باريس نكهة بونبون ومعاطف مبلولة
عناية جابرباريس نكهة بونبون ومعاطف مبلولةليست باريس اجمل المدن، غير ان دقائق انقضت علي حلولي فيها لأعود واعرف مجددا انها خلقت لاجلي، الغرفة في بونابرت في السان جرمان، غرفتي. الطرقات طرقاتي، وهذه العذوبة. دقائق فحسب وها انا في جلدي، ودار عتب متبادل بيني وبين باريس، وكنت غضبي منها وساعدني جسدي الحار علي مسامحتها، بل ومعاودة الوقوع في غرامها، وكان هذا محبوسا فيّ لا أطلقه، ذلك انها جرحتني يوما.رحت ابذل الافكار مشرقة لاجل باريس. افكار شرقية ساخنة. افكار نهارية وافكار ليلية. عشرة ايام تحت هذه السماء الفرنسية، ويدي لا تستطيع كبح هذا السيل غير المتوقف من الرمادي. الشوارع التي محض توقع، اعشاش الطيور علي الاسطح ومذاقات خاصة لبرد خفيف وبرد قارس. الشجر الذي ليس كذلك! ليس شجرا بل انسا كبيرا مورقا، التلصص علي الحيوات الفرنسية القليلة الجارية في البيوت، عيناي اللتان تعبران عبورا سريعا محتضنتين كل شيء. نكهة بونبون مواعيد وقبعات ومعاطف مبلولة، حتي المستعجلون لديهم دائما ما يقولونه لأجلي.كنت متعبة لكن مثارة، يثيرني العناق الخاطف والقبل، ويثيرني ان انظر هكذا الي البعيد، فلا اري احدا اعرفه، ان اسحب النفس بقبضة يدي من قعر صدري وانثره بنزق علي الغوي الباريسي، ان تكون كاميرا قلبي تلتقط الفراغ والشغور، وافرح لانصراف الالوان العتيقة التي حلولها الطويل في عيني، اضجرني. أري الي الوان من دون اسماء. الوان غريبة جارحة، ولا علامة من علامات الرفق فيها، ولا التودد.لست خائفة، الآن الثالثة ليلا، وحيدة ولست خائفة. وقلت انني مكثت في الجحيم كثيرا جدا وانني الآن احيا. رموشي فرحة، وتوميء الي مسارات مجهولة، تضرب راعشة علي الهواء الجديد.تميل نحوي باريس، بجسمها الطويل وبولفاراتها، بنداءاتها المختلطة وحين انتبه الي كم تعصرني اصرخ من اللذة. رتبت ملابسي في الخزانة كأني اقيم ابدا. رتبت ملابسي بالرجفة القديمة التي ارتب فيها ملابسي وحيدة. كان يمكنني من خلال النافذة ان اري منظرا جانبيا لبولفار السان جرمان حتي محطة المترو. هذا لجهة اليمين، اما لجهة اليسار من النافذة عينها، فأري البوتيكات الأنيقة حتي مشارف السان ميشال، وفي الاتجاهين المارة. الكثير منهم، غير المرتابين وينقلون معهم الحياة الطبيعية التي تلازمهم. كان علي في اقامتي القصيرة لهذه المرة، تعلم الكثير والحفاظ علي المسافة الثابتة التي تفصلني عن البعض. تهيئة نفسي، اجل، شراييني كلها، واولا التخلص من هذه الحقيبة الفارغة واخفاؤها في مكان ما.في باريس ارخي حالي علي شغف اناله في انفلات عقال السماء واندلاق خزان مياهها العظيم، سواء امطرت ام لم تفعل، انني مغسولة تماما، نضرة وخطرة. تدثرت بمعطفي الازرق وراح حذائي يخبط علي مربعات الشارع الحجرية كأن لأوازي ضجته بضوضاء قلبي. لا بد ان في عدم الرفقة ـ كحالي الآن ـ قدرا ثابتا يحميني من الاغواء، ويسلمني الي نفسي خيط الهواء الذي يلفني لفا رقيقا. انا وذاتي، وتمتد من صدري موسيقي صامتة، مستقيمة ومتكبرة. اتحسب انني اضيّعك في باريس. هذه الايام المجنونة تقربك اكثر! النقاء، الحقيقة، اللطف، الحب. انه الحاضر الخفيف في باريس وتتلقي شوارعها وجودي الصغير، تحمله من دون ثقل وتدله علي كمائن الطرق، وبمعجزة صغيرة.. ينجو. انه صبر اقدامي الصغيرة والتدله المخادع بالسفر والمشي.في الليل لا تفعل الكؤوس شيئا. ابيض، احمر، وردي.. لا شيء تفعله الكؤوس في الليل. لا دوخة بسيطة ولا متوسطة. فقط الكؤوس تذكرني بالبدايات. اقصد منذ باريس لمرة اولي حيث اقيس الجمال الآن بدءا بتلك البداية، خدعني احيانا ناس باريس حين حسبتهم امتدادا لجمالها. كنت غلطانة.. لا بأس. لم تعد تفعل الكؤوس شيئا. لا في مقهي فلور ولا في دي ماغو . لا في الايتوال ولا في اللينوا . معرفتي بخريطة شوارعها ليست ممتازة، سوي بضعة فنادق نزلت بها، الشوارع التي تحيطها، تم بيتي اخيرا وبضع حدائق وكنائس.في سان جاك اشرفت علي نهر السين، الجهة المقابلة تربعت عليها كاتدرائية نوتردام الهائلة. اضأت شمعة كما يجدر بقلبي ان يفعل وتمتمت بضع كلمات طيبات عن امور بدت لي مبهمة تماما. في بهو الكاتدرائية رأيت الي نوتردام خشبية، ومتحف لوفر شمعي، ومسلة فرعونية، ومجسد صغير لمتحف بومبيدو، ومسرح اوديون خشبي صغير. وقفت احدق في المجسمات المصغرة وورائي المدينة الحقيقية تواصل حياتها من دون اكتراث، هكذا انا ارتمي في منمنمات الروح غير سائلة عن حضن العالم الخشبي. تساءلت مع ذلك، وكان الرسام الشاب ماضياً في رسم وجهي علي لوحته، عما اذا كان من أمر حسي علي نحو مميز، في التجوال في باريس، ومخالطة فتنتها.0