ‬المنطقة‭ ‬تشهد‭ ‬تدهورا‭ ‬في‭ ‬أحوالها،‭ ‬مقارنة‭ ‬بالقرنين‭ ‬الرابع‭ ‬عشر‭ ‬والخامس‭ ‬عشر،‭ ‬وهو‭ ‬انحدار‭ ‬سيتواصل‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬فترة‭ ‬التنظيمات‭ ‬العثمانية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭. ‬والأهم،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬الأول‭ (‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬رافق،‭ ‬وعدنان‭ ‬البخيت‭) ‬جاء‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬مغامرو‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬العربية‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬متحمسين‭ ‬لفكرة‭ ‬رفض‭ ‬الذاكرة‭ ‬العثمانية،‭ ‬وكأن‭ ‬التاريخ‭ ‬وفق‭ ‬تعبير‭ ‬ألبير‭ ‬أورتايلي‭ ‬يمكن‭ ‬تقطيعه‭ ‬كما‭ ‬يقطّع‭ ‬الكعك‭ ‬المحلى،‭ ‬ومتناسين‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أن‭ ‬رواد‭ ‬ومؤسسي‭ ‬الجمهوريات‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬باشاوات‭ ‬عثمانيين‭ ‬أو‭ ‬‮«‬جنتلمانات‭ ‬عثمانيين‮»‬،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬وصف‭ ‬وليام‭ ‬كليفلاند‭ ‬في‭ ‬دراسته‭ ‬الرائدة‭ ‬لشخصية‭ ‬شكيب‭ ‬أرسلان‭. ‬وهو‭ ‬موضوع‭ ‬كان‭ ‬محل‭ ‬نقاش‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المؤرخ‭ ‬الأمريكي‭ ‬مايكل‭ ‬بروفنس‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الجيل‭ ‬العثماني‭ ‬الأخير‭ ‬وصناعة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الحديث‮»‬‭.‬

حاول‭ ‬الأرناؤوط‭ ‬دراسة‭ ‬التطور‭ ‬العمراني‭ ‬الذي‭ ‬شهده‭ ‬هذا‭ ‬القسم‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحقيق‭ ‬وقفية‭ ‬سنان‭ ‬باشا‭ ‬ونشرها‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬التسعينيات‭

ولدراسة‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ (‬من‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭) ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تترافق‭ ‬القطيعة‭ ‬حيال‭ ‬تلك‭ ‬الرؤية‭ ‬الباردة‭ ‬للتاريخ‭ ‬المحلي‭ ‬العثماني‭ ‬مع‭ ‬دراسة‭ ‬مصادر‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬سجلات‭ ‬الطابو،‭ ‬عدنان‭ ‬بخيت،‭ ‬أو‭ ‬الاهتمام‭ ‬بدراسة‭ ‬البنى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬لبعض‭ ‬الأحياء‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سجلات‭ ‬المحاكم‭ ‬الشرعية،‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬رافق‭ ‬لحي‭ ‬باب‭ ‬مصلى‭ (‬الذي‭ ‬عُرِف‭ ‬باسم‭ ‬ميدان‭ ‬الحصى‭ ‬أو‭ ‬الميدان‭ ‬التحتاني‭).‬
أما‭ ‬جهود‭ ‬الجيل‭ ‬الثاني‭ ( ‬محمد‭ ‬م‭. ‬الأرناؤوط‭ ‬مثالا‭) ‬فقد‭ ‬تميّزت‭ ‬بالسير‭ ‬في‭ ‬دروب‭ ‬أخرى‭ ‬للعبور‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬لمدن‭ ‬الشام‭ ‬العثمانية،‭ ‬وربما‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬ميز‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬عن‭ ‬الجيل‭ ‬الأول‭ ‬كذلك،‭ ‬أن‭ ‬مقالاته‭ ‬ودراساته‭ ‬باتت‭ ‬أكثر‭ ‬انتشارا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬النشر‭ ‬في‭ ‬صحف‭ ‬عربية‭/‬لبنانية،‭ ‬بينما‭ ‬بقي‭ ‬الجيل‭ ‬الأول‭ ‬ينشر‭ ‬دراساته‭ ‬في‭ ‬مجلات‭ ‬جامعية‭ ‬وداخل‭ ‬أقسام‭ ‬التاريخ،‭ ‬وهي‭ ‬أقسام‭ ‬كان‭ ‬يطالها‭ ‬النسيان‭ ‬مقارنة‭ ‬بالفروع‭ ‬العلمية‭ ‬الأخرى،‭ ‬كما‭ ‬ترى‭ ‬اليزابيث‭ ‬لونغنيس‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬حديثها‭ ‬عن‭ ‬سوسيولوجيا‭ ‬المهن‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬نتاجهم‭ ‬أقل‭ ‬تداولا‭ ‬بين‭ ‬جمهور‭ ‬القراء‭ (‬خاصة‭ ‬لدى‭ ‬جيل‭ ‬السبعينيات‭ ‬والثمانينيات‭) ‬مقارنة‭ ‬بالجيل‭ ‬الثاني‭ ‬وفترة‭ ‬منتصف‭ ‬التسعينيات‭.‬
وبالعودة‭ ‬لمؤلفات‭ ‬الأرناؤوط‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬ذكرياته‭ ‬وفترة‭ ‬شبابه‭ ‬التي‭ ‬قضاها‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق‭ ‬بقيت‭ ‬ترافقه‭ ‬في‭ ‬بريتشنيا‭ (‬بعد‭ ‬انتقاله‭ ‬هناك‭ ‬للدراسة،‭ ‬ولاحقا‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬بريتشنيا‭ ‬للاستشراق‭) ‬وبالأخص‭ ‬رحلته‭ ‬للمدرسة،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬يمر‭ ‬‮«‬في‭ ‬طريق‭ ‬المدرسة‭ ‬مرتين‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬بجامع‭ ‬سنان‭ ‬باشا‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬الجابية،‭ ‬الذي‭ ‬يمتاز‭ ‬بجمالية‭ ‬فنية‭ ‬خاصة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬هذا‭ ‬الجامع‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬طفولتي‭. ‬وقد‭ ‬توطدت‭ ‬هذه‭ ‬الصلة‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬السبعينيات،‭ ‬حيث‭ ‬استقررت‭ ‬في‭ ‬بريتشنيا‭ ‬جنوب‭ ‬يوغسلافيا‭/‬سابقا،‭ ‬إذ‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬قرب‭ ‬الموطن‭ ‬الأصلي‭ ‬لسنان‭ ‬باشا‭ ‬وقرب‭ ‬جامع‭ ‬آخر‭ ‬له‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬بريشتنيا‭ ‬عمل‭ ‬الأرناؤوط‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬الاستشراق‭ ‬التابع‭ ‬للجامعة،‭ ‬وهناك‭ ‬تأثر‭ ‬بمنهج‭ ‬المؤرخ‭ ‬الألباني‭ ‬الراحل‭ ‬حسن‭ ‬كلشي،‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالوثائق‭ ‬الوقفية،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬نشر‭ ‬كلشي‭ ‬لكتابه‭ ‬‮«‬أقدم‭ ‬الوثائق‭ ‬العثمانية‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬يوغسلافيا‮»‬‭.‬

كشفت‭ ‬المؤرخة‭ ‬الفرنسية‭ ‬بريجيت‭ ‬مارينو‭ ‬في‭ ‬دراستها‭ ‬لتطور‭ ‬حي‭ ‬الميدان‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬العثمانية،‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الطريقة‭ ‬الصوفية‭ ‬السعدية،‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المقاهي‭ ‬داخل‭ ‬الحي‭ ‬

إذن‭ ‬فذكريات‭ ‬الأرناؤوط‭ ‬عن‭ ‬جامع‭ ‬سنان‭ ‬باشا،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لمنهج‭ ‬حسن‭ ‬كلشي‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬الأوقاف،‭ ‬دفعاه‭ ‬إلى‭ ‬العودة‭ ‬لقراءة‭ ‬تاريخ‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬‮«‬باب‭ ‬الجابية‮»‬‭ (‬سمي‭ ‬بذلك‭ ‬نسبة‭ ‬للجهة‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬باب‭ ‬الجابية‭ ‬في‭ ‬سهل‭ ‬حوران‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬الحجاز‭) ‬وهو‭ ‬حيز‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬سيشهد‭ ‬مع‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬تطورا‭ ‬كبيرا‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬معالمه‭ ‬العمرانية،‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬ماثلة‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬وهنا‭ ‬أشير‭ ‬بالأخص‭ ‬إلى‭ ‬جامع‭ ‬السنانية‭ ‬وسوق‭ ‬السنانية،‭ ‬وقد‭ ‬عرفت‭ ‬هذه‭ ‬البوابةُ‭ ‬بوصفها‭ ‬بوابةَ‭ ‬القادمين‭ ‬والمسافرين‭ ‬إلى‭ ‬الحج‭. ‬حاول‭ ‬الأرناؤوط‭ ‬دراسة‭ ‬التطور‭ ‬العمراني‭ ‬الذي‭ ‬شهده‭ ‬هذا‭ ‬القسم‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحقيق‭ ‬وقفية‭ ‬سنان‭ ‬باشا‭ ‬ونشرها‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬التسعينيات‭ ‬ضمن‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬معطيات‭ ‬عن‭ ‬دمشق‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‮»‬‭. ‬
مع‭ ‬أوقاف‭ ‬سنان‭ ‬باشا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬المدينة‭ ‬كانت‭ ‬تشهد‭ ‬تطورا‭ ‬عمرانيا‭ ‬باتجاه‭ ‬الجنوب‭/‬باب‭ ‬الجابية،‭ ‬كما‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الوالي‭ ‬سنان‭ ‬باشا،‭ ‬قام‭ ‬ببناء‭ ‬سوق‭ ‬السنانية،‭ ‬الذي‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬74‭ ‬دكانا‭ ‬مع‭ ‬34‭ ‬حجرة‭ ‬من‭ ‬الحجرات‭ ‬العلوية‭. ‬ولا‭ ‬تكتفي‭ ‬وقفية‭ ‬سنان‭ ‬باشا‭ ‬بحصر‭ ‬الدكاكين،‭ ‬بل‭ ‬تكشف‭ ‬لنا‭ ‬كذلك‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المهن‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬والأجور‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يتقاضاها‭ ‬أصحاب‭ ‬هذه‭ ‬المهن،‭ ‬مما‭ ‬يتيح‭ ‬لنا‭ ‬تصور‭ ‬الوضع‭ ‬المعيشي‭ ‬لأصحاب‭ ‬هذه‭ ‬المهن‭ ‬وللأسعار‭ ‬بشكل‭ ‬إجمالي‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭. ‬
كما‭ ‬نعثر‭ ‬في‭ ‬وقفية‭ ‬الوالي‭ ‬أحمد‭ ‬باشا،‭ ‬التي‭ ‬عمل‭ ‬الأرناؤوط‭ ‬على‭ ‬تحقيقها‭ ‬ودراستها‭ ‬وأعاد‭ ‬نشرها‭ ‬مؤخرا،‭ ‬ضمن‭ ‬كتاب‭ ‬جديد‭ ‬صدر‭ ‬له‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الحضاري‭ ‬لبلاد‭ ‬الشلام‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الأول‭ ‬للحكم‭ ‬العثماني‮»‬،‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬أدق‭ ‬بالتغيرات‭ ‬العمرانية‭ ‬المبكرة‭ ‬التي‭ ‬أدخلها‭ ‬العثمانيون‭ ‬على‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬المدينة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬أسواق‭ ‬وخانات‭ ‬جديدة‭ ‬مثل،‭ ‬سوق‭ ‬السيباهية،‭ ‬والأروام‭ ‬وخان‭ ‬الخياطين‭.‬
بيد‭ ‬أن‭ ‬دور‭ ‬وثائق‭ ‬الأوقاف،‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأرناؤوط،‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬رصد‭ ‬التطور‭ ‬العمراني‭ ‬والمعيشي‭ ‬للمدينة،‭ ‬بل‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يكشف‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬عن‭ ‬الأجواء‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬تشهدها‭ ‬هذه‭ ‬الأوقاف،‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬المقاهي‭ ‬التي‭ ‬بناها‭ ‬بعض‭ ‬الولاة‭ ‬مثل‭ ‬سنان‭ ‬باشا،‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬الأوقاف‭. ‬وكانت‭ ‬المؤرخة‭ ‬الفرنسية‭ ‬بريجيت‭ ‬مارينو‭ ‬قد‭ ‬كشفت‭ ‬في‭ ‬دراستها‭ ‬لتطور‭ ‬حي‭ ‬الميدان‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬العثمانية،‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الطريقة‭ ‬الصوفية‭ ‬السعدية،‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المقاهي‭ ‬داخل‭ ‬الحي‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭. ‬لكن‭ ‬الأرناؤوط‭ ‬استطاع‭ ‬العودة‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬الحكاية‭ ‬الأولى‭ ‬لدخول‭ ‬القهوة‭ ‬والمقاهي‭ ‬للمدينة‭ (‬وهو‭ ‬ما‭ ‬خصص‭ ‬له‭ ‬فصلا‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬الجديد‭) ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬خصص‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬كتابا‭ ‬خاصا‭ ‬به‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي‭ ‬للقهوة‭ ‬والمقاهي‮»‬،‭ ‬فكشف‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬أقدم‭ ‬لدخول‭ ‬القهوة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العودة‭ ‬لبدايات‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭. ‬إذ‭ ‬لعبت‭ ‬بعض‭ ‬الطرق‭ ‬الصوفية‭ ‬والولاة‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬إدخال‭ ‬القهوة‭ ‬إلى‭ ‬المدينة؛‭ ‬وبالأخص‭ ‬الطريقة‭ ‬الشاذلية،‭ ‬وقد‭ ‬أصبحت‭ ‬علاقتهم‭ ‬بالقهوة‭ ‬وطيدة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬أن‭ ‬اسم‭ ‬القهوة‭ ‬أو‭ ‬شربها‭ ‬أصبح‭ ‬يرتبط‭ ‬بشكل‭ ‬وثيق‭ ‬بالشاذلي،‭ ‬وهو‭ ‬تراث‭ ‬بقي‭ ‬مستمرا‭ ‬إلى‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬في‭ ‬دمشق،‭ ‬فكان‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬البيوت‭ ‬يسكبون‭ ‬الفنجان‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القهوة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬لأنها‭ ‬‮«‬حصة‭ ‬الشاذلي‮»‬‭.‬
وتكشف‭ ‬لنا‭ ‬ذاكرة‭ ‬المقاهي‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬عن‭ ‬خلاف‭ ‬ثقافي‭ ‬وفقهي‭ ‬شهدته‭ ‬المدينة‭ ‬بخصوص‭ ‬القهوة،‭ ‬وبالأخص‭ ‬الطقوس‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصاحب‭ ‬شربها،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬تُوزّع‭ ‬وتُقدّم‭ ‬بطريقة‭ ‬شبيهة‭ ‬بتقديم‭ ‬الخمر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عده‭ ‬بعض‭ ‬الفقهاء‭ ‬الشافعيين‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬بمثابة‭ ‬انحلال‭ ‬أخلاقي،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الخلاف‭ ‬الفقهي‭ ‬بقي‭ ‬مستمرا‭ ‬إلى‭ ‬نهايات‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭.‬
ختاما،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المبالغة‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬كما‭ ‬مثل‭ ‬باب‭ ‬الجابية‭ ‬مدخلا‭ ‬للأرناؤوط‭ ‬لإعادة‭ ‬قراءة‭ ‬تاريخ‭ ‬دمشق،‭ ‬فإن‭ ‬دراسات‭ ‬الأرناؤوط‭ ‬تمثل‭ ‬بالنسبة‭ ‬لجيلي‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬مدخلا‭ ‬لفهم‭ ‬تاريخنا‭ ‬المحلي‭ ‬وللتصالح‭ ‬مع‭ ‬ذاكرتنا‭ ‬العثمانية‭.‬

٭‭ ‬كاتب‭ ‬سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية