الناصرة- “القدس العربي”: فيما تستمر المداولات الحثيثة في إسرائيل من أجل خروجها من مأزقها السياسي وتحاشي الذهاب مجددا لانتخابات عامة للمرة الخامسة، اعتبر باحثان بارزان أن العجز عن تشكيل حكومة مستقرة يعكس أزمة سياسية عميقة فيها ويحذر أحدهما من دور متنام لفلسطينيي الداخل صاحب الاهتمام بالقضايا الفلسطينية أيضا كلاعب سياسي في اللعبة الإسرائيلية.
في هذا المضمار قال الباحث الإسرائيلي المختص بالقضاء دكتور بيني بورات إن هناك مَن يعتقد أن المأزق السياسي المثير لليأس ناجم عن معضلة مع نتنياهو / ضد نتنياهو لكن ما يجري في الحقيقة هو انعكاس لمشكلة أعمق، وتعبير عن الطريق المسدود الذي وصل إليه الإسرائيليون كجماعة بعد أن خسروا الرؤى التي كانت تقودهم في الماضي، وتنظم التيارات السياسية المتعددة.
في مقال نشرته صحيفة “معاريف“ قال بورات إنه من وجهة نظر سياسية، الأزمة ناجمة عن فشل الأحزاب الكثيرة المنقسمة في التوحد والعمل المشترك لكن من وجهة نظر أيديولوجية، المشكلة هي العكس تماما. ويرى أن هناك عددا كبيرا من الأحزاب لا يوجد فوارق أيديولوجية بينها بل خصومات شخصية؛ صراعات كلها فردية محصلتها صفر، لا تسمح ببناء جسر بين الأطراف المتعددة.
وتابع “يُظهر فحص الأحزاب الصهيونية أنه يوجد على هامش اليمين واليسار مركزان أيديولوجيان واضحان يُستخدمان ملاذا لأقلية صغيرة: هناك من جهة حزب الصهيونية الدينية (6 مقاعد) الذي يعبر عن روحية حركة غوش إيمونيم التاريخية. وفي الجهة الثانية هناك حزب ميرتس وحزب العمل (13 مقعدا) اللذان يواصلان حمل روحية حركة “السلام الآن” لكن في الوسط يوجد عدد كبير من الناخبين، أكثرية في الكنيست (75 مقعدا) موزعة على أحزاب – الليكود؛ يوجد مستقبل؛ أزرق أبيض؛ يمينا؛ أمل جديد؛ إسرائيل بيتنا- من الصعب أن ترى فروقات أيديولوجية بينها”.
ويدعو بورات لفحص وجهات نظر بنيامين نتنياهو ويائير لبيد وبني غانتس ونفتالي بينت وجدعون ساعر وأفيغدور ليبرمان في مجالات الاقتصاد والاجتماع والعلاقات الخارجية والأمن والحدود. وعن ذلك يقول جازما “لن تجدوا أي فارق بينهم. المنافسة تدور فقط حول مَن سيكون في القمة. سواء في وجهات نظرهم الأمنية أو من حيث مواقفهم الاقتصادية – الاجتماعية، جميع هذه الأحزاب تنتمي إلى الوسط أو اليمين المعتدل. المشكلة الوحيدة التي يختلفون بشأنها هي العلاقة بالمحاكم والنيابة العامة وسائر حراس الدولة”.
وبرأيه تعبر ظاهرة نهاية النقاش الأيديولوجي وتحوله إلى مسألة شخصية بحتة عن أفول الرؤى الكبرى التي وجهت الإسرائيليين على مر السنين. ويقول إن الرؤيتين اللتين قادتا الإسرائيليين في العقود الأخيرة – تقسيم “أرض إسرائيل“ من جهة، و”أرض إسرائيل الكاملة“ من جهة ثانية – خسرتا أهميتهما في نظر أغلبية الإسرائيليين. ويرى أن ذلك ينطبق على الخلافات التقليدية في مجالات الاقتصاد والاجتماع بين حركة العمل التاريخية وبين حركة حيروت.
تأتي الأزمة مع فقدان الفوارق المبدئية وطغيان الحسابات الشخصية بين “قادة مصابين بجنون العظمة”
ويخلص بورات للاستنتاج بأنه حتى بالنسبة إلى العلاقة بين الدين والدولة لا توجد فوارق كبيرة بين الأحزاب المتعددة، التي تشكل أحزاب الوسط في إسرائيل (باستثناء حزب إسرائيل بيتنا)، والتي تحرص على عدم الظهور كأحزاب دينية أو كأحزاب علمانية، وتريد البقاء في منطقة غامضة بين الهويتين. ويضيف “هذا الوضع غير قابل للحياة. مجتمع ليس لديه رؤى تقوده محكوم عليه بأن يصبح فارغا من المعنى. ولا يبقى لديه سوى نزاعات شخصية بين زعماء مصابين بجنون العظمة. إذا كنا شعبا يحب الحياة، يتعين علينا أن نستغل العقد الثامن من حياة إسرائيل كي نعيد صوغ رؤانا الاجتماعية كي تصبح قادرة على تحفيز المجتمع وتنظيم المجموعات المتعددة”.
كذلك يشدد على ضرورة أن تعيد هذه الرؤى تحديد التوترات الثلاثة العميقة التي يواجهها الإسرائيليون: إسرائيل والمناطق المحتلة، الاقتصاد والمجتمع؛ الدين والدولة، معتبرا أن أغلبية الإسرائيليين لم تعد تتماهى مع رؤيا تقسيم البلاد إلى دولتين، ولا مع رؤيا “أرض إسرائيل الكاملة“ ويتابع “هاتان الرؤيتان انهارتا على أرض الواقع. الأغلبية الإسرائيلية تشعر بصورة بديهية بالحاجة إلى إيجاد صيغة وسط لم تتبلور بوضوح بعد. هذه الرؤيا الثالثة يمكن تسميتها “رؤيا أرض إسرائيل الكبرى” يجب السعي لفرض السيادة اليهودية على مناطق كثيفة السكان اليهود وقليلة السكان من الفلسطينيين، من خلال التعهد للفلسطينيين بإمكانية إدارة حياتهم بأنفسهم”.
كما يقول إن أغلبية الإسرائيليين تخلت منذ وقت طويل عن أحلام الاقتصاد المركزي على طريقة حزب “مباي“ الذي رفع لواء المساواة، لكنه لم يؤمن بالصيغة الليبرالية لاقتصاد السوق الحرة. المطلوب الآن رؤيا اجتماعية-اقتصادية متوازنة، مستوحاة من مصادر يهودية يمكن تسميتها “اقتصاد أخوة”.
ويقول بورات أيضا إن الفيلسوف النمساوي مارتين بوبر (1878-1965) الذي اشتهر بفلسفة الحوار اعتاد القول -ملخصا قيَم الثورة الفرنسية- إنه بعد الحرب العالمية تحركت الحرية غربا، والمساواة شرقا، والكل نسيَ الأخوة. ومن هذا يرى بورات مستنتجا: “أنا أدعو إلى التفكير في مبدأ تنظيمي جديد للمجال الاجتماعي – الاقتصادي – مبدأ الإخوة – يرسم الطريق كي تصبح إسرائيل مجتمعا نموذجيا”.
وضمن الاستخلاصات يقول بورات أخيرا إن السياسة الإسرائيلية القديمة كانت قائمة على انقسام واضح بين متدينين وعلمانيين لكن أغلبية الإسرائيليين اليوم تشعر بأنها لا تنتمي إلى هذه الثنائية، وتطالب ببنى أكثر تعقيدا، مثل “تقليديون”، “متدينون”، “ليبراليون”، “مدارس دينية حديثة” ويضيف “بين المتدينين وبين العلمانيين نشأت مجموعات في الوسط، يمكن تسميتها “الإسرائيليين المؤمنين” الذين يريدون إيصال نظرتهم إلى العالم”.
ويقول في هذا المضمار إن النقاش العام لرؤى جديدة تقود الإسرائيليين في العقود المقبلة ضروري لنا مثل الهواء للتنفس وبرأيه هذا الأمر سيساعد في خلط الأوراق القديمة وتنظيم عقد اجتماعي بصور جديدة. مثلما أنه بهذه الطريقة ستحظى الأغلبية الإسرائيلية بأعلام جديدة يمكن أن تتوحد حولها، ولا تكون مثل رجل أعمى في الظلام تحكمه رؤى لا تعني له شيئا ومن المحتمل أيضا أن يساعد هذا في بناء ائتلاف جديد.
في هذا السياق قال وزير القضاء الإسرائيلي الأسبق بروفيسور فريدمان إنه في إطار الثورة القضائية أقرت المحكمة العليا للأحزاب العربية، التي تتبنى الأجندة الوطنية الفلسطينية، التنافس في الانتخابات للكنيست. وزعم في مقال نشرته صحيفة “هآرتس“ أن الأحزاب العربية التي انتخبت، بما فيها حزب التجمع، وضعت في المكان الأول المصلحة الوطنية الفلسطينية، وفي أعقاب ذلك بقيت خارج اللعبة السياسية في الكنيست، وكان متفقا عليه عمليا بين كل الأحزاب الصهيونية بأنه لا ينبغي أخذها بالحسبان في كل ما يتعلق بتشكيل الحكومة والمسائل الأساس التي تقف إسرائيل أمامها وقال إن الجمهور العربي الفلسطيني في الدولة شعر بذلك وبقي اهتمامه بالانتخابات للكنيست متدنيا.
وبرأي فريدمان تغيرت الصورة في أعقاب التسويغ الذي منحه بنيامين نتنياهو للقائمة العربية الموحدة برئاسة النائب منصور عباس الذي اختار أن يضع مصلحة المواطنين العرب في رأس اهتمامه، مدعيا أن الأحزاب العربية التي تحظى باهتمام إعلامي هائل الآن كفيلة بأن تشكل “بيضة القبان“ في الكنيست، ولهذا قد يكون تأثيرها دراماتيكيا للمدى البعيد.
ورغم انخفاض عدد المشاركين العرب في الانتخابات الإسرائيلية بشكل غير مسبوق يرى فريدمان أن إحدى الإمكانيات هي الآن ازدياد اهتمام المواطنين العرب بالانتخابات للكنيست ويطرأ ارتفاع في نسبة تصويتهم وإذا ما تساوت نسبة التصويت لدى العرب واليهود فإن الأحزاب العربية قد تحظى بنحو 20 مقعدا، وربما أكثر من هذا.
ويتابع “لمثل هذا التطور يوجد أيضا جانب إيجابي، سيتعزز إذا ما طرأ اعتدال في مواقف منتخبي الجمهور العربي من إسرائيل كدولة يهودية. ومع ذلك، يمكن فقط أن نتصور ماذا ستكون تداعيات مثل هذا التغيير في تركيبة الكنيست على الحكومة وعلى التشريعات في الكنيست. وهكذا سيزداد أيضا الاحتمال في أن تشكل الأحزاب العربية بيضة القبان “في المستقبل أيضا”. معتبرا أن تطور الأحزاب اليهودية الدينية المتزمتة (الحريديم) والارتفاع في قوتها السياسية، منذ أصبحت “بيضة القبان“ مع صعود مناحم بيغن إلى الحكم في العام 1977، يفيد بعدد غير قليل من الدروس.
ويذكر أنه في تلك الأيام كانت لأحزاب “الحريديم“ خمسة مقاعد فقط في الكنيست ومنذئذ ارتفع عدد مقاعدها فبلغ اليوم 16 وبالتوازي طرأ ارتفاع في عدد طلابهم وكذلك الدعم للمؤسسات الحريدية، والآن الأحزاب العربية كفيلة بأن تحتل مكان “الحريديم“ كـ”بيضة القبان“ والمعنى واضح”.
ويقول فريدمان إنه فضلا عن ذلك، بعد حرب 1967 ضمت إسرائيل شرقي القدس حيث يسكن فيها مئات آلاف الفلسطينيين، الكثيرون منهم في مكانة مقيمين دائمين فيها وهم يستحقون المشاركة في الانتخابات لبلدية القدس، ولكن حتى اليوم غالبيتهم الساحقة لم تفعل ذلك. وعلى خلفية ذلك يتساءل بالقول ما هو الاحتمال في أن يقرر عرب شرقي القدس الآن، في أعقاب قرار منصور عباس المشاركة في انتخابات البلدية؟ وعن هذا يجيب محذرا “إذا حصل هذا، فسيكون للصوت العربي وزن هائل، وربما حاسم، وربما حتى ينتخب واحد منهم لرئاسة البلدية. مرة أخرى يمكن أن نرى جانبا إيجابيا في مثل هذا التطور، ولكن واضح أن طابع إسرائيل كفيل بأن يتغير”.
كما يشير لامتناع المقدسيين في الماضي عن طلب المواطنة الإسرائيلية ولكن مؤخرا توجد مؤشرات على التغيير وفي السنة الأخيرة تلقى أكثر من ألف منهم الجنسية الإسرائيلية. مرجحا أن يتعزز هذا الميل ويحتمل أن تستغل الأحزاب العربية قوتها السياسية وتمارس الضغط كي تمنح الجنسية الإسرائيلية بسهولة أكبر لفلسطينيي الشطر الشرقي القدس.
وفي نهاية مقاله يقول فريدمان إنه يسعى اليمين الصهيوني لضم الضفة الغربية أو على الأقل أجزاء كبيرة منها وعلى أي حال تصعد مسألة منح الجنسية الإسرائيلية للسكان الفلسطينيين في الأرض المضمومة. ويتابع “أنا أشك في أن يكون وضعنا على المستوى الدولي يسمح على الإطلاق بضم من طرف واحد، وبرأيي إنه لن يكون ممكنا عمل ذلك دون منح الجنسية للفلسطينيين. والآن ينضم إلى المسألة الدولية أيضا موقف الأحزاب العربية التي منحها نتنياهو الشرعية الكاملة، ولصوتها على المستوى الداخلي سيكون، في هذا الموضوع أيضا، وزن مختلف عما كان في الماضي بمعنى التأثير على قرار الضم”.
وينهي فريدمان بالقول “وهكذا، في داخل بحر التضاربات التي نعيش فيها، يتبين، في ضوء هذه الأمور، الحاجة أيضا لأن نفحص من جهة كيف ندمج ونطور، في إطار الدولة، الجمهور العربي الذي يعيش في داخلنا، ومن الجهة الأخرى نحافظ على طابع الدولة كيهودية وديمقراطية من خلال اتفاقات سلام وفصل عن الفلسطينيين الذين خارج حدود الدولة”.