حسين مجدوبي مدريد ـ ‘القدس العربي’: تنهج القوات الفرنسية استراتيجية الضغط المتواصل على مقاتلي الجماعات الدائرة في فلك تنظيم القاعدة لمنعها من الاستقرار في مخابئها في شمال مالي، ويتساءل المراقبون عن غياب أي مواجهة عسكرية.
في الوقت ذاته، تستمر باريس في بناء خطابها السياسي في هذه الأزمة لتزيل عنه الأحكام المسبقة بالكولونيالية، بينما تشهد مدن مالي ملاحقة لكل ما هو عربي وأنصار القاعدة.
وتبرز وزارة الدفاع في باريس أمس استئناف القصف الجوي ضد معاقل تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وحركات أخرى في أقصى شمال مالي في مدن مثل كالي لعدم فسح المجال للمسلحين بإقامة قواعد تمركز. ويحدث القصف الجوي منذ السبت الماضي وبدأ يخلف هروب المسلحين. والمثير أن المسلحين انسحبوا من جميع المدن والبلدات التي كانوا يتواجدون بها دون مواجهة عسكرية مع الفرنسيين.
وبدأت باريس تعمل على صياغة خطابها السياسي في هذه الأزمة بعد زيارة الرئيس فرانسوا هولند الى باماكو وتمبكتو يوم السبت الماضي، حيث تنقل مختلف الصحف الفرنسية ومن ضمنها افتتاحية ‘لوموند’ أن باريس ليست لديها اي عقدة من التاريخ الاستعماري وأن التدخل الحالي هو تدخل بإجماع المنتظم الدولي لضمان وحدة بلد من مسلحين لا يعرفون الأعراف الدولية. وترافق باريس هذا الخطاب بقرارات من ضمنها الانسحاب من المدن وترك قوات الاتحاد الاقتصادي لإفريقيا الغربية تتولى المهام الأمنية، وفق تصريحات وزير الخارجية لوران فابيوس أمس الاثنين للصحافة المحلية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام فرنسا هو كيفية بناء الجيش المالي الذي نخره الفساد بشكل خطير للغاية حتى يتمكن مستقبلا من مواجهة الأخطار. وتبرز جريدة ‘لوموند’ أن القوات المالية لم يعد لها وجود تقريبا خلال الشهور الماضية، فهي تتوفر على طائرتي ميغ قديمتين جدا وليس أكثر من خمس طائرات مروحية أوكرانية الصنع تعود الى سنوات طويلة. وضعف سلاح الجو المالي هو الذي يفسر تقدم القاعدة بسهولة حلال ديسمبر وبداية يناير الماضيين نحو بعض المدن.
وتؤكد المصادر العسكرية الفرنسية أن قوات إفريقيا الغربية ستحتاج لدعم فرنسي وخاصة الطيران لملاحقة أعضاء القاعدة في المغرب الإسلامي خلال الشهور المقبلة، وهو ما يؤكد استمرار الفرنسيين في شمال مالي لمدة طويلة.
ومن ضمن الجوانب الأخرى التي لم يلقى عليها الضوء في هذه الأزمة هو أن سكان شمال مالي، وفق صحافة هذا البلد الإفريقي، بدأوا يلاحقون أعضاء القاعدة وكل من اشتبه فيه بأنه عربي، إذ هناك سخط كبير على ممارسات الماضي من إقامة الحد مثل قطع الأيدي والجلد علاوة على عقوبات أخرى.
ويعتبر سكان شمال البلاد أن كل عربي في المنطقة هو من عناصر القاعدة.
والمثير أن موقف الرأي العام لمواطني مالي يبقى الغائب الأكبر في هذه الأزمة، ومن خلال قراءة الصحف الصادرة في مالي، يتبين مدى الارتياح الحاصل لنجاح القوات المالية والفرنسية من طرد مقاتلين قدموا من شمال إفريقيا إقامة إمارة إسلامية في مالي.
ويكتب سليمان درابو في جريدة ‘إيسور’ الصادرة في باماكو افتتاحية يرحب فيها بالفرنسيين الذين طردوا قوات القاعدة من البلاد ويتساءل كيف سمح المقاتلون لأنفسهم القدوم من مناطق بعيدة لغزو مالي.