بار ليالينا: التفاعل النصّي السينمائي في خدمة السرد

رواية بار ليالينا الصادرة عن دار الشروق في القاهرة لأحمد الفخراني، التي دخلت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية لعام 2023، رواية تحمل سردا كثيفا بإيقاعٍ سينمائيٍ غني بالتفاعلات النصية، في 152 صفحة.
تحكي الرواية قصّة نوح الرحيمي الذي يعمل محاسبا في شركة أدوية، ليؤمّن احتياجاته المعيشية، وإلى جانب هذه الوظيفة هو كومبارس مفتون بالسينما، أحبَّ أفلام بروس لي وأميتاب باتشان، وكان أقصى طموحه أن يصير نجما سينمائيا، وأن يحصل على دورٍ كبيرٍ في فيلمٍ لا يكون فيه مجرّد كومبارس، كان يجتمع مع رفاقه في مقهى بعرة في القاهرة، ومن المعروف عن هذا المقهى أنّه يجمع داخله مجموعة من الكومبارس والممثلين الذين ما زالوا في بداية الطريق.
شارك الرحيمي ككومبارس في أكثر من 300 فيلم ومسلسل، إلى أن ظهر لمرة واحدة على أفيش فيلم، لتكون صورته في خلفية المشهد الذي احتلته البطلة، غير أنّ هذا الحدث ضاعف من طموحه، فلمعت في رأسه فكرة تساعده في الوصول إلى حلمه، وهو تأسيس شركة إنتاج، وبمساعدة رفاقه، بعد أن أقنعهم بمشروعه، أسسوا شركة (الصمت الرهيب) لتظهر بعد ذلك شخصيّة جديدة لنوح، وهي شخصية نوح الأحمق. أنتجت شركتهم أكثر من أربعين فيلما، ثم أخذ يطوف على عدد من المنتجين مقترحا أن تعرض أفلامه قبل عروض السينما، أو في فواصل الاستراحة، وقوبلت هذه الاقتراحات جميعها بالرفض، إلى أن التقى «نديم الصبان» الصحافي العشريني الذي سخر من أعماله، نديم الذي لا يختلف عنه كثيرا على العكس، بل يشبهه إلى حدّ كبير. «كان نديم على عكس كل ما تخيله نوح عنه، أكثر شبها به مما تصور، محض ممثل يؤدي دور الموهوب الذكي ليخفي حماقة دفينة وجهلا عميقا». بعد ذلك حاول نوح أن يتسلل إلى بار ليالينا الذي يجلس فيه الصبان مع مجموعة من شبه المثقفين، فتنكر في هيئة رجل أرستقراطي «حسن مفتاح» وقدّم نفسه لصاحبة البار «نعمات» على أنّه منتج سينمائي وكشّاف مواهب، أراد من ذلك كسب رضاهم، ونيل إعجابهم واعترافا منهم بأنّه نجم، على الرغم من أنّهم آخر من يحق له الاعتراف بنجومية أحد في هذا المجال، لأنّهم فاشلون منافقون مدعون، وعندما تنكشف حقيقته وتنكّره، تقرّر جماعة بار ليالينا طرده، لكنّه يرفض المغادرة فيقرر الجميع التسلي بخداعه والاحتيال عليه، ليمنعوه من الرجوع إلى البار مرة أخرى، فيتحوّل إلى أداة لتسليتهم. وبعد عشرين عاما يقرّر نوح العودة للانتقام.

شارك الرحيمي ككومبارس في أكثر من 300 فيلم ومسلسل، إلى أن ظهر لمرة واحدة على أفيش فيلم، لتكون صورته في خلفية المشهد الذي احتلته البطلة، غير أنّ هذا الحدث ضاعف من طموحه، فلمعت في رأسه فكرة تساعده في الوصول إلى حلمه، وهو تأسيس شركة إنتاج، وبمساعدة رفاقه، بعد أن أقنعهم بمشروعه، أسسوا شركة (الصمت الرهيب) لتظهر بعد ذلك شخصيّة جديدة لنوح، وهي شخصية نوح الأحمق.

