باتريك كوبورن: بوش وبلير وزعماء العراق يضللون ويجب الاعتراف بان هوية المقاومة عراقية

حجم الخط
0

في حوار مع زميله دانكان كامبل وجمهور غفير حضر اللقاء في جامعة لندن:

لندن ـ من سمير ناصيف:

اتهم الصحافي البريطاني باتريك كوبورن الرئيس الامريكي جورج بوش ورئيس الحكومة البريطانية توني بلير بتقديم صورة خادعة ومضللة عن الوضع في العراق، وقال ان قادة ما يسمي العراق الجديد يقضون معظم اوقاتهم خارج بلدهم في زيارات ومؤتمرات حيث يصرحون بان الوضع ممتاز ويتحسن، فيما العكس هو الصحيح.

وكان كوبورن يتحدث بدعوة من الجمعية الفلسطينية في كلية الدراسات الشرقية والافريقية في جامعة لندن، علما انه احد ابرز اختصاصيي صحيفة الاندبندنت البريطانية في شؤون الشرق الاوسط، وقد زار العراق في ايام صدام، وما زال يزورها باستمرار للاطلاع عن كثب علي الاوضاع، وعمل مراسلا في دول عربية اخري.

وجري حديثه بشكل اسئلة طرحها عليه زميله في صحيفة الغارديان الصحافي البارز دانكان كامبل، وكان يرد عليها بصراحة، وتبعت ذلك اسئلة من الجمهور الغفير من الحاضرين. وفي السؤال الاول طرح عليه كامبل سؤالا عن كتابه الجديد بعنوان الاحتلال ـ الحرب والمقاومة في العراق الصادر بالانكليزية عن دار فيرسو، وعن زيارة نائب رئيس الوزراء العراقي برهم صالح امس الاول الي بريطانيا حيث طلب من توني بلير عدم سحب القوات العسكرية البريطانية من العراق، فقال كوبورن: ان احد اسباب كتابتي لهذا الكتاب هو انزعاجي من قادة العراق الحاليين الذين يسافرون باستمرار الي لندن وواشنطن ويقولون لبلير وبوش ان الاوضاع في بلدهم تتحسن، فيما هي تزداد سوءا.

وقد بدأت هذه العملية بزيارات اياد علاوي في عام 2004، ثم الزعماء الآخرين، وهم يدعون جميعا بان العنف هو في ثلاث او اربع محافظات في العراق فقط، وباقي العراق في حالة مستقرة، ونحن الصحافيين ليس باستطاعتنا تأكيد او عدم تأكيد ما يقولونه. وهذا ما دفعني الي المخاطرة والذهاب الي العراق، ومن خلال خبرتي السابقة تمكنت من جمع المعلومات الحقيقية عن الفظائع التي ترتكب هناك، وكيف سيطرت الميليشيات الطائفية علي البلد، واصبحت الشرطة العراقية بيد احدي هذه الميليشيات (قوات بدر) وهي تتنازع علي السلطة مع ميليشيات اخري (قوات المهدي) وميليشيات سنية.

ولدي سؤاله اذا كان الرئيس الامريكي السابق جورج بوش الاب اعتمد سياسة اكثر ذكاء في تعامله مع العراق بعد اخراج صدام من الكويت في عام 1991 قال كوبورن: كان تعامل بوش الاب مع غزو العراق اكثر جدية من ابنه العديم الخبرة والمتأثر بالشلة المحيطة به. وقد خشي الاب في عام 1991 ان يشعل دخول الجيش الامريكي الي العراق جبهة مع ايران وسيصبح الايرانيون مسيطرين علي جنوب العراق، كما هو الوضع الان. اما جورج بوش الابن واعوانه فاعتقدوا بان القضية ستكون سهلة، كما حدث في هجومهم الاول علي افغانستان، وهم يدفعون حاليا الثمن. وقد ذكرت في كتابي ان بعض اعوان بوش الابن كانوا سخفاء الي درجة ان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد فكر في تعيين عمدة نيويورك رودي جيولياني رئيسا لبلدية بغداد في المرحلة الاولي من الاحتلال.

وسأله زميله كامبل هل كانت الاوضاع في ظل حكم صدام حسين افضل بالنسبة للتغطية الصحافية للصحافيين الاجانب؟ فقال: كان بالامكان متابعة موضوع صحافي في العراق في ايام صدام، ولكن بشرط ألا يكون هذا الموضوع تحقيقا حول صدام وعائلته واعوانه المقربين منه. وكانت الضغوط تمارس عبر عدم اعطاء التأشيرات للصحافيين الآتين فقط لخلق المشاكل للنظام، اما بعد سقوط العراق ففي المرحلة الاولي كنا نأتي عن طريق سورية ثم كردستان العراق، ونحاول التغطية من هناك، ولكن بعد حصار الفلوجة صار قادة المقاومة يعتبرون بان الصحافيين الاجانب لا يختلفون عن الجيش الامريكي وحصلت اعتداءات واختطافات وعمليات وحشية ضدهم. وهذه الايام عندما اسافر للتغطية في العراق احاول التمويه عن هويتي خوفا من الاختطاف او القتل وترافقني اكثر من سيارة، ولكنني افضل الاستمرار في تغطيتي بنفسي وعدم الاستماع الي التقارير الخادعة عن الاوضاع. ولدي سؤاله كيف يحصل علي المعلومات، قال: من خلال خبرتي السابقة هناك وسائل للحصول علي المعلومات، فمثلا بالامكان سؤال سائقي الشاحنات التي تنقل البضائع في الطرقات العراقية المختلفة عن الاوضاع في المناطق التي يمرون بها، وهناك مفاتيح او اشخاص عاديون يتبرعون بالمعلومات، ولكن من الصعب كشف خداع بوش وبلير عن الاوضاع كليا لان العمل الصحافي الحر والتنقل يشكلان خطرا كبيرا.

وعن تقديره لعدد الضحايا في العراق واذا كان يوافق علي احصاءات تقرير لانسيت الامريكي الصادر عن جامعة جونز هوبكنز وخبرائها الاحصائيين بوجود ما يوازي الـ650 الف قتيل حتي الان، قال كوبورن: ربما العدد اقل من ذلك ببضعة آلاف، ولكن سنصل اليه قريبا لسوء الحظ، وقد منعت وزارة الصحة العراقية المستشفيات من الادلاء بمعلومات عن اعداد الضحايا مؤخرا، ولكن التقديرات تشير الي مقتل ثلاثة آلاف شخص كل شهر تقريبا. وعن الشركات الامنية الاجنبية وموظفيها الذين يعملون في العراق، قال كوبورن ان هذا الامر غريب جدا فهم يأتون من جنوب افريقيا وبريطانيا واوروبا الشرقية ويحملون السلاح ويعملون لشركات امريكية او بريطانية او غيرها ولا تفرض عليهم قيود في حمل السلاح ولا يحاسبون اذا قتلوا عراقيين. ولا يكفي العراقيين الوحشية التي يرتكبها الجنود الامريكيون، فعليهم تحمل هؤلاء الجنود المرتزقة الذين لا يعرف اصلهم وفصلهم. وقد قتل منهم حتي الساعة ما يوازي الخمسمئة عنصر.

واشار كوبورن الي ان الانهيار التام الذي يراه في الوضع في العراق ليس له مثيل في اي مكان آخر زاره وعمل فيه، وهو يفوق بكثير انهيار الاوضاع في لبنان خلال الحرب الاهلية اللبنانية الاخيرة (1975 ـ 1990) غطاها صحافيا عن كثب.

وحول مهمة وزير الخارجية الامريكي السابق جيمس بيكر واعوانه والتقرير الذي سيقدمه في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) لمعالجة الاوضاع قال كوبورن: لقد ضخمت ادارة بوش الابن دور سورية وايران في دعم المقاومة العراقية في المراحل الاولي من الاحتلال الامريكي للعراق. وقادة المقاومة ما كانوا بحاجة للتدريب والسلاح، كما قيل، لان معظمهم من الجيش العراقي السابق ولا ينقصهم التدريب علي صناعة القنابل ولا تنقصهم الاسلحة. كما انني اتساءل لماذا لم نجد العدد الهائل بين الاسري من المقاتلين الاجانب، اذا كان عدد الاجانب في المقاومة مرتفعا الي هذه الدرجة؟ ولماذا نجد ان دور ابي مصعب الزرقاوي ضُخم اعلاميا مباشرة بعد القبض علي صدام حسين؟ المقاومة في العراق عراقية بشكل رئيسي، ومن الصعب جدا استخدام غير العراقيين فيها، ويجب التعامل مع هذا الواقع في اي خطة مستقبلية لبيكر او لغيره.

اما بالنسبة لانهاء الاحتلال فقال كوبورن: يقولون ان انهاء الاحتلال بسرعة سيؤدي الي حرب اهلية. والواقع يشير بان الحرب الاهلية موجودة. ان اي حل لقضية العراق يجب ان يشمل انهاء الاحتلال بشكل او بآخر والانسحاب الاجنبي من البلد. والعراقيون لا يعتبرون بان الحكومـــة التي اتت عن طريق نفوذ امريكا وبريطانيا والتي يديرها هذان البلدان هي حكومة شرعية تمثلهــــم حتي ولو انتخبوها. فكيف يمكن لعراقي ان يحترم رئيس وزراء بلده وهو يتنقل تحت حماية جنود Navy Seals (عجول بحر البحرية الامريكية)؟ او كيف يقبل العراقيون عدم وجود جهاز امن عام ومخابرات عراقي بل جهاز امني خاضع لوكالة الاستخبارات الامريكية؟ وقد اكد اول رئيس وزراء عراقي بعد تسلمه الحكم من قوات التحالف (اياد علاوي) انه ليست لديه سلطة عندما يتعلق الامر بقرار امريكي او بريطاني في البلد.

اما بالنسبة لارسال قوات اجنبية من الدول المجاورة او من الدول الاسلامية لحفظ الامن في العراق فقال كوبورن: ان عدد الدول التي ترغب بارسال قوات عسكرية لحفظ الامن في العراق قليل جدا. وامريكا ستطرح تركيا وباكستان وطبعا سيرفض الاكراد والشيعة ذلك. اما الاتفاق مع ايران وسورية، فانه سيسهل الامور ولكنه لن يحلها كليا لان البلدين لا يملكان جميع الاوراق.

وحول موضوع انقسام العراق الي فيدراليات قال كوبورن: سيصعب جدا تقسيم المدن العراقية الكبيرة المختلطة السكان. كما ان المواقف مختلفة حول هذا الموضوع بين المجموعات الرئيسيــة الثلاث.

وفي نهاية اللقاء سأله احدهم عما اذا كان الرئيس بوش مصاب بانفصام في الشخصية لكونه مستمرا في تأكيد تحسن الاوضاع في البلد فقال: لا اعتقد بان بوش ادرك في الماضي او يدرك حاليا خطورة ما يجري في العراق، وهذا الامر ينطبق ايضا علي توني بلير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية