لندن – “القدس العربي”:
قال المفاوض الفلسطيني السابق والمؤلف أحمد سامح الخالدي في صحيفة “أوبزيرفر” إن خطط إسرائيل المتعلقة بمستقبل غزة لن تؤدي إلا لبقاء شعلة مقاومة حماس مشتعلة وإن أي محاولة لاستئصال حماس لن تنجح بل وتخاطر بإدامة دوامة العنف فقط بل ونشره على شكل أوسع. وقال: “في عام 1935 شنت عصابة من القوات غير النظامية قادها شيخ ولد في سوريا حملة حرب العصابات ضد حكومة الانتداب البريطاني التي جعلت إنشاء “وطن قومي” لليهود على فلسطين ذات الغالبية العربية جزءا من نطاق صلاحيتها. وقمعت القوات البريطانية الحملة بسرعة وقتلت قائدها عز الدين القسام وكذا معظم رجالها”.
إلا أن استعداد القسام، كما يقول الخالدي، لحمل السلاح والموت من أجل القضية الفلسطينية، ترك أثرا عميقا ودائما في المجتمع الفلسطيني وأصبحت “شهادته” رمزا للتضحية وترددت خلال التسعين عاما الماضية، وقدمت إلهاما لحركة حماس لكي تطلق اسمه على جناحها العسكري في نهاية الثمانينات من القرن الماضي.
ويضيف أن حقيقة فشل القسام في تحركه لم يكن مهما، وما يهم في النهاية هو تجسيده لروح المقاومة العنيدة ونكران الذات لمقاومة الهيمنة الأجنبية رغم اختلال ميزان القوى وغياب منظور النجاح.
ويضيف الخالدي أن القسام قام بوضع الحركة الوطنية الفلسطينية على طريق “الكفاح المسلح”، وهو ما تبناه لاحقا ياسر عرفات وحركته فتح “التيار الرئيسي” منذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي فصاعدا، إلا أن دورها تضاءل منذ توقيع اتفاقيات أوسلو مع إسرائيل في 1993.
وقد شهدت الـ 30 عاما منافسة بين حركة حماس كتجسيد للمقاومة الوطنية ضد الحكم الإسرائيلي، وفتح كتجسيد للانقسام والفساد والتواطؤ تحت شعار “التعاون الأمني” بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. ووصل هذا السباق التنافسي ذروته بهجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر والذي صمم كصدمة وترويع لإسرائيل بقدر ما كان يهدف لتشويه ونزع المصداقية عن فتح ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وتقوية موقع حماس باعتبارها الوارث الحقيقي للحركة الوطنية الفلسطينية وقضيتها التحررية.
وتسبب لجوء إسرائيل في مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر وإسقاطها عددا غير مسبوق من القنابل وصل إلى 30,000 قنبلة حتى منتصف كانون الأول/ديسمبر (أي ما يساوي قنبلتين نوويتين من الحجم الذي أطلق على هيروشيما) وفشل حتى الآن بسحق القدرة العسكرية التي أنشأتها حماس وسط سيل الدماء- بمقتل 25,000 فلسطيني وجرح 62,000 شخص وتشريد 1,9 مليون نسمة (نسبة 85% من سكان القطاع) بشكل تفوق على التطهير العرقي الذي رافق إنشاء إسرائيل عام 1948.
وقال الكاتب إن القضية الآن هي كيف ومتى ستنتهي الحرب، وهي قضية مغلفة بغيوم النوايا الإسرائيلية المبهمة والمناورات الدبلوماسية الأمريكية اليائسة الهادفة لتحقيق انتصار ما على حركة حماس ومنع انتشار حريق إقليمي، كما هو واضح من توسع الأعمال العدائية في مضيق باب المندب إلى إربيل. وعلى الولايات المتحدة التي تأمل باستخدام نفوذ اللحظة في تشكيل شرق أوسط جديد يعيش بسلام ووئام، ألا تتعامل مع النزاع الحالي القابل للانتشار ولكن مع الرأسمال السياسي الذي تحتاجه، وبخاصة في عام انتخابي، وحرف إسرائيل عن رفضها لتغيير موقفها من إبقاء الوضع الراهن كما هو، الاحتلال والاستيطان والهيمنة.
وفي هذه الأثناء تتراكم سيناريوهات “اليوم التالي” والتي تتراوح من الرؤية الطوباوية لمنطقة تسرع نحو السلام والاستقرار، والفضل في هذا يعود إلى الطريق غير المرئي لحل الدولتين الذي حلم به وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن، إلى الاتحاد الدولي/العربي الفنتازي الذي دعا إليه وزير الدفاع الإسرائيلي يواف غالانت لإدارة غزة بعد انتهاء الحرب ولرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فكرة الدولة الفلسطينية وأن الحرب مستمرة وربما حتى 2025.
ويشير الكاتب إلى غياب حماس في كل هذه السيناريوهات واحتمالات زيادة تأثيرها بسبب الضرر الضخم الذي تعرضت له الحركة وشعب قطاع غزة. فقد محيت تكتيكات حماس الوحشية في 7 تشرين الأول/أكتوبر من الوعي الفلسطيني بسبب الإبادية العشوائية والجماعية لحياة المدنيين الفلسطينيين والتواطؤ الأمريكي/الغربي بالدعم والتسليح والسماح باستمرار الهجوم بذريعة حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها وبدون تحديد موعد لنهاية الهجوم.
ويضيف الخالدي أن الهجوم الإسرائيلي الوحشي سيؤدي بدلا من سحق حماس إلى إعادة أسطرة مفهوم المقاومة وزرع بذور التكرارات المستقبلية التي قد تلهمها حماس بدون أن تتبع بالضرورة تاريخها وأيديولوجيتها وبنيتها التنظيمية.
ومع تهديد قادة إسرائيل لملاحقة قادة حماس خارج الحدود الوطنية، فهناك خطر محتمل هو تحويل حماس من حركة وطنية- دينية تركز على النزاع في أرض إسرائيل/فلسطين إلى حركة عالمية مستعدة لنقل الحرب لميادين كانت تحاول تجنبها.
وفيما يتعلق بإنشاء سلطة سياسية قابلة للحياة في قطاع غزة وإعادة تشكيل جسم التمثيل الفلسطيني القادر على اتخاذ قرارات تتعلق بالأفق السياسي المستقبلي مع إسرائيل أو إقامة حكم مشروع أو تشكيل البنية، فإن الموضوع الحقيقي هو عن كيفية دمج حماس والجماعات المرتبطة بـ “روح المقاومة” ضمن السلطة الوطنية الجديدة بدلا من سحقها أو استئصالها. ففي داخل السلطة هذه أو بالتعاون معها، ستكون حماس جزءا من الحل. وبالمقابل ستظل خارج هذه البنية مخربا وقطب جذب مضادا.
ويقول الكاتب إن نتنياهو وغيره من القادة الإسرائيليين قالوا إنهم سيفرضون نظام أمن إسرائيليا في المنظور المستقبلي القريب، أي تأكيد حالة الاحتلال الدائم له. ووضع كهذا لن يؤكد على استمرار شعلة حماس والمقاومة النابعة منها، بل سيؤكد على أن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” سيؤدي لحالة عدم الأمن الذي تزعم إسرائيل وحلفاؤها بأنهم يحاولون علاجها.
ولو تعلمنا شيئا خلال الـ 55 عاما من الاحتلال وهو أنه ليس الطريق الأكيد لسلام دائم. واقتضى من الولايات المتحدة وإسرائيل 35 عاما للتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية كما اقتضت سنوات للاعتراف بالمؤتمر الوطني الأفريقي والجيش الأيرلندي الحر كشركاء في الحل. ولا يستطيع من يشعرون بالتهديد ويشعرون بالحرص بشأن ما سيحدث بعد، الانتظار طويلا.