باب العمود في القدس مناوشات مسائية يومية تمهد لمواجهة مقبلة

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

أمام سياسة شرطة الاحتلال الرامية إلى تفريغ ساحة باب العمود من الشبان المتواجدين مساء فإن شبيبة المستوطنين يتواجدون في المنطقة وكأن هناك معركة إثبات وجود بدأت تفرض نفسها.

فلسطين-»القدس العربي»: قبل حلول المساء بقليل تسيطر حالة من الهدوء على منطقة باب العمود، تقفل الأسواق ويغادر العمال إلى منازلهم طلبا للراحة. إنه هدوء يسبق العاصفة كما يقال، فما هي إلا فترة قصيرة حتى يحين موعد عاصفة الانتهاكات الإسرائيلية اليومية بحق المقدسيين ممن يتواجدون في المكان الذي اعتادوا على التواجد فيه مع ساعات المساء الأولى بشكل عفوي.

«مسكين ابن هذه المدينة، يمضي يومه ما بين اعتقالات ليلية، واقتحامات صباحية للمسجد الأقصى، واعتداء عليه وهو في عمله من غلاة التطرف، ونبش قبرا يأوي أحبته الذين رحلوا، وحينما يقرر أن يستريح تصيبه قنبلة صوتية في مدرج باب العمود» بهذه الكلمات يصف الناشط المقدسي أسامة برهم واقع المدينة وتحديدا في ظل تنامي عدة منغصات عليه ولا سيما المساحة التي كانت تمنحه البهجة والجو الاجتماعي في المدينة التي تشهد التهويد على قدم وساق.
يكمل برهم قائلا: «وعندما يلجأ هذا المقدسي إلى بيته يتابع اخبار المدينة يرى أحدهم (مسؤولا) لا يميز بين عقبة درويش وعقبة البطيخ (أحياء مكونة من شوارع ضيقة ويوجد فيها مبانٍ تاريخية، وفي الغالب تربط شوارع وأحياء المدينة) يلبس ربطة عنق فاخرة يحكي عن وجع القدس ويطالب بميزانيات من أجل تعزيز صمود أهلها».
وأضاف «أتمنى لكم أحلاما أجمل من أحداثنا اليومية» وقصد بذلك هجمات شرطة الاحتلال في مدينة القدس على المقدسيين والشباب والفتية الذين يتواجدون مساء في منطقة باب العمود.
ويعتبر باب العمود الأكثر فخامة بين أبواب القدس من ناحية الزخارف والارتفاع الذي يصل لنحو ثمانية أمتار، وكان على مدار قرون الممر الرئيسي لجميع القوافل التجارية والأفواج السياحية المتجهة للقدس، لكنه اليوم أصبح رمزاً للسياسات التهويدية بالمدينة، بدءاً من القمع والقتل، مروراً بمحاولات تهويده والتضييق على مرتاديه من خلال تواجد فتية ومستوطنين شباب في المكان كل مساء.
يذكر أن آخر محاولة لمنع المقدسيين من التواجد عنده كانت مطلع رمضان الماضي، حيث خاض الشبان المقدسيون نضالاً يومياً إلى أن تمكنوا من تحقيق مطلب إزالة الحواجز الحديدية التي كانت تمنع وجود المقدسيين بجانبه، حيث تم الاحتفال بإزالتها بتاريخ 26 نيسان الماضي.
أما الإعلامية وابنة مدينة القدس زينة حلواني تعلق على الاستهداف اليومي لشباب القدس متسائلة: ما الهدف من استفزاز الشبّان المتواجدين في منطقة باي العمود؟ لماذا تقوم الشرطة بإجراءات تهدف إلى منعهم من الجلوس في المكان؟
وأضافت: «اعتقالات بالجملة، تنكيل بالشبّان بدون أي مسبب، ملاحقة ورش المحال التجارية في كل المنطقة بالمياه العادمة».
وفي الختام طرحت سؤالا يطرحه المقدسيون: «ما الهدف القادم لدى الاحتلال في منطقة باب العمود؟».
وخلافاً لسائر أبواب البلدة القديمة، فإن لباب العمود مدرجاً كبيراً يؤدي إلى الباب الذي أقامه السلطان سليمان القانوني سنة 1538 ويستخدمه أهالي القدس بشكل يومي مكاناً للتفاعل الاجتماعي وتنظيم الفعاليات الفنية والثقافية وتحدي جنود الاحتلال وشرطة المدينة.
وشكلت ساحة الباب متنفساً لسكان المدينة حيث كانوا يلجأون إلى مدرجاته للترويح عن أنفسهم، وتناول المشروبات في مقاهيه. ويرتاده الرسامون والسياح ليلتقطوا الصور التذكارية أيضا.
ولا تعتبر الاعتداءات على منطقة باب العمود في مدينة القدس جديدة لكن الملاحظ خلال الأسبوع الماضي هو تكثيف الهجمة الإسرائيلية على الشباب بطريقة لا يخطأها أي متابع.
فمع حلول ساعات المساء، وفي لحظة كتابة هذه التقرير، كان ضباط جيش الاحتلال يرددون من خلال مكبرات الصوت بلغة عربية ركيكة: «الكل يروح من هون، تجمعات غير قانونية، كمان دقيقة بنستعمل القوة».
مساء الجمعة استدعت قوات الاحتلال فرق الخيالة (الأحصنة) لتفريق الشبان المتواجدين في منطقة باب العمود، وهو تواجد أصبح فيه من التحدي أكثر مما فيه من تحقيق هدف أو غاية تستوجب على الشباب التواجد في المكان.
وتنظم دوريات احتلالية راجله من 4 جنود جولة كل 15 دقيقة لطرد الشبان والتضييق عليهم وقد يتطور الأمر إلى الاعتداء والاعتقال.
كما يمكن رؤية ضابط من شرطة الاحتلال يتواجد في منتصف ساحة باب العمود لمراقبة الشبان المتواجدين.

شبيبة المستوطنين

في الوقت الذي تمنع فيه قوات الاحتلال تواجد الشبان في ساحة باب العمود، فإنها تسمح لمجموعات من المستوطنين بالتجول فيه، وبطريقة استفزازية.
فأمام سياسة شرطة الاحتلال الرامية إلى تفريغ ساحة باب العمود من الشبان المتواجدين مساء فإن شبيبة المستوطنين يتواجدون في المنطقة وكأن هناك معركة إثبات وجود بدأت تفرض نفسها.
وإزاء كل عملية تواجد لمجموعة من المستوطنين هناك أكثر من دورية جنود توفر الحماية لهم.
نشطاء أكدوا لـ»القدس العربي» أن الأمر لم يعد مرورا سريعا لمجموعات المستوطنين كما جرت العادة، بل أصبح تواجدا على شكل جماعات محاطة برجال الشرطة، وكأن هناك رغبة في تقسيم منطقة باب العمود بين المقدسيين والمستوطنين كما هو حال التقسيم الزماني للمسجد الأقصى، ومحاولة فرض التقسيم المكاني أيضا.
ووثق نشطاء مقدسيون بكاميراتهم قيام فتية من المستوطنين باستفزاز المقدسيين بإشارات وألفاظ نابية، وعندما رد عليهم بعض الفتية الفلسطينيين لاحقهم عشرات الجنود وطاردوهم بغية اعتقالهم.
أيضا انتشرت فيديوهات لجنود من شرطة الاحتلال تتعامل مع المستوطنين الشباب برفق وحنية، فيما ابتسامة الشرطي تعلو محياه، لضمان عدم احتكاكهم مع المقدسيين، أما على بعد أمتار قليلة فيتم قمع المقدسيين بالهراوات والمياه العادمة والقنابل الغازية والمطاطية.
وبحسب مصادر صحافية فإن مستوطنا رش مقدسيا بغاز الفلفل الحارق قرب منطقة حي المصرارة القريب من باب العمود، وهو ليس الاعتداء الأول في الأيام السبعة الماضية.
وخلال الفترة ذاتها تم الاعتداء بوحشية على المقدسي علاء الحداد في محيط باب العمود، وإطلاق قنابل الصوت على المقدسيين في محيط الباب، وتعرض محمد أبو سنينة إلى الاعتقال من وحدة المستعربين.
ورغم كل هذه المخاوف فإن عشرات الفتية المقدسيين يصرون على التواجد في المنطقة ويخوضون نقاشات وجدالات وأحاديث ساخرة ومتهكمة على الجنود الذين يقيمون في الغرفة الخاصة بالشرطة المطلة على مدرجات باب العمود التي كانت في فترات سابقة نقطة استهداف لشباب القدس بالحجارة والزجاجات الحارقة.
كما أنهم يرددون شعارات دينية مثل: «خيبر خيبر يا يهود جند محمد سوف يعود» ويرددون أيضا أغاني وطنية حماسية من دون أن تُرهبهم الجنود المدججين بالسلاح.
وأمام عدم تجاوب الشباب والفتية المقدسيين لطلبات الجنود ولا لمضايقاتهم المختلفة جُلبت سيارة «المياه العادمة» وهو سلاح قوي لا يستهدف الشبان المتواجدين فقط إنما يهدف إلى إبعاد الجميع عن المكان في ضوء طبيعة الرائحة الكريهة التي تتركها المياه على المحلات والأدراج والبضائع.
وغالبا ما تستخدم هذه المياه من أجل تفريق المتظاهرين لكنها خلال الأسبوع الماضي لم تستخدم لهذا الغرض إنما كان الهدف منها إفراغ الساحة من مرتاديها. فإغراق المحلات بالرائحة والمياه الكريهة حدث تكرر أكثر من مرة في الأسبوع الماضي.
يقول أحد النشطاء المقدسيين: «بتكون قاعد بأمان الله على درجات باب العمود بتشرب قهوة والهوا بهف هف حواليك، وفجأة تقتحم سيارة المياه العادمة المكان وتطلق بخرطومها ما يجعلك تكره نفسك لأيام».
الكثير من المواطنين أكدوا أن رائحة المياه العادمة هذه مختلفة، «فهي لا تفقد قدرتها على إيذاء من تلمسه إلا بعد أيام».
والأمر لم يتوقف على أغراق الشبان بالمياه العادمة بل امتد ليصل المناطق المحيطة به، وهو ما أدى إلى تضرر الكثير من بضائع المحال التجارية القريبة.
أما الاعتداءات الإسرائيلية على الشبان في المنطقة في يوم الأربعاء الماضي فقد أوقعت تسع إصابات في محاولة تفريغ المكان الذي يهوى أهل القدس الجلوس فيه.
وأطلقت قوات الاحتلال الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية باتجاه الشبان، ما أدى إلى تسجيل عدد من الإصابات التي تعاملت الفرق الطبية الفلسطينية معها.
ورغم كم التضييق على المقدسيين حيث التفتيش والاعتقال والاحتجاز لساعات، أدى آلاف المواطنين صلاة الجمعة، في رحاب المسجد الأقصى المبارك، وبحسب دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، فإن نحو 45 ألف مصل أدوا صلاة الجمعة في رحاب المسجد الأقصى، رغم الإجراءات العسكرية المشددة، التي فرضتها سلطات الاحتلال.
كما اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الجمعة، ثلاثة مواطنين من باحات المسجد الأقصى المبارك، حيث وأوقفت ثلاثة مواطنين قادمين من مناطق الضفة الغربية، حيث دققت في بطاقاتهم الشخصية قبل ان تعتقلهم، وهم: علاء دويري، وخليل أبو سمرة، وصالح سعسع، وثلاثتهم من محافظة قلقيلية.
لا يتوقف الجهد على هذه الساحة فقط، إنما الخطط الاستيطانية في المدينة لا تتوقف، وأخرها خطط مستوطنة في محيط مدينة القدس المحتلة وخلف الخط الأخضر والمسماة «جفعات همتوس ومنطقة (E 1) وعطروت وبسغات زئيف».
وكانت الرئاسة الفلسطينية عن عبرت عن إدانتها ورفضها وتحذيرها للخطط الاستيطانية، معتبرة أنها «تمس بالخطوط الحمراء المتعلقة بمكانة مدينة القدس، وتؤدي إلى فصلها عن محيطها الفلسطيني».
ورغم أن الرئاسة وكالعادة أكدت أن مثل هذه المشاريع هي تحد للقانون الدولي والشرعية الدولية، والاتفاقات الموقعة، وللالتزامات الأمريكية إلا أن ذلك كله لا يعني أي شيء في الاستعداد لمواجهة قادمة، وحدهم شباب القدس وفتيتها مستعدين للدفاع عن أماكنهم الوحيدة التي حشرهم الاحتلال فيها وأصبحت ملاذهم الوحيد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية