باحثون عرب يحذرون في ختام مهرجان طنجة من «خطر السقوط الأخلاقي»

حجم الخط
5

طنجة – «القدس العربي»: في ختام فعاليات الدورة الـ18 لمهرجان «ثويزا الثقافي»، في طنجة حذر عدد من الكتاب العرب من «خطر السقوط الأخلاقي» في ندوة حملت هذا العنوان.
وتناولت هذه الجلسة التحليلية والتشخيصية عملية انحسار الأخلاق في المشهد العالمي والتي ضمت الباحث العراقي خزعل الماجدي والكاتب والمفكر السوري برهان غليون والكاتب والروائي المصري يوسف زيدان، الذين التأموا لتفسير «انزلاق الإنسان عن إنسانيته».
وأجرى خزعل الماجدي عملية تحقيب وصفها مسير الجلسة الباحث أحمد عصيد بأنها «ماكروسكوبية».
وتطرق الباحث العراقي إلى التدهور التدريجي للأخلاق الذي اتخذ طابعا سياسيا، مؤكدا «اتخذ أيضا وجها اقتصاديا»، يكمن في الرأسمالية المتوحشة، التي «تحمل بذور السقوط الأخلاقي، وفي أطوارها الأخيرة، تقريبا في العقدين أو الثلاثة عقود السابقة وصلت إلى ذروة التوحش، بمعنى أنها تستغل بأبشع الطرق حياة الناس وتحرض على الاستهلاك. وهذه الرأسمالية المتوحشة ظهرت كمظهر مهم جدا من مظاهر انتفاء السند الأخلاقي».
وانتقل الماجدي إلى الثورة الرقمية والاتصالات، مسجلا أننا «ظننا أن الاتصال الرقمي ومواقع الاتصال والأنترنيت الذي ننعم به الآن شيء ممتاز وعظيم؛ لكن هناك شرا خلف كل هذا؛ فهناك من يراقب هذا المشهد ومن يستثمره لصالحه إلى درجة أنك تصير مع مرور الوقت خائفا على مكانك ومكان عائلتك والمعلومات التي تسرق منك وأن يحصل التربص بك مهما أخفيت نفسك»، لافتا إلى «هيمنة الأسماء المستعارة والأسماء المجهولة، وقد أصبحنا في كل الأحوال ضحية لهذا الاستخدام الرقمي وكان لا بد من الحذر منه بشكل أكبر».
وقال المفكر السوري برهان غليون إن المشكل اليوم أننا نرى الأوروبيين والأمريكيين الذين نظروا كثيرا في الفلسفة والأخلاق يطلعون على إبادة جماعية تجري في غزة، وهي إبادة منقولة بالتلفزيون وبالصور ولا يقومون بأي شيء، مسجلا أن العالم صار «بلا أخلاق»، ونحن نستحضر هنا أنه كان في بعض الثقافات قديما أخلاقيات للحرب، كعدم قتل الأطفال والنساء والشيوخ وعدم الاعتداء على الطبيعة، إلخ. وهذا حتى لو قلنا إن الحرب في الأصل فعل غير أخلاقي.
وأوضح، ضمن مداخلته، أن الأخلاق عموما تتعلق بمنظومة من القيم، التي تمثلتها عبر التجربة وصارت تحترمها، لتغدو الحياة متسقة ومنسجمة، وتصبح الصراعات أقل، وهو تمثل أفرادها لمجموعة القيم التي تخول لهم التصرف بطرق تصد النزاعات والاعتداءات، ولا تكون هناك حروب داخلية.
من جهته، قال الروائي المصري يوسف زيدان إن «السقوط الأخلاقي يعني تفكيك القيم الكبرى من بعضها البعض، فيصبح الجميل شريرا ويصبح الظلم جميلا. هذا أول ما يجب علينا أن نحذر منه في مجتمعنا»، متسائلا: هل نحن خلقيا في ذيل قائمة الأمم؟ وأجاب: «لا؛ لنأخذ ما جرى في نيويورك قبل 20 سنة حين انقطعت الكهرباء لمدة 12 دقيقة. كم جريمة ارتكبت؟ 17 ألف جريمة».
وأضاف: «حسنا، عندما قامت الثورة المصرية ضد حسني مبارك، والناس كانوا في حالة غضب من الشرطة، وأسقطوا كل أقسام البوليس وظلت مصر طيلة أربعة شهور دون شرطي واحد؛ وطيلة هذه الأشهر لم ترتكب جريمة إطلاقا، بل ما كنا نشكو منه في زمن مبارك مثلا كحرق الكنائس كل يومين ثلاثة، لم يحدث؛ كما لم يتم إحراق أي معبد يهودي؛ وهنا، الضابط غير الرسمي الذي هو الأخلاق تحكم في المجتمع، وبمنتهى التلقائية أصبح في كل حي مجموعة من الشباب يدبرون الشؤون لكون الجماعات الدينية قامت بأفعال تخريبية».
وتابع: «التدين أدى إلى إقرار أشكال ممارسة اجتماعية تبتعد تماما عن الأخلاق، ومنها مثلا الزوجات الكثيرات وجهاد النكاح. فلا بد أن نعلم أن الأخلاق نظام كامل مستقل عن الدين، وكان ظهوره في الحضارات الأولى لنقل الإنسانية من حالة الهمجية الأولى إلى حالة الحضارة مرتبطا بالإجابة عن الأسئلة الكبرى».
وأبرز المفكر السوري أن هذه المنظومة تتغير، لأن المجتمعات والحضارات تعيش تحولات؛ لكن الأخلاق تعد أكثر منظومة تظل مستمرة مع المجتمعات وتوفر لها الحماية، وقد كانت قبل قرنين أي قبل الدولة الحديثة بمثابة أكبر فاعل في توازن المجتمعات، لكن وظيفتها اليوم ضعفت أمام المرور إلى القوانين الوضعية.
وقال إن العلاقة مع القانون ليست قضية أخلاقية، بل قضية سياسية، مبرزا أنه في هذه الحالة نحتاج إلى تأهيل التربية الأخلاقية، وتمتين الوعي الأخلاقي، حتى يصبح عند كل فرد ضمير حي؛ ولهذا تعتبر الأسرة مرحلة أساسية في هذا الرهان وتأتي بعدها المدرسة، التي تمنح التلاميذ مبادئ وقيما فنية، كما أن الدين طرف رئيسي، ولقد كان هو المنظومة الكبرى والرئيسية التي تربي الأفراد في كل مجتمع. كان يعد أكبر مخزن للقيم، وأهم وظيفة للأديان هي تربية الأفراد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية