القدس-“القدس العربي”:
توقف باحث مقدسي أمام العدوان الأخير على المسجد الأقصى في احتفالات المستوطنين في ذكرى خراب الهيكل المزعوم، وقدم خمسة تطورات نوعية في عدوان الأمس (الخميس) على الأقصى، مشددا على ضرورة الوقف على التطورات النوعية، فيما رأي أن الإرادة الشعبية والرباط والاعتكاف في الأقصى كانت في حالة جزْرٍ مقارنة مع حالات مقاومة سابقة.
وبحسب الباحث المتخصص في شؤون القدس زياد ابحيص، فإن أول التطورات جاء على مستوى التحضير حيث حرصت جماعات الهيكل المتطرفة على تخفيض مستوى التحريض على منصاتها الإلكترونية العلنية إلى أقل حد ممكن، وكانت تعيد نشر الإعلانات ذاتها من دون إضافات حول التفاصيل، لتقليل إمكان استثمار تحريضها في التعبئة لصد الاقتحام بالمقابل، والواضح أن هذا التكيف يجري بالتشاور والتنسيق مع شرطة الاحتلال وأجهزته الأمنية.
أعلنت جماعات الهيكل عن مسيرة أعلام ليلية حول أبواب البلدة القديمة عشية الاقتحام، لمنح ذريعة لشرطة الاحتلال لإغلاق مداخل البلدة القديمة وقت صلاتي المغرب والعشاء، وضرب أي نواة اعتكاف في المسجد الأقصى، في استخلاصٍ للدروس من معركة الاعتكاف في رمضان، وفي تبادل واضح للأدوار مع أجهزة الاحتلال الأمنية.
وتابع أنه في الوقت عينه، أعلنت جماعات الهيكل عن مسيرة أعلام ليلية حول أبواب البلدة القديمة عشية الاقتحام، لكنها لم تحشد جمهورها لها بشكل حقيقي، ووظفتها عملياً كوسيلة لمنح ذريعة لشرطة الاحتلال لإغلاق مداخل البلدة القديمة وقت صلاتي المغرب والعشاء، وضرب أي نواة اعتكاف في المسجد الأقصى، في استخلاصٍ للدروس من معركة الاعتكاف في رمضان، وفي تبادل واضح للأدوار مع أجهزة الاحتلال الأمنية.
أما التطور الثاني بحسب ابحيص، فهو على مستوى تحقيق هدف الحشد حيث أشار إلى أنه ومنذ عام 2016 كرست جماعات الهيكل المتطرفة هدفاً سنوياً للحشد في هذا اليوم، وهو تحقيق رقمٍ قياسي للمقتحمين خلاله، وكان الرقم القياسي قد سُجل في نفس الذكرى التي جاءت في يوم 7 أغسطس/آب من عام 2022 وبلغ 2,200 مقتحم.
ورأي بحيص أن يوم أمس الخميس بلغ عدد المقتحمين 2,180، أي أن تلك الجماعات تمكنت من تكرار الرقم ذاته تقريباً رغم أنها كانت تعاني ضعف الحشد في جميع المناسبات السابقة هذا العام: في الفصح العبري نتيجة معركة الاعتكاف، وفي الذكرى العبرية لاحتلال القدس بفعل عمليات المقاومة المتصاعدة، لتستعيد بذلك زخماً كانت قد فقدت جزءاً منه بفعل المواجهة.
وفي التغير الثالث رأى ابحيص أن تغيير قواعد شرطة الاحتلال المنظمة للاقتحامات، إذ أشار إلى أنه لطالما كانت جماعات الهيكل تركز على مطلب زيادة عدد المقتحمين في الفوج الواحد، وتقليل الفوارق الزمنية بين الأفواج، بحيث تتمكن من استعراض حضورٍ يهودي أوسع في المسجد الأقصى في اللحظة الواحدة خلال استفرادها في المسجد في فترة الضحى، وقد جعلت مطلبها هذا على رأس المطالب في الرسالة التي وجهتها إلى المجرم إيتمار بن غفير عند توليه حقيبة الأمن القومي مطلع العام.
وتابع أن بن غفير حقق هذا المطلب الخميس، “إذ حرص على أن يقود بنفسه الاقتحامات صباحاً ليضمن تطبيق شرطة الاحتلال لتعليماته برفع عدد الفوج الواحد إلى 100 مقتحم، وتقليل الفترات بين الأفواج ما سمح بوجود 200 مقتحم على الأقل داخل الأقصى في اللحظة الواحدة، فوج في ختام الجولة وفوج في بدايتها، وهو عدد يقارب مجموع حراس المسجد وموظفيه ومرابطيه الذين تمكنوا من دخوله خلال فترة الضحى، وربما يزيد عليه”.
وأضاف: “كان عدد فوج المقتحمين الواحد 20 مقتحماً في عام 2006 مع فتح باب الاقتحامات الجماعية للأقصى، تطور تدريجياً ليصل إلى 50 في اقتحام 28 رمضان صيف عام 2019، وإلى 70 في الذكرى العبرية لاحتلال القدس في 29-5-2022، ليصل إلى 100 مقتحمٍ، ما يعني مضاعفة حجم أفواج المقتحمين على مدى ثلاثة سنوات فقط”.
وأشار إلى أنه في الوقت عينه رعَت شرطة الاحتلال أداء كامل الطقوس التوراتية، في حصيلة لمسار قضائي تحايلي استخدم المحاكم الصهيونية لتحويل المقتحمين الصهاينة من صفة “زائر” إلى صفة “مصلٍ” بنظر شرطة الاحتلال وأجهزته، فباتوا يقرؤون التوراة علناً، ويؤدون “السجود الملحمي” الجماعي علناً، ويؤدون الرقصات داخل الأقصى برعاية شرطة الاحتلال التي تكتفي بمطالبتهم بمتابعة المسير.
أما التغير الرابع، فتمثل في تجدد محاولة إدخال باب الأسباط إلى نطاق حركة المقتحمين، حيث شهد اقتحام العام الماضي في مثل هذه الذكرى يوم 7-8-2022 المحاولة الأولى لإدخال باب الأسباط شمال شرق المسجد الأقصى إلى نطاق حركة المقتحمين، في تحركٍ منسق بين جماعات الهيكل وشرطة الاحتلال لكسر تقوقع الحضور اليهودي في المسجد على بابي المغاربة والسلسلة في الزاوية الجنوبية الغربية للمسجد، وقد تكرر ذلك عدة مرات لاحقا.
وبحسب ابحيص، فقد تكررت تلك السابقة اليوم لتعزيزها ضمن تحرك منهجي ومنظم، لعل باب الأسباط وساحة الغزالي تتحول إلى ساحة حشد رديفة للمقتحمين الصهاينة مستقبلاً، إلى جانب جسر المغاربة.
أما خامس التحولات فيرتبط بتمديد فترة منع المسلمين من دخول الأقصى خلال الاقتحامات، والحديث للباحث ابحيص، إذ إن شرطة الاحتلال تعتمد ومنذ عام 2013 التشديد على الحركة على مداخل البلدة القديمة وأبواب الأقصى فجر يوم الاقتحام وحتى ما قبل صلاة الظهر، ما يقلل وصول المرابطين إلى الأقصى إلى أقل حد ممكن، واليوم أضيفت فترة الظهر إلى هذا التشديد؛ بحيث بقي كل من هو دون الـ60 عاماً من الرجال والنساء ممنوعاً من دخول الأقصى حتى صلاة العصر، في محاولة لتعزيز وقائع التقسيم الزماني المفروضة في الأقصى.
إلى جانب ذلك، اقتحمت شرطة الاحتلال قبة الصخرة التي تُفتح لصلاة النساء، وطردت المرابطات منها واعتدت على حراسها وصادرت مفاتيحها، في تفريغ جديد لما تبقى من دور للأوقاف الأردنية في المسجد، ولحرمان المرابطات من أي مصلى مسقوف يمكنهن اللجوء إليه خلال الاقتحام.
وبالمقابل من ذلك، يرى الباحث المقدسي أنه كانت الإرادة الشعبية والرباط والاعتكاف في الأقصى في حالة جزْرٍ اليوم، رغم أنها كانت قد تمكنت من فرض تراجعات نوعية على الاحتلال في معركة الاعتكاف في رمضان الماضي.
وشدد على أنه رغم أن بيئة المـقــاومة المحيطة بها في الضفة الغربية آخذة بالتطور وبفرض إرادتها على الأرض، في مخيم جنين ونور شمس وعسكر وعقبة جبر، وفي مواطن عديدة في الضفة الغربية، ما يجعلها مؤهلة للعودة بقوة في مواجـهة قريبة قادمة، وهو ما ينبغي توجيه الجهود إليه استعداداً لموسم العدوان القادم الذي يبدأ في 16 سبتمبر/أيلول ويمتد حتى 8 أكتوبر/تشرين الأول من العام الجاري.