في تكملتنا لسيرة فهمي جدعان الصادرة عن دار الأهلية، نقف عند لحظة سفره إلى باريس لإكمال الدراسات العليا في جامعة السوربون. إذ يذكر أنه قبل رحيله زوده أستاذه بديع الكسم برسالة لأحد الأساتذة الفرنسيين، وعند وصوله اقترح عليه هذا المشرف أن يتصل بروبير برنشفيك، ليكون مشرفا على أطروحته الفرعية والمتعلقة بعلم الكلام.. في ذلك اليوم، حظي جدعان باستقبال جيد، وعندما همّ بالمغادرة، كان أستاذه يستقبل طالبا آخر، يدعى جيل دولوز، الذي كان يعد أطروحة بعنوان «الاختلاف والتكرار».
في هذه الفترة، عكف جدعان على الدراسة، والتعرف قليلا على الثقافة الفرنسية، من مسرح وأفلام وموسيقى، وعلى حضور محاضرات كبار أساتذة الفلسفة والتاريخ من أمثال هنري غوييه وبول ريكور وهنري كوربان وكلود كاهن. أما على صعيد الطلاب العرب، فقد جمعته الصدف بعدد منهم من أمثال حسن الترابي، الذي درس ماجستير في القانون في جامعة لندن، وجاء إلى باريس ليلتحق ببرنامج الدكتوراه في جامعة باريس «كان لطيفا، كيسا، دمثا، وسيما، عذب الحديث، إنسانيا.. ذا شخصية كاريزماتية».. بيد أنّ ثراء هذه الفترة سرعان ما اصطدم بواقع عدم إمكانية توفير تكاليف العام الدراسي الثاني، وأيضا انتهاء وثيقته السورية، وخوفه من الاعتقال في حال عاد لتجديدها.. ولذلك بدا له أنّ كل شيء قد يضيع. مضى أسبوع وهو في حيرة من أمره، قبل أن يزوره مرسال القدر الطيب من جديد، إذ وصلته في هذه الأثناء، كما يذكر، رسالة من عميد كلية الآداب في جامعة جديدة اسمها (الجامعة الأردنية) في مدينة عمان، «كان هذا العميد مؤرخ الأدب الجاهلي المشهور، صاحب كتاب مصادر الشعر الجاهلي، ناصر الدين الأسدي» وبعد تردد وحيرة، سارع إلى السفارة الأردنية ليصل عمان عام 1963/1964.. في هذه التجربة سيتعرف فهمي على مدينة عمان، وكذلك على عدد من الأساتذة من أمثال ألبرت بطرس وهاشم ياغي ومحمود السمرة، وبعد مكوثه لفترة، استدعاه الأسدي وعرض عليه فكرة الحصول على الجنسية الأردنية، ليتم إيفاده من جديد إلى السوربون، وهنا يقول جدعان «فكرت وفكرت وفكرت، وإذا ذهبت إلى دمشق لتجديدها( وثيقته الفلسطينية) هناك قد تنتظرني مفاجآت غير سارة.. ولذلك أدركت فجأة أنني قبالة حالة (ضرورة قصوى).. كما أنّ الهوية العربية تظل هي مشتركي العميق مع المواطنين الجدد الذين سأصبح واحدا منهم».
مع اكتسابه لقب المواطن الأردني، تمكن من العودة للسوربون، وربما الأهم من ذلك، لشوراع باريس.. إذ سيبدي هذه المرة شغفا كبيرا بقيم باريس، ومما يأتي على ذكره هنا، أنّ هذا الانفتاح لم يوازه بالمقابل انفتاح على الجنس اللطيف، وأنه بقي ملتزما في هذا الجانب، حتى أنه يذكر قصة عن إحدى جاراته التي رافقها إلى إحدى المدن الفرنسية، وفي الليل فضّلَ المبيت على كنبة، بينما بقيت هي تبكي طوال الليل لهذا الإهمال. وهو التزام لا يرده إلى موقف ديني بالضرورة، بل ربما إلى تقاليد ترفض علاقات الحب، خارج إطار الزواج، وربما هو الخوف الذي بقي يرافق جدعان منذ طفولته. لكن الأجمل في هذه الفترة، هي التفاصيل التي يذكرها عن لقائه وعلاقته بعبد الرحمن بدوي، الذي شاهده للمرة الأولى عندما كان طالبا في جامعة دمشق. كان بدوي، كما يقولُ جدعان، يأتي على ذكر بعض المشتغلين في الفلسفة والاستشراق، ولا يكفّ عن توجيه النقد اللاذع هنا وهناك، وربما من الأمور الطريفة التي يذكرها عنه، أنه كان حريصا على المال، ولذلك فقد تفاجأ جدعان في أحد اللقاءات، وبعد احتسائهم لأكثر من مشروب، أنّ بدوي أخرج قلما من جيبه، وراح يسجّل على فاتورة المقهى الأرقام، ليقول له عليك أن تدفع لي ثمن ما شربته، ورغم أنّ البخل قد لا يكون من الشيم الطيبة في الرجال، ومنفرا في الغالب، لكن هذه الحادثة لم تقلل من مكانته في مخيلته، كما يؤكد أنه لم يحاول في يوم ما الاصطدام به، أو محاولة مجادلته، ولذلك بقي يحظى بمكانة لديه، ولذلك يختتم حكايته معه بالقول: «بدوي شخصية فذة، ظريفة، غريبة، ساخرة ، عنيفة في ازدراء الآخرين، لا يكف عن النقد، ويبغض جمال عبد الناصر بغضا لا حدود له».

