باريس ربيع 2012

حجم الخط
0

منصف الوهايبي(إلى الشاعر التونسي عمّار منصور.. ليس هذا رثاء) نحن في تونسَ الآنَ نخرجُ من قفصٍ كان فينا(تُرى نحن نخرجُ منهُ؟) إلى قفصٍ نحن نُحشر فيه.

سأغلق بابي عليّ.. أنا الآن عينان شاخصتان إلى الأفْق.. لوْ.. كنتُ صوّبتُ نحو السماء حجارةَ مقلاعيَ الطفلِ.. كنتُ رميتك أنت به.. أبدا لن أصيبك.. أعرف أنّك لست هناك وأنّك لم تكُ قطّ فتسمعَني***ذكرياتي الأخيرة شيء من الرمل والتمر.. بعض دم يتيبّسُ في السجن.. أذكرهم واحدا واحدا:

محمد بن جنات.. أحمد بن عثمان.. نورالدين بن خذر… حلمنا كان يا صاحبي أن نرى زرقة لا سماءْ (لا أحبّ السماء التي ليس تصغي لغير الغيوم)طيورا وقد نزعت ريشها وهي تنزو وتتبع أقوسها في الهواءْغابةً تتعايش أشجارها.. ربّما تتصايح في صمتهاوالصدى ضوء هذا النهارْ***ليس هذا وقوفا على طللٍ.. أنا أعرف من زمن أنّ ثمّة ضحكةَ سيّدة في’قفا نبك’.. ضحكة ‘أمّ الحويرث’.. يسمعها العاشقونْضحكةً كشميم العرارْ***ربّما هم يعودون ليلا إلى البيتِلا أحدٌ يفتح الباب للميّتينْنحن نسمع أنفاسهم إذ يطوفون حتى الهزيع الأخير من الليلِثمّ ينامون مثل الأجنّة في نومناأتُرى نحن نحلمُ في حلمهمْ أم همُ الحالمونْ؟***الأساطير موجودة أبدا.. وسُدًى أنت تبحث عنها.. سُدًىتعرفُ الكلماتُ التي نحن نكتبُ، عنّا الذي ليس نعرفه نحن كتّابَها الذاهِلِينْ***أصدقاءٌ كثيرون لي.. لست أعرفهمحصانُ أبي الطيب المتنبّي يطوّح في شِعب بوّانَ.. أوهو يجتسُّ عبر الثلوج التي لبستْ ذات فجر عليه مسالك لبنانَ.. تلك الثلوج التي وهي تبيضّ.. تسودُّذئب الحطيئة يعوي على حجرويمدّ لسانا من النار ليحيّة الشنفرى أصدقاءٌ كثيرون.. ليهمْ معي.. وأنا كنت أبحث عنهم سُدًى.. كلّ هذي السنينْ***حجرٌ باردٌ ثمّ قطّ صغير بعمر الحليب.. نظيف ككلّ القططْأتى يتعثّرُ حذوي.. هنا في حديقة بيتيأتى ليموت ربّما ليشهّد كالمسلمين.. فقطْ***قلتَ:

كن يقظا.. قد يجيئون.. سوف أنامْقليلا.. ولا تنس أن تشعل الضوء لحظة يأخذني النومُ.. لكنّني نمتُلم أدرِ كيف.. ولم أشعل الضوءَ.. قلتُ لعلّك لمّا تزل يقظاربّما أنت تستيقظ الآن.. تسأل عنّي.. وتسأل أين أنا؟ ولماذا إذنْ كلّ هذا الظلام؟***وأنا سأقول لماذا إذنْ كلّ هذا الشجنْ؟

ألأنّي التقيتُ بأكثرَ من ‘منصفٍ’ فيّ هذا المساءْ؟

ليكنسأسمّي إذن موتنا زمنا في الزمنْ***كنتَ أوّل من يفتح الباب للأصدقاءكنت آخر من يغلق البابَ.. تذكرُ؟ أغلقته مرّة.. ثملا.. ونسيناك خارجه.. وحين أفقنا افتقدناك.. كنت تنامُ على العتبهْ***كان حلمك أبيض.. أسود.. مثلي.. ولا شيءَ.. أسمع صوت الرفاق البعيدين:

سوف نحلّ مشاكلهم كلّها غير أنّ الفراغ الذي سنعانيه بعد العملْمشكل الكادحين الذي لا يُحلْ.. ليكنسنعلّمهم متعة الرسم والعزف والصيد.. بل سنلقّنهم حقّهم في الكسلْ***يخرج التونسيّون والتونسيّات منّا صباحَ مساءطوابير عند مخابز مغلقة مثل أقفاصهم.. يقفونْ***هذه الأرض وهي تدور بنا وبهمْكيف لم يتفطّن إلى كرويّتها المسلمونْكلّ رأس هنا كرةٌ تتقاذفها منذ موت النبيّ الأساطيرُ والكلمات***نحن نطرق أبواب أقفاصهم منذ وقت بعيد.. ولم يفتحوا كان لابدّ أن يفتحوا هي تُفتح من داخلٍ.. مثل كلّ السجونْ***أتذكّرُ بارا قديما أواخر 69 يفضي بنا سلّم حجريّ إليه.. أتذكُرُهُ؟

عند قارعة المتوسّط.. إذ كانت المنحةُ الجامعيّة تكفي أواخر كلّ ثلاثيّة.. لنؤمّ الضواحي.. أتَذكُرُهُ؟ معتم أبداغير مائدة بانتظارك.. حيث الظلال معتّقة كالنبيذ.. به.. هي نفس الظلال.. ومن كوّة.. أتذكّرُ.. في سقفه الخشبيّ المشقّق.. تدخل شمس.. وتشعل ظلا هنا أو هنالك…. وهي تضيء أصابعنا.. والنبيذ الذي كان يحمضُّ.. يخضرّ أحمرهُ.. ويطيبُ لنا.. ثمّ تسحب ظلا وتمضي.. كذا مهنة الشمس منذ الأبدْ.. وفي الليل حيث يشفّ الهواء ويخضرُّ.. أخضر كان الهواءْيحمل الماءُ رائحة العشب والملح.. يحمل رائحة من بنفسج عطر الإيود لنانتنفّس بحرا بأكمله.. ثمّ تأتي الزهورُ تضيء لنا عتْمة المائدهْ***لأقلْ لون ما حولنا لم يزلمثل هذي الجرار التي دون لون.. أتذكرهاوهي تجلس هانئة في رذاذ المطر؟

ْ***جسد كان يسبقني.. جسديوأنا’أمُّ’هذا الجسدْكنت أحنو عليه كما الأمّ تحنو ولم أكُ أدركهُوهو لا يتلفت نحوي ولا للوراء***لا تفكّر إذن في الشتاءثمّ برد قديم.. صدًى من صدًى يتردّد فينا وينغل في العظم منّا.. وقد يتسرّب في برد هذي القصيدهْإذن سمّه برد روحك إن شئت.. أو سمّه ما تشاء وأنت تقفّي.. إذن سمّه البرحاءْ***لنلذْ دونما ندم بخسارتناولتكن ضحكات الصبيّ الذي يتكلّم فينا إذنملح أدمعنا***الغصون التي قطعوها عظام الشجر*** نحن نكبر وسْط النباتاتأجسادنا مثلها.. غير أنّ النباتْ لا يبوح بأسراره أبدا.. لا يعلّمنا كيف نخضرّ عبر الفصول وكيف يكون لنا جلده***لأقلْ مثلما قلت لي مرّة:

ليس ثمّة عمْر طويلليس ثمّة عمر قصير كثيرون عاشوا طويلا ولكنّهم لم يعيشوا كثيرون عاشوا قليلاوكالريح يستوطنون الأبدْ***كلّ ما يفعل الموت:

يفصلنا عن ظلال لناولا شيء غير رفيف الغياب***يتنابحُ كلبان أبعد.. من بيت صاحبنا ‘برونو دوساي’ هنا في19eme Arrondiement في شارع كريماي حيث أسهر وجها لوجه.. وأبعدَ في الطين والرمل تخفق ريح.. أطلّ على الليل من غرفتيوكأنّي أرى نجمة تتهيّأ للانصراف.. أنا الآن في البيت وحديَ إذن ما الذي أنت تنتظر الآن؟ مني أنا؟ نجمة من نجوم ثواقب تسقط في برد عشب الحديقهْ؟***لكأنّ الفراش النهاريّ يأتي بألوانه القزحيّةِ.. نتبعه.. هو ذا النهر.. يمضي به’السين’.. أشعر أنّي أجنّح.. هل صار لي بعض ريش وبعض شراع؟***نحن نأتي بلا كلمات ونمضي بلا كلمات ولا أحدٌ سوف يأتي ليقتادنا نحو باب الخروج وقد وهن العظم واشتعل الرأس أبيض.. لكنّ تونس خضراء هذا الربيع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية