لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا لديفي سريدار، رئيسة الصحة العامة بجامعة إدنبرة قالت فيه إن الباحثين العلميين يقتربون من التعرف على أعداد حالات الوفاة والمرض المريع في غزة وأشارت إلى إصابة طفل في غزة بشلل الأطفال وهي أول حالة مؤكدة في القطاع منذ 25 عاما.
وقالت إن الشلل سيكون على ما يبدو دائما ولا يوجد علاج للمرض مع أن لدينا لقاحات فعالة قادرة على منعه. إلا أن الحرب الدائرة بالمنطقة تعني أن حملات التطعيم توقفت. وهناك حتمية على ما يبدو من انتشار موجة شلل أطفال نظرا لأن المرض ينتشر خلال المياه الملوثة والقاذورات التي تحيط بمن يعيشون في المخيمات.
وتقول إن الاتفاق على فترة توقف عن القتال لمدة تسع ساعات في اليوم وعلى مدى أيام كان أمرا جيدا، وذلك للسماح بتطعيم الأطفال وكجزء من حملة صحية طارئة للأمم المتحدة. وانتهت أولى هذه الفترات التي استمرت ثلاثة أيام يوم الثلاثاء وسوف تستمر الفترة التالية حتى نهاية الأسبوع. ولكن القلق الكبير هو إن كان القتال سيتوقف تماما: فقد هاجمت القوات الإسرائيلية المستشفيات والمدارس وشاحنات المساعدات وموظفي الأمم المتحدة في الماضي. ولم تعد وكالات الأمم المتحدة مثل برنامج الغذاء العالمي ترسل موظفيها إلى غزة بعد أن فتحت القوات الإسرائيلية النار على شاحنة تحمل علامة برنامج الغذاء العالمي، حتى بعد حصول المركبة على الموافقة من الجيش الإسرائيلي.
وتقول سريدار إن من السهل جدا الاتفاق على فترة توقف على الورق وسوف يكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان سيتم احترامها في الواقع.
وتضيف أن اكتشاف شلل الأطفال في غزة هو تذكير لنا بأن تقدير الثمن الإنساني للحرب هناك بات صعبا على نحو متزايد.
فنحن لا نملك فكرة عن مدى انتشار الأمراض والمجاعة أو ما يسمى “الوفيات غير المباشرة”. ونجهل تماما العدد الإجمالي للوفيات، وعادة ما يتم جمع البيانات من المستشفيات والمشارح التي تقدم شهادات عن كل حالة وفاة وتبلغ عنها وزارة الصحة.
ولكن أنظمة التسجيل المدني هذه انهارت في غزة، وهذا يعني عدم وجود بيانات دقيقة عن عدد الوفيات.
وكانت وزارة الصحة تحاول جمع الأرقام باستخدام التقارير الإعلامية، وهي ليست وسيلة موثوقة لتحديد الصورة الكاملة. وتشير التقديرات إلى أن هناك أكثر من عشرة آلاف جثة مدفونة تحت الأنقاض، أي أنه لا يمكن إحصاؤها، إضافة للعدد المتزايد من الجثث التي لا يمكن التعرف عليها.
وتقول الباحثة العلمية إن وجود طريقة مقبولة وموثوقة للحصول على تقديرات عن العدد الحقيقي للموتى وعن بعد أمر مهم. وعلى مدى عدة عقود، تم تطوير أساليب لبناء مجموعات البيانات في الحالات التي تعاني من ضعف أو تتعرض فيها أنظمة الرقابة والصحة للضرر.
وتعتبر دراسة “العبء العالمي للمرض” والتي مولتها مؤسسة بيل وميليندا غيتس المعيار الذهبي هنا. والهدف هو التوصل إلى عملية لتقدير الوفيات، ثم التثليث عبر مجموعات البحث والأساليب المختلفة لمعرفة ما إذا كان من الممكن الاتفاق على رقم قوي ومقبول عالميا. وهي عملية تقوم على المراجعة بين الباحثين الأقران والتشاور بين العلماء.
وقد نشرت المجلة الطبية لانسيت في الفترة الأخيرة تقديرا للوفيات في غزة وقام بها عدد من الباحثين العلميين المحترمين الذين قدموا صورة عن الطريقة التي توصلوا فيها إلى تقديرهم 186,000 وفاة، وذلك من خلال المقارنة مع الصراعات المماثلة والأرقام النهائية.
وتوصل الباحثون إلى أن الرقم المقدر بحلول حزيران/يونيو 2024 يمثل نسبة 7.9% من سكان غزة. ولو استمر معدل القتل على هذا المستوى اليومي أي 23,000 شخص في الشهر، فستكون هناك 149.500 حالة وفاة إضافية بنهاية العام الحالي، أي بعد حوالي ستة أشهر ونصف من التقدير الأولي في منتصف حزيران/يونيو. وباستخدام هذه الطريقة، سيتم تقدير إجمالي الوفيات منذ بدء الصراع بحوالي 335,500 حالة وفاة في المجموع.
وتقول الكاتبة إنها قامت وبطريقة مماثلة بحسبة تقريبية في الشتاء الماضي ومن خلال النظر في حالات الصراع الأخرى وتقييم عدد القتلى الذين قد يسقطون إذا استمر القتال دون تدخل دولي.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2023، كان تقديرها حوالي نصف مليون قتيل دون وقف إطلاق النار. وهذا يتماشى تقريبا مع تقديرات مجلة لانسيت – التي استخدمت تقديرا متحفظًا للغاية، لكنها سمحت بأن يكون الرقم أعلى من ذلك بكثير بسهولة. كما يوضح التقدير ما كان يمكن أن يحدث لو لم يتحرك المجتمع الدولي، ولم يستغل الفرص القصيرة المتاحة لتقديم المساعدات والرعاية الطبية. وقد تم إنقاذ العديد من الناس من خلال هذه التوقفات المختلفة في القتال والتدخلات الإنسانية، حتى لو تم فرضها بشكل متقطع.
وتقول سريدار إنه من السهل أن نضيع في هذه الأرقام وننسى الاسم والوجه وراء كل منها. ورغم أن الوضع في غزة قد يبدو ميؤوسا منه، إلا أنه ليس كذلك.
فمحاولات الأمم المتحدة للوصول إلى القطاع، مثل تلك التي أدت إلى توقف إنساني للتطعيم ضد شلل الأطفال تنقذ الأرواح وتحدث فرقا لمئات الآلاف من الأسر، حتى في ظل الرعب المروع الذي تسببه الحرب.
وهذا ليس جدالا أو نقاشا سياسيا بل يعني أن تعاون العلماء لإثبات الحقائق والبيانات الموثوقة أمر مهم جدا من أجل توثيق ما يحدث في الحرب بقطاع غزة وسوف يساعد أولئك الذين يعملون من أجل إيجاد حلول على حماية حياة الإنسان والحفاظ على صحته.