مع قرب نهاية سنوات الدكتوراه، حاول جدعان التعرف أكثر على المجتمع الفرنسي، وبالأخص مجتمع الأرياف، ويذكر أنه عاش في منازل بعضهم، وأنّ الفرنسيين آنذاك لم يكونوا بهذا التعصب تجاه الغريب مقارنة بأيامنا هذه. أحلك أيامه في فرنسا، ستكون مع هزيمة يونيو/حزيران عام 1967 «هجرت العناية بكل شيء.. هندامي وشكلي» أدرك يومها أنّ المشروع القومي العربي أصيب في الصميم، لكن ما يلفت النظر ربما في هذه اللحظة، أنّ إجابة جدعان عن الهزيمة ستأتي مخالفة بعض الشيء لبعض الأصوات العقلانية العربية آنذاك، كما في مثال الفيلسوف السوري صادق جلال العظم، الذي وجد أنّ الهزيمة ناجمة عن العقل الديني الإسلامي، الذي بقي يؤمن بالأساطير والتقاليد، بينما وجد جدعان أنّ كلام العظم مستفز للغاية، وأنّ الهزيمة ناجمة عن الحكم العسكري، الذي أغلق الطريق أمام حكم «النظام المدني، النزيه، الحكيم».
العودة إلى الأردن
مع هذه الهزيمة، وصلت رسالة لجدعان من عميد كلية الآداب في الجامعة الأردنية عبد الكريم غرايبة، تطالبه بالعودة وانقطاع تمويل الدراسة بسبب ما حدث.. وقد استأنف العمل معيدا في قسم الفلسفة وعلم الاجتماع، مع عدد من الأساتذة مثل سري ناصر (كان ذا إعداد علمي في علم الاجتماع على الطريقة الأمريكية). مما يذكره أيضا أنه في الفترة الأولى أخذ يتعامل بشيء من الاستعلاء، وهذا ما انعكس أحيانا على علاقته بزملائه، وأنه جاور زميلين مرموقين الأول المصري زكريا إبراهيم، والثاني هو صادق جلال العظم، «والحقيقة أنّ قدوم العظم إلى الجامعة الأردنية كان يمثل حدثا، الماركسي، الليبرالي.. تم استقباله في الجامعة الأردنية، الجامعة المحافظة، في فترة دقيقة من حياة الأردن». لكن العظم لم يمكث طويلا، إذ شكّل ظاهرة بدا أن لها تأثيرا قويا على قطاع واسع من الطلبة، فقد كان صادق «كاريزماتيا بامتياز، طبيعيا، متواضعا.. قريبا من قلوب قطاع واسع من الطلبة، خاصة الصبايا اللواتي كن يتحلّقن حوله معجبات مفتونات ويترددن على مكتبه باستمرار».
يمكن القول إن سيرة جدعان الأكاديمية هي «سيرة القلق» بامتياز، ولا ندري إن كانت هي الظروف، أم شخصية جدعان الحائرة أحيانا جراء طفولته القاسية، أم هي النوايا الطيبة، وأحيانا حساسيته الزائدة، أم هو واقع قسم كبير من الأكاديميين والمثقفين العرب، في ظل عمل مؤسساتي مضطرب وبائس.
مع فترة السبعينيات، كان جدعان قد قرّر التعديل قليلا من مساره العلمي، الذي كان يركز على نشر أبحاث بالفرنسية، إذ أخذ يبدي اهتماما أوسع بالفكر العربي الحديث وبالأوضاع الفكرية والثقافية العربية، وبالنشر باللغة العربية ليضع كتابين أساسيين الأول بعنوان «أسس التقدم» والثاني بعنوان «المحنة» ويؤكد هنا، أنّ هذين الكتابين «يرتبطان ارتباطا وثيقا بوقائع يونيو والمد الإسلامي» وأنّ كل كتاب منهما استغرق خمس سنين كاملة، مع ذلك، ومنذ عام 1990 «حولت بصري عن القرون الماضية ودفعتني دفعا لا راد له على طريق المستقبل». وربما لم يكن جدعان المؤلف الوحيد آنذاك الذي انشغل بقراءة التراث والفكر الإصلاحي، وإنما كثيرون كانوا قد عملوا في الاتجاه ذاته، مثل الطيب تيزيني وحسين مروة، أو مشروع محمد عبد الجابري، الذي يأتي جدعان على ذكره عاتبا كونه غرف من كتابه «المحنة» دون أن يأتي على ذكر ذلك في كتاب «المثقفون في الحضارة العربية».
