نظر آلاف الصحافيين ليلة أول أمس في النشر الحصري لمذيعين في شبكة “فوكس” ولم يصدقوا ما تشاهده عيونهم. فقد بدا أنهم ضحية نكتة غير مسلية إذ نشروا رسالة زائفة من الرئيس ترامب إلى نظيره اردوغان.
غير معقول، قال الآلاف لأنفسهم، وعندها عشرات الآلاف فأكثر، بأن الرئيس الأمريكي بعث برسالة إلى الرئيس التركي قال فيها شيئاً مثل “لا تكن غبياً”، أو “لا تلعبها رجلاً” (ترجمة حرة). ولكن في غضون وقت قصير أكد البيت الأبيض بأن الرسالة أصيلة.
وأكثر من ذلك كان الرد التركي مقلقاً: فقد أفاد القصر الرئاسي شبكة بي.بي.سي بأن اردوغان “رد رداً باتاً” الرسالة، و”ألقى بها إلى سلة المهملات”. فالأتراك لم يهينوا ترامب فقط، بل فعلوا هذا علناً بإذن رسمي أن ألقيت الرسالة إلى سلة المهملات. هذا احتقار متجسد. اردوغان فعل شيئاً آخر أيضاً، ففي اليوم ذاته الذي تلقى فيه الرسالة الغريبة من الرئيس الأمريكي، بدأ الجيش التركي غزوه إلى سوريا.
أمس، كان تواصل آخر لكومة الحطام المسماة “سياسة أمريكية” في عصرنا. فبعد الإهانة التركية لترامب بعث بوزير خارجيته وبنائب الرئيس بينيس للتوصل إلى صفقة مع الأتراك.
لم يكن للرئيس الأمريكي بديل: فللمرة الأولى منذ ثلاث سنوات اتحدت واشنطن بحزبيها كي تشجب البيت الأبيض على خيانته للأكراد. الحزب الجمهوري، الذي يعدّ مداساً لترامب، ثار كله تقريباً. فالظلم الذي أحاقه الأمريكيون بالأكراد كان عظيماً، وإنجاز الروس والإيرانيين والأتراك كان واسعاً لدرجة أن خرج الجمهوريون عن صمتهم. وأمام القرار الذي لا لبس فيه في مجلس النواب، فقد غير ترامب الاتجاه: في لحظة واحدة لم يكن في الشرق الأوسط إلا “مجرد رمال”، على حد تعبيره، ولا يوجد هناك ما يمكن البحث عنه، وفي لحظة أخرى تالية يبعث نائب الرئيس إلى أنقرة على عجل.
غير أن الأتراك اشتموا الدم في الماء. وهذا لم يكن دمهم، بل دم الأكراد ودم السمعة الأمريكية. لم يعتزموا التنازل. “اتفقوا” مع بينيس على انسحاب الأكراد من منطقة فاصلة بعمق 35 كيلومتراً على طول أكثر من 400 كيلومتر على حدودهم مع سوريا، وعلى تسليم السلاح الثقيل لدى الأكراد، وعلى تفكيك كل مواقعهم، وإخلاء “المناطق الأمنة”، تلك المناطق التي هجرتها قوات الجيش الأمريكي على عجل بأمر من ترامب.
وأعلن نائب الرئيس، بينيس، باحتفالية، عن “وقف النار”، ولكن وزير الخارجية التركي سارع إلى التعديل: هذا ليس وقفاً للنار، بل مهلة زمنية لانسحاب الأكراد. وهو محق. فمنطقة الفصل هذه هي بالضبط ما طالب بها اردوغان. لقد جاءت الولايات المتحدة إلى أنقرة كي تسلمها مفاتيح مصير الأكراد والاستسلام باسمهم أمام الطاغية بما في ذلك نزع سلاحهم. فضلاً عن ذلك، لم يحقق الأتراك الكثير في حملتهم، فقد فشلوا في السيطرة على مدن كردية وواجهوا صعود الجيش السوري شمالاً. أما “الاتفاق” مع ترامب الذي هو عملياً الموافقة على كل مطالبهم، فقد أنقذهم من الإهانة وباع مصالح الأكراد الحلفاء الوحيدين للولايات المتحدة في المنطقة، الحلفاء السابقين.
لقد دعا ترامب هذا “رائعاً للجميع”. بل قال إن هذا “رائع للحضارة”، وليس أقل. وبالفعل، هذا رائع مثلما كان اتفاق ميونخ رائعاً.
بقلم: نداف ايال
يديعوت 18/10/2019