بقراءة مفصلة ودقيقة وميكروسكوبية للحبكة والأحداث، وما يختبئ خلف هذا السرد السلس، نجد أنّ الفخراني اتخذ من الأفلام مرجعا لنتاجه الإبداعي، لنجده يتفاعل معها عبر ما يسمى بتناص التلميح، ويظهر هذا التفاعل أولا بإشارةٍ منه إلى فيلم «اغتيال مدرّسة» الذي تدور أحداثه حول معلّمة، تعمل في إحدى المدارس الخاصة، وتنشأ مشاكل بينها وبين شقيق زوجها تدفعها لتعطي الدروس الخصوصية لإحدى الطالبات، فتكتشف أنّها حامل من زميل لها في المدرسة، وتحاول المدرّسة بدورها حل المشكلة، ويحاول الطالب عصام أن يتخلّص من المعلّمة هدى فيستدرجها لبيته، ويقوم بتصويرها دون علمها ليضغط عليها، لكن تنكشف لعبته في نهاية المطاف، ويتزوج زميلته ميرفت، وتخرج المدرّسة من القضية. يستغل شقيق زوجها هذه القضية ليأخذ منها أولادها وتنتحر المدّرسة. قصة الرحيمي وظهوره على أفيش فيلم مع صورة البطلة تلميحا منه إلى هذا الفيلم الذي كان من بطولة نبيلة عبيد، حيث ظهرت صورة الكومبارس الذي أدى دور منفذ أحكام الإعدام خلف صورتها، محرضا من خلال هذا التلميح خيال المتلقي، مثيرا في ذهنه رغبة في معرفة إلى ماذا يشير هذا التلميح؟ وما هي الغاية منه؟ فيساهم بذلك في بناء غموض النص من خلال الإشارة والرمز، ويجعله أكثر ثراء لأنّه يصبح أشد تحريضا لخيال المتلقي، فهذه التلميحات لا تأتي إلا لتثير في ذهن المتلقي أسئلة وإشارات وصورا كثيرة لا يمكن حصرها، وإدراك هذه التلميحات مهم وضروري لفهم النص وكشف دلالاته.
كما لم يكتف الكاتب بالتلميح لهذا الفيلم فقط، إنّما أشار بسرده إلى عدد من الأفلام السينمائية التي تراوحت بين المصرية، اللبنانية والسورية، بوضع عناوينها عناوين لفصول روايته، وهذا ما يمكن تسميته بالمناص أو النص الموازي «paratext « هو علامة أقل وضوحا وأكثر بعدا، وهو حسب تعريف جيرار جينيت نجده في العناوين والعناوين الفرعية والمقدمات والذيول… ويصوّر الفخراني الأحداث والشخصيات محاولا تجسيد معاناة كل شخصيّة من شخصيّات الرواية.

الأفلام التي عنون بها الكاتب فصول روايته

فيلم «عفوا أيها القانون»
وهو فيلم مصري عُرض عام 1985، بطولة نجلاء فتحي ومحمود عبد العزيز، وفريد شوقي وغيرهم، يتناول قصة زوجين ومشاكلهما، ويشير إلى الكذب والنفاق والخيانة، كما يطرح قضية حقوق المرأة في العلاقة الزوجية، والتفرقة القانونية بين الذكر والأنثى.
«الكاميرا الخفية»
وهو فيلم سوري تم عرضه عام 1995، تأليف الراحل حاتم علي، وبطولة أيمن رضا وأمل عرفة، وأيمن زيدان وغيرهم، يتناول قصة خلاف بين فتاة وخطيبها، حول رغبتها في العيش في بيت مستقل بعد الزواج، بعيدا من بيت العائلة لتظلّ على خلاف دائم معه لهذا السبب.
«أضواء المدينة»
فيلم مصري من بطولة شادية وأحمد مظهر وعادل إمام وغيرهم، تدور القصة حول رغبة بطلة الفيلم في أن تصبح نجمة، وأن تحقّق حلمها بالسفر إلى القاهرة، لتقترب من هذا الحلم من خلال المشاركة بمسابقة لاختيار وجه جديد لفيلم، لتجتازه وتنجح، إلا أنّ ما حال بينها وبين وصولها للنجومية، هيئتها المتواضعة التي جعلت المنتج يرفضها، لتلجأ إلى حيلة لقبولها وهي أن تتنكر، وتحضر حفل تنكري كأميرة، فتُعجِب المنتج ويقع خياره عليها وتأخذ بطولة الفيلم بعد رفضها سابقا.
«ذئاب لا تأكل اللحم»
فيلم مصري تم عرضه عام 1973 من بطولة عزت العلايلي وناهد شريف، يحكي قصة صحافي مراسل ينقل أخبارا من ساحة الحرب، وبسبب الفساد الكبير توجه هو للفساد، وانخرط بالسرقة فأصبح لصا، ثم توجّه إلى الكويت ليلتقي حبيبته المتزوجة، ثم يقوم بقتل زوجها، لتتوالى الأحداث وتتشابك بعد ذلك.
«شنبو في المصيدة»
فيلم مصري كوميدي تشويقي أنتج