لكنه لا يبين لنا هنا أسباب هذا الانكباب من قبل جيله على تفسير الواقع من خلال بوابة التراث، وهل كان نابعا من موقف فلسفي، يعتقد مثلا أنّ الأزمة تكمن في النصوص المؤسّسة، وأنّ لا بديل عن إصلاح ديني مواز للإصلاح الديني الأوروبي؟ أم أنه ناجم عن عدم الاكتراث كثيرا، بمقاربات العلوم الاجتماعية والتاريخ اليومي، إذا ما قارناها بجيل الباحثين الغربيين في فترتهم، ريتشارد ميتشل وروجر أوين، اللذين بدوا أكثر قربا من يوميات وتفاصيل العالم العربي آنذاك؟ أم أنه نبع عن محاولة للتخلص والهرب من رقابة الأجهزة الأمنية، عبر محاكمة ونقد أبطال التاريخ، وهو تخوّف يبدو أنّ جدعان بقي يحتسب منه، ولذلك عاتب محمد الرميحي بعد حرب الخليج الثانية، عندما نقل على لسانه تفسيرات حول موقف الملك حسين من صدام حسين وغزوه العراق.
الجامعات الأردنية… ذاكرة العتب
في هذه الفترة أيضا، وعلى صعيد العمل في الجامعات الأردنية، يوحي لنا كلام جدعان بشيء من الخذلان والعتب، وهو يتذكر تلك الأيام، والطريقة السلبية التي قوبل بها من قبل عدد من الإداريين والأكاديميين، وحالات العتب وسوء النية والنميمة التي قوبل بها أحيانا، وأيضا عدم تمكن بعض المشاريع الأخرى التي عمل فيها من المضي قدما، وربما إخفاقها كما في مشروع تأسيس مركز الدراسات الإسلامية في جامعة اليرموك، الذي جعله يشبه نفسه بمحمد أركون «الذي اعتاد طرح أفكار جديدة، لكنه لم يتابعها، وإنما كان يترك للآخرين مهمة المتابعة، فلا يكترث أحد بذلك» وربما هذا ما دعاه في فترة الثمانينيات إلى القبول بالتدريس في قسم الفلسفة في جامعة الكويت، إذ كان هذا البلد آنذاك قد تحول إلى قبلة للمثقفين العرب، ولأهم المجلات العربية مثل مجلة «العربي» و«عالم المعرفة» وكانت جامعاته تضم خيرة الأساتذة الكويتيين والعرب من أمثال خلدون حسن النقيب وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وعبد الغفار المكاوي، وقد شعر في هذه الفترة بالاستقرار الأكاديمي، والمادي كذلك، لكن حدوث «يوم القيامة» في الكويت سيحول دون إكمال ذلك. ففي غضون الساعة الثانية والنصف ليلا من الثاني من أغسطس/آب 1990 غزت القوات العراقية الكويت، يومها كان يتواجد في الأردن، ولذلك رفض العودة للتدريس هناك، إلا أن هذا القرار لم يكن بالأمر السهل، خاصة أنّ الجامعات الأردنية رفضت إعادته لعمله، بسبب دور بعض الأصدقاء السلبي، مثل موقف محمود السمرة الأكاديمي الأردني المعروف، كما أنّ وضعه المالي بدأ يتأزم، لدرجة لا مثيل لها بسبب أنّ كل مدخراته المالية بقيت حبيسة في بنك الكويت، وفي أحد الأيام، وبينما هو محتار أين يذهب، رن جرس هاتفه وإذا بالأستاذ الفرنسي أندريه ميكيل يسأل عنه وعن أحواله، اعتقد حينها أنّ المكالمة لم تكن سوى شكل من أشكال المجاملة، لكن بعد أسبوعين من ذلك وصلته رسالة من سكرتيرة مدير (الكوليج دي فرانس) تعلمه بها أنّ الأستاذ اندريه ميكل، مدير الكوليج، يدعوه ليكون أستاذا زائرا في هذا المكان، لكن جدعان القلق والحائر لن يمكث طويلا في هذا المكان، وربما لأن الدعوة كانت قصيرة، سيعود بعدها إلى جامعة البتراء، ولاحقا إلى سلطنة عمان، قبل أن يعيده القلق أو الحظ التعيس مرة أخرى لعمان ليتعرض لمكيدة جامعية أخرى، على يد ممول إحدى الجامعات ما جعله غير قادر على البقاء، ففضّل السفر إلى الكويت مرة أخرى ، ومن ثم الخوض في مشاريع جديدة (مثل مشروع مؤمنون بلا حدود) قبل أن يعدل عنه، ويسير بمشروع التدريس في معهد الدوحة.
في النهاية، يمكن القول إن سيرة جدعان الأكاديمية هي «سيرة القلق» بامتياز، ولا ندري إن كانت هي الظروف، أم شخصية جدعان الحائرة أحيانا جراء طفولته القاسية، أم هي النوايا الطيبة، وأحيانا حساسيته الزائدة، أم هو واقع قسم كبير من الأكاديميين والمثقفين العرب، في ظل عمل مؤسساتي مضطرب وبائس. وبغضّ النظر عن أسبابها، تبقى سيرة جدعان واحدة من السير الغنية في عالمنا البحثي والأكاديمي العربي.
٭ كاتب سوري