باب الحارة وفانتازيا دمشق القديمة: دراما تعيد انتاج سلطة الواقع المغلقة علي ذاتها

حجم الخط
0

باب الحارة وفانتازيا دمشق القديمة: دراما تعيد انتاج سلطة الواقع المغلقة علي ذاتها

باب الحارة وفانتازيا دمشق القديمة: دراما تعيد انتاج سلطة الواقع المغلقة علي ذاتهادمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: بين كم الدراما الرمضانية التي تهطل علينا كل عام، نشاهد اصرارا عند البعض علي تقديم الحارة الشامية القديمة، بل أن المخرج بسام الملا يتحدث عن مشروع توثيقي لهذه الحارة، بدأه بـ أيام شامية ثم ليالي الصالحية وأخيراً قدم لنا مسلسله الجديد باب الحارة الذي كتب له السيناريو مروان قاوون وكمال مرة.الا أن هذه الثلاثية انتقلت من العياني الي المجرد ومن التوثيق الي الفانتازيا بدءاً من الأسماء وانتهاءً بالأحداث ورسم الشخصيات، بما يذكرنا بالنقلة التي قام بها المخرج نجدت أنزور في يوم ماً من الأعمال التاريخية الي ألأعمال الفانتازية، التي تقدم لنا عشائر وقبائل متخيلة في المكان والزمان تدير علاقات وصراعات متخيلة أيضاً. فقدم لنا مجموعة أعمال الكواسر والجوارح وصولاً الي رمح النار، وقد حاول بسام الملا أن يقلده حتي في هذه التسميات، حين تجاهل كل حارات دمشق المتعينة في الواقع وفي الذاكرة، ليتحدث عن حارة الضبع وحارة النار. المقارنة بين التجربتين لم تنته عند هذا الحد، بل سارت الي الأسلوبية الاخراجية، حيث استعاض كلاهما عن دراما الواقع بجمالية الصورة البصرية، والاهتمام بتفاصيل تحاول أن تبني عالمها المستقل بدوياً عند أنزور، وشامياً عند الملا، فتحولت دمشق القديمة الي كادر بصري، غنيّ بالتفاصيل التي تبدأ بطقس المطبخ الشامي ولا تنتهي عند مكائد النساء، وعلاقات الكنة والحماية. واذا كانت أغلب الأعمال السابقة التي تهتم بدمشق القديمة تذهب بالكاميرا الي أحد أو بعض البيوت الشامية التي أصبحت تؤجر خصيصاً للتصوير الدرامي، فان بسام الملا ذهب كأنزور أيضاً علي بناء حارته المتخيلة، انطلاقاً من مقـــولة أن البيت الشامي مغلق علي الخارج ومفـتــوح علي الداخل، فبني حارة كاملة بهاجس التأكيد علي أن الخارج سخام والداخــــــل رخام لأن الخارج لا يعني الا الآخر الغازي، الطامع، الكافر، العدو… الي آخر القائــمة من النعوت السلبية، ولم يكتف الملا باغلاق المنزل الشـــامي علي الخارج بل أغلق الحارة أيضاً بوجه هذا الآخر المجســـــد لتلك الصفات والنعوت السلبية، ويصبح الهم الأساسي لزعيم الحارة عبــد الرحمن آل رشي هو طرد أبو الــــنار نزار أبو حجر بعد أن فك أسره، مشتــرطاً عليــــه عدم دخول الحارة ثانية، مع أنه كان يعمـل بائعاً فيها، ويذهب في هذه المسألة الي التخطيط مع العكيد لشراء بيت شقيقة أبو النار ليقطعا الطريق عليه، والحجة هي منعه من شرب الخمر لأنه محرم. في هذا السياق نلاحظ كيف يتم اجتزاء مسألة صغيرة كشرب الخمر مثلاً، لاعادة صياغة أيديولوجيا الفضيلة التي تعيشها الحارة في ظل زعيم واحد ومجلس شوري خاص به لا يختلف كثيراً عن عصابة تأتمر بأمره وتعيد انتاج وطرح لغته ومفاهيمه حول الشهامة والكرم والتعاضد في مواجهة الآخر الذي لا يمكن أن نتوقع الخير منه أبداً. وفي هذا تكريس لأيديولوجيا ومفاهيم اجتماعية (فكرية وثقافية) يُفترض أن التطور الاجتماعي والثقافي والحضاري قد تجاوزها. الوحيد الذي خرج عن هذا السياق المألوف والنمط المعتاد هو الأيدي عشر بسام كوسا انطلاقاً من اشكالية فيزيولوجية اذ ولد بأصبع زائدة في يده لا يمكن الا اعتبارها مؤشر شؤم في عالم مغلق مكانياً وأيديولوجياً، فهي فأل لا يحمل الخير لصاحبه، وبسام كوسا يسير مع هذا الفأل أو المصير حين يقتنع بأنه كأي مطرود من فردوس الحارة عليه اغتصاب شرعيته بالقوة والمال معاً، فيسلك