باب الفتوح للشاعر أحمد العمراوي: الحلم والمومياء
خالد البقالي القاسمي باب الفتوح للشاعر أحمد العمراوي: الحلم والمومياءأن تحلم بالمومياء فذلك يعني أنك تستشرف حقيقة أنطولوجية لا يمكنك المساهمة في تحديد أقواسها المعمدة بماء الخلود، لأن الممكنات ليست كلها قابلة للتحقق الفعلي، وبما أنك لا تمتلك لموميائك مرجعية مضبوطة فإن حلمك بها يتساوي ضمنه السلب والإيجاب حيث لن تسعفك كل الأبواب التي تعرف والتي لا تعرف إلا في تعميق اللوعة والغياب، فلكي تعرف بابك المقصود عليك بكل صدق أن تتجرد من بقايا ذاتك، يقول نيتشه: أحب من تفيض نفسه حتي يسهو عن ذاته، إذ تحتله جميع الأشياء فيضمحل فيها ويفني بها . علي نفس الوتيرة من الإبداع والإنتاج الدؤوب يصدر الشاعر أحمد العمراوي ديوانه الجديد باب الفتوح ، وهو ديوان يلج بنا الشاعر عتبته ضمن باب الفتوح، وينتهي أو يحلم أنه ينتهي بنا إلي أبواب الفتوح، والحديث عن باب أو أبواب الفتوح حديث ليس بالسهل أو الهين، حيث هذا التعالق المثير بين الأبواب والفتوح، فالفتوح انفتاح وانبلاج وإشراق، ويدل هذا علي حركة ضمن علاقة علية واضحة وملموسة بين الأبواب والفتوح، ثم إن الفتوح تفتح باب الشفاء والبركة والعلاج، هذه العلاقة العلية لا مبتدأ ولا منتهي لها، فمن السابق واللاحق في علاقة أبواب/ فتوح؟ فأنت لا تبذل بذل الفتوح إلا بعد أن تلج عتبة الشيخ، هذا الشيخ يصير شيخك، بابه لا يفتح إلا للمخصوصين، فليس جميع الأبواب تفتح في وجهك ومن أجلك، لمن توضع الأبواب؟ للخاصة؟ أم للعامة؟ ـ الديوان ـ ص48 ، ومن ثمة فإن ولوج ودخول الباب يمنحك فضل الفتوح المؤدي إلي البركة واليمن والسعد، والفتوح يمنحك فضل عبور معكوس للباب، ولكن العبور هذه المرة ليس كالعبور الأول، تذكر بأن العلاقة العلية بين الأبواب والفتوح هي التي تفسح لك مجال الحلم ومجال الشعر بالوقوف: خلف المومياء المثلومة الجبهة والأظافر. ـ الديوان ـ ص 112 . يسافر الشاعر بنا، لا بل يحلق بين سماء باريس وسماء فاس، فهو يري ذاته ممتدة بأجنحة متعددة مبسوطة بين فاس وباريس تطير و: تلامس الخيال بالخيال. ـ الديوان ـ ص 125 وتحتضن جميع الأبواب كأنها مومياء فرعونية ماردة ممسوخة في صورة طير الرخ، انتصبت من باطن: أهرامات تستعصي علي العد. ـ الديوان ـ ص11 . بقوة متوثبة جبارة تريد أن تثأر من حمإ الانغلاق والانسداد والانعزال، كما تريد أن تشجب كل من يلقي بظله بين الأبواب وفتوحاتها، كأن الشاعر يعيش طقوس جذبته الشعرية لتوأمة الأبواب، ليس أبواب فاس وأبواب باريس بل أبواب الكون، لأنه واهم من يعتقد أن الأبواب في باريس هي غيرها في فاس: احلم فالفرق بين الحالم والواهم أطول من يوم معلوم في كتب. ـ الديوان ـ ص6 . إنها مختلفة ضمن تماثلها، ومتقاربة ضمن تباعدها، إن صورها هي غير وجوهها هي غير حقيقتها هي غير تاريخها، فالأبواب في باريس عبارة عن: نقط في نقطة تتداخل أسفل تلابيب الحال. ـ الديوان ـ ص40 ، أما في فاس فإنها: تلامس شعاعا بين مكة وحضرة شعرية. ـ الديوان ـ ص125 ، لا يستحضر الشاعر أبواب باريس إلا وهي ترميز لأبواب فاس حيث يعيش لوعة ذاته المنشطرة بين الأمكنة: طول قامتها يذكرني بأشجار بلادي. ـ الديوان ـ ص54 ، كما لا يستحضر أبواب فاس إلا وهي استبدال لأبواب باريس حيث يستعيد لحظات: الابتسامات المعدلة وراثيا. ـ الديوان ـ ص58 ، ولا يستحضر الشاعر أبواب فاس وأبواب باريس إلا ( يقيم الشاعر في مدينة الرباط) من خلال أبواب الرباط، أو من خلال: أبواب الدنيا وأبواب الله. ـ الديوان ـ ص65 ، إنها كونية الأبواب: والكون واحد. ـ الديوان ـ ص9 . بل إنها في الأصل تراجيديا الأبواب المواربة والمتمنعة التي لا تنفتح إلا لمن ملك أسرارها حيث: ينفتح الإسم، ينفتح الفم، ينفتح الباب. ـ الديوان ص60 ، لا يستحضر الشاعر في الحقيقة إلا فتوحاته المنبثة في أعماق ذاته التي تدفعه لولوج أبواب الشعر والقريض، ولذلك تشابهت لديه جميع الأبواب في اختلافها وتمازجها من فاس إلي الرباط إلي باريس، حيث انشطرت ذات الشاعر ثم توحدت وانصهرت ضمن كينونتها ووجودها وفق ناموس الحال والوجد كما: تنصهر المادة في كبد الروح. ـ الديوان ـ ص 99 ، فلم يعد الشاعر يري ويحس إلا بالضوء النازل الذي يلج الأبواب لكي يمارس فعل الإشعاع علي جميع ألوان الفتوح حتي تبتهج جميع اللحظات احتفاء بتوحد الأسرار والأقدار والمصائر والأشعار: جمع يتوحد في وحدته. ـ الديوان ـ ص110 ، يقول: جلال الدين الرومي: ما أسعدها لحظة نتحد فيها جميعا في القصر، بصورتين ووجهين، ولكن النفس واحدة أنت وأنافإذا تخلصنا من ذواتنا فقد نتحد في الوجد فرحين الأبواب في فاس تستدعي الأبواب في باريس، أبواب فاس رديفة الفتوح، فهل أبواب باريس هي كذلك رديفة قدرها؟ بناء الأبواب في فاس مقاصده محددة ومعروفة حيث روح التاريخ وعبق الحضارة وهاجس البقاء والخلود تتري متتابعة لإثبات أسرار التجذر، أما أبواب باريس فإنها: حياة أخري لحياة أخري. ـ الديوان ـ ص120 ، لقد توحدت الأبواب في ذات الشاعر حتي أصبحت كونية، كلها أبواب الفتوح: ما أوسع أبواب الله. ـ الديوان ـ ص25 ، لا مجال للمقارنة بين الأبواب وإلا فإننا سوف نقع في وهم الخداع، القدامة والحداثة هي التي تجمع بين الأبواب وتهب لها وظيفتها في الفتح والفتوح والانفتاح، يعي الشاعر إذا جيدا هذه الصيغة عندما يتوحد مع الأبواب ويميز بإصرار بين الحلم والوهم: الحلم طريق المستقبل، الوهم طريق المارستان. ـ الديوان ـ ص 62 . أبواب الفتوح لدي الشاعر في صورتها الكونية لا تحتمل غياب حضورها، كما لا تحتمل حصر ذلك الحضور، إنها لا تحتمل في الحقيقة الإقصاء، حيث لا يمكننا أن نفترض أن خلف بهائها الجلي يمكن أن يظل شيء ما خافيا عن الأنظار، لأن ما خلفها، ما وراءها، ما بداخلها محايث تماما لحقيقتها، إنها لا تترك أسرارها في الظل، في الصمت، إذ هي تشغل باستمرار حيزها المستقل، إنها في الحقيقة لا تحتمل التكرار والتعدد، حيث ليس هناك خفاء في تجليها، إن هذا يعني في الأصل أنه لا وجود إلا لباب فريدة واحدة حيث لا مجال للتعدد والكثرة، فالباب المقصودة هي ملجأ الجميع، إنها: باب الأبواب تسح لبهاء الشعر. ـ الديوان ـ ص47 ، فالشاعر يلج الأبواب عبر باب واحدة فريدة جعلها هدفه ومقصده في كل أحواله الظاهرة والباطنة من أجل خلود الشعر حيث: لا قفل في الظاهر، والباطن لمعة قلب. ـ الديوان ـ ص46 . يعمد الشاعر إلي تكثيف المعني عن طريق تشغيل صيغ للوفرة تفي بغرضه الذي يرومه من خلال تأويل أفعال فتح وولج ووجد، حيث فعل فتح الباب لأنها باب الفتوح، فهي تغري بالفتح لأن شيخ الشيوخ دعا بل أمر بذلك، فلا مقامات ولا مشاهدات ولا بركات ولا فيوضات إلا بالفتح. فعل ولج يقدر بحضور مضمون خفي مبني علي تميز مكانة الباب المولج أو الباب المشرع الذي سيغدو بعد العتبة مفيدا ومرغوبا، ولامحدودا ولامتناهيا، أما فعل وجد فإنه يساوق في دخيلته بين الظاهري والباطني، حيث الداخلي ليس كالخارجي، والذات في فعل وجد لا تنبهر بالسهولة المفرطة التي تفترضها الفتوحات بعد فتح وولج بل إنها تظل وفية للخيط الرفيع الرابط بين الخارج والداخل، بين المعرفة والمشاهدة لأن: بين المعرفة والمشاهدة مسافة ضوئية تتقاطع بحبات الدم وصوت القابلة وخمر اليوم السابع. ـ الديوان ـ ص141 . يكون الباب تارة مذكرا وتارة مؤنثا، وهذا ليس صدفة أو سياقا، بل يتعلق الأمر بالفتوحات والفيوضات التي تنهال علي الذات، يتعلق الأمر بتلك الدلالة اللاشعورية التي تستدعي تأويل الباب أو الأبواب واستدعاءها رمزيا في صيغ دينامية كالقدر، أو المصير، أو الخلاص، فالأبواب نسخ من أصل واحد، حيث في القديم كان هناك باب، ولقد طال النسخ، تغير وتبدل في الشكل، والنمط، والصورة، والوظيفة، وربما استدعي الأمر الاهتمام بتسلسل الأبواب ومدي ترابطها واستنادها علي بعضها البعض، من الطبيعي أن تكون الأبواب مختلفة في تشابهها، وموضوعاتها غير متطابقة عبر الزمن العربي والزمن الأعجمي. استحضر الشاعر في ديوانه أبواب فاس مستلهما الزمن وعبق التاريخ، وهو الزمن الماضي القديم الذي نتوهم بأنه الزمن الوحيد الذي أصبحنا نمتلكه، والشاعر هنا بصدد الوقوف عند مبحث الأصالة الذي ما زلنا لحد اليوم نبحث عن خصائص تميز الخطاب المعرفي المرتبط بها وذلك في ثنايا المضامين الفكرية التي أنتجها أسلافنا وحتي محدثونا، ولا يستحضر الشاعر أبواب فاس وعراقتها ومعها الأصالة والتراث إلا من أجل الحديث عن أبواب باريس، باريس التقدم والتطور والحداثة حيث يوجد من: يقود الحكمة من قلق ابن رشد إلي انضباط الكوليج دو فرانس. ـ الديوان ـ ص33 ، فالشاعر ينشد استعادة أصالتنا بحداثة الغرب: حاسوب الوقت يشبه أنملة التاريخ، فأرة تهاب فيروسها. ـ الديوان ـ ص44 ، علي أبواب فاس أن تلتحق بأبواب باريس، ولكن كيف السبيل؟ أبواسطة النفخ؟ يرتبط النفخ بوظيفة بالغة الحساسية، لأن فعل النفخ يتحدد ضمن سياقاته الوجود وعدمه: مزمور للشيء ونقيضه. ـ الديوان ـ ص31 ، فبالنفخ يوجد الوجود، وتوجد الموجودات، وبالنفخ كذلك يفني الوجود وتفني هذه الموجودات: فعل النفخ يمتزج مع النفس. ـ الديوان ـ ص32 ، النفخ بالروح ينتج الروح والوجود، وينتج من يتحمل عن البشرية جميع الآلام فهو: مزمور لصخرة الخلاص. ـ الديوان ـ ص30 ، والنفخ في الصور يمحي أثر الوجود بعد عين، إنه الفناء بعينه أو هو: مزامير للذبح الجماعي، للدفن الجماعي. ـ الديوان ـ ص30 ، والنفخ في الصور ينتج الوجود الأزلي حيث: يزدهر المخلوق الأعوج ـ يستقيم ـ يكبر. ـ الديوان ـ ص31 ، يراهن الشاعر إذا علي فعل النفخ في مدلوله الوجودي من أجل العودة بالأبواب وبالتراث وبالشعر إلي الحياة والنضارة والامتلاء عن طريق المزج بين مزامير ونفخ: القدامي والمحدثين الباحثين عن عقلنة اللحظة. ـ الديوان ـ ص29 . يراهن الشاعر علي العلاقة الاستبدالية بين الأبواب والفتوحات، وهي علاقة تدور حول محاورها بصيغة استعارية حيث الأبواب فتوحات، والفتوحات أبواب، وفي النتيجة تؤلف جميعها وفي امتزاجها الشيء نفسه، يكفي أن يقنع الشاعر متذوقيه بأنه فعلا يحلم ولكنه غير واهم، فالحلم هو: بداية القصيدة. ـ الديوان ـ ص18 ، أما الوهم فإنه: عديم اللون والرائحة. ـ الديوان ـ ص16 ، وبين قدر الحلم والشعر، وبين قدر الشعر والمومياء نجد الشاعر مع مطلع قصيدته/ ديوانه قابعا: ممدد العين إلي الأعلي ـ تحت مشارف المومياء ـ المومياء ذاتها. ـ الديوان ـ ص116 .كاتب وباحث من المغرب باب الفتوح ـ ديوان شعري ـ الشاعر: أحمد العمراوي ـ الطبعة الأولي ـ 2006 ـ دار الأمان ـ الرباط ـ المملكة المغربية.0