مغفلا بديل السلام الذي يوفر علينا هذه النفقات ومعها الدماء والدموع
لقد كان من الممكن الشعور بالأسي علي قرار باراك كسر حاجز الصمت الذي انكفأ وراءه. أمس الاول حدّث المراسلين العسكريين الي أي مدي فوجئ بصورة سيئة مما اكتشفه في مجال التخزين ونظام القوات و طول النفس في الجيش الاسرائيلي، كما أسماه.
أما نحن فليس أمامنا الا ان نفاجأ من شعوره هذا بالمفاجأة، ذلك لأن كل من يهتم، ولو قليلا، بوضع الأمن القومي، عرف ويعرف مصدر الخلل واين يكمن. ليس هناك في هذه الدولة مواطن لم يتابع في السنوات الأخيرة بقلق التقليصات في الميزانية الأمنية، وان كان هذا حال المواطن العادي، فما هو حال المواطن باراك، الذي لم يتخلّ عن صولجان المارشال حتي ابان تحوله الي مواطن مدني. هو كان وبقي مستر أمن مُخيبا للآمال في النظر للوراء، وما زال واعدا في النظر الي الأمام. مستقبل باراك يكمن دائما في المستقبل الغامض، وليس في الماضي الواضح جدا.
كيف حدث أن هذا المارشال بالتحديد لم يعرف، وأنه لم يُبدِ الاهتمام، ولم يتم إطلاعه علي المستجدات؟ ربما كان هذا ما يحدث عندما يُركز الشخص اهتمامه علي منزله في الأعالي وينظر الي ما يحدث من الطابق العلوي، أو أن هذا ما يحدث عندما يقضي الشخص أوقاته في بلدان البحار ممتنعا عن الدخول في مياه البركة المحلية. لقد قمت بالاطلاع علي قائمة الفجوات كما طُرحت في هذا الاسبوع من قبل وزير الدفاع. قرأت وذُهلت. باراك لا يملك فقط عيونا متفحصة من خلال منظار غير مغلق، وانما توجد لديه عيون كبيرة: هو يريد جهازا دفاعيا فعالا ونشطا من ثلاث طبقات لاعتراض الصواريخ وهي في الهواء، ومن كافة الأنواع، وهو يريد زيادة نظام القوات وتشكيل فرق جديدة للمهمات المحدودة وتعزيز عدد الدبابات والمزيد من الاسلحة والتحصين والتدريبات، وهو يريد تطوير الذراع الاستراتيجية الطويلة المكوّنة ايضا من طائرات حديثة بعيدة التحليق. باختصار، باراك يريد ويريد ويريد، زيادة القوة العسكرية العظيمة.
كل من يعرف شيئا عن الميزانيات والتكاليف، سيُجري حساباته بسرعة وسيكتشف ان كل ما يوجد لدينا في الخزينة، وكل ما لا يوجد لدينا، لا يكفي لتلبية هذه الاحتياجات الهائلة. دولة اسرائيل ستضطر الي ارتهان تعليم اطفالها ورفاهية كهولها (بمن فيهم الناجون من الكارثة واللاجئون) وصحة أبنائها، نساء ورُضعا، اذا رغبت في ارضاء وزير الدفاع وتلبية طلباته واخراجه من الجدل مع نصف شهية، هذا من دون التطرق الي الشهية كلها.
هذه ليست معزوفة باراك الاجتماعية المعروفة: ها هي تهبط من السطح مثل عصافير مصابة بالطلقات، صوتها صامت، وقد تبدّل بمعزوفات جديدة. ايضا صوت العجوز المريضة في رواق المستشفي قد تلاشي: هي ماتت في غضون ذلك عندما هبط خط الفقر الثقيل علي سريرها مثل المطرقة. ليست هناك حياة طويلة تحت خط الفقر، والناس المرهقون وغير الأصحاء يجدون صعوبة خاصة في البقاء.
وزير الأمن المستعد للحرب القادمة، ما زال يتحدث بمصطلحات غير حديثة تنتمي للحروب السابقة. هو يتحدث عن انتصار واضح وقاطع وعن ردع وانذار وحسم. باراك لم يفهم بعد، أو أنه لم يحلل لنفسه، سبب عدم انتصارنا القاطع في حرب لبنان الاولي قبل عهد التقليصات، وان كنا قد انتصرنا فيها فلماذا هربنا من لبنان، ولماذا لم ننتصر في حرب لبنان الثانية رغم تفوقنا العسكري الحاسم، ولماذا لم ننتصر حتي في غزة التي تستمر في اطلاق صواريخها علينا، ولماذا لا ينتصر الامريكيون في العراق وافغانستان مثلما لم يفعلوا في فيتنام، ومثلما لم ينتصر الروس في افغانستان والشيشان. وعموما متي سجلت دولة في رصيدها حسما عسكريا واضحا في الآونة الأخيرة؟ هل سنتوصل رغم أنوفنا الي الاستنتاج بأن باراك هو شخص من الزمن الغابر؟.
لدي اقتراح قد يقلل من النفقات الضخمة المطلوبة: ربما يجدر التخلي عن التصريحات الصارخة وبذل الجهود الجدية بدلا منها للتفاوض مع سورية، وربما يمكن رغم ذلك التوصل الي السلام معها، وسلاما علينا وعلي كل المنطقة. وعندها سيكون بامكاننا ان نوفر الكثير من المال، مئات المليارات، وايضا الكثير من الدم والدموع.
يوسي سريدنائب سابق(هآرتس) 23/8/2007