طريق الجريمة لسرقة أموال الآخرين ولو أدي الأمر لقتلهم، وهذا ما حدث مع حارس البوابة بدلالاتها الرمزية في هذا السياق، وهنا ينهض الخط الدرامي الأساسي للعمل بكل هزالته، ينهض علي الصراع بين فريقين الأول يريد الكشف عن الجريمة، والآخر يريد التستر عليها. حارة الضبع بقيادة زعيمها تنضح بالفضيلة، والتي لا يمانع كاتبا السيناريو من شمولها الفضيلة الوطنية، فنلاحظ جمع التبرعات لدعم المجاهدين في فلسطين، وهنا نشهد حمالاً من باب توما يتبرع بأجر يومه كاملاً، وهذه الاشارة الوحيدة في العمل للآخر بكونه يمكن أن يقوم بعمل ينتمي لمنظومة قيم الفضيلة، لكن كاتب السيناريو والمخرج لم يحاولا الاستفادة من العمق التوثيقي للمسألة الوطنية في تلك الحقبة، والتي كان يمكن لها أن تشد أو ترفع من سوية العمل. فلو أخذنا مسلسل ليالي الحلمية الشهير، نلاحظ أن عبقري الدراما المصرية أسامة أنور عكاشة قد بني كل الخيوط الدرامية لأبطاله وعلاقاتهم العاطفية الخاصة ورسم حيواتهم اليومية علي خلفية المشهد السياسي الاقتصادي والاجتماعي لتلك الحقبة. بمعني أن هنالك شخصيات متخيلة أو مفترضة وأحداثا تتحرك كلها علي خلفية واقعية، فيما يُصر الملا وكاتبا سيناريو حارته علي تجريدها من كل المؤشرات الواقعية لصالح فانتازيا أفقرت العمل من مضمونه، وأحالته الي قراءة فولكلورية لحارة مرسومة في الخيال، وبالتالي سقط ادعاء المخرج في محاولته النهوض بمشروع توثيق لمدينة دمشق القديمة. أو أنه حاول الاستخفاف بعقلية المشاهد وبمصداقية الواقع التاريخي والعياني المعروف. المسألة الأخطر في هذا العمل جاءت عبر تبرير كمال مرة أحد كاتبي السيناريو بأن أبواب حارته دون أدني شك هي موصدة في وجه كل من يضمر لها شراً ويحيك المؤامرات الدنيئة لاقتحامها عنوة… وتضامن أهل الحارة ومحبتهم والتفافهم حول الزعيم كما هو التفاف الشعوب اليوم حول القادة الكبار والتاريخيين هو وعي وادراك وتسليم بقيادة حكيمة، ومجلس شوري الزعيم في باب الحارة هي ديمقراطية اسلامية شعبية وثقافة منفتحة واعية غير مستوردة، وليست عقولاً متحجرة ومغلقة علي ذاتها، واغلاق الأبواب علي الخارج انما هو اغلاقه علي كل ما يحاك لها من مؤامرات وأخطار تهدد وجودها وعراقتها ومبادئها . متجاهلاً بأن باب حارة الضبع كان يغلق في وجه الحارات الشامية الأخري باعتبارها حاملاً لنقيض أيديولوجيا الفضيلة التي حاول رسمها لحارته، ومتجاهلاً أن فضيلة زعيم الحارة التي يدعو اليها وديمقراطيته المزعومة ليست الا اعادة انتاج لسلطة الواقع المغلقة علي ذاتها في وجه التطور والحضارة والعلم، وان حارة الضبع ليست الا نموذجاً لتبرير المجتمع وانقسامه علي أسس عشائرية أو عائلية أو مناطقية ما قبل الدولة كحد أدني من المستوي الحضاري، تلك الدولة التي يجب العمل لتفعيلها بغية القيام بمهامها و بمسؤولياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وليس تجاوزها باتجاه زعيم الحارة، أو القبضاي الذي يحل المشاكل ويدافع عن حقوق الأفراد.ومع ذلك نجد أن العمل نال في استبيان مجلة الأنباء الذي شمل مساحة دول مجلس التعاون الخليجي وكل من مصر ولبنان علي المرتبة الأولي بين الأعمال الدرامية الأكثر متابعة خلال شهر رمضان، كما حصل بسام كوسا عن دوره في هذا العمل علي لقب أفضل ممثل، وهذا ما أكده استبيان جريدة الثورة السورية بانزياح طفيف، حيث حقق العمل وبطله المرتبة الثانية، لكن هذا لا يلغي كل الملاحظات السابقة، وانما يؤكد قدرة الدراما التلفزيونية علي تزييف الوعي، وهو ما فعلته الأعمال الفانتازية لنجدت أنزور المشار اليها سابقاً، فالمشاهد العادي يؤخذ بالتفاصيل الحياتية وفتنة المشهد البصري وجماليته قبل أن يحاكم المضمون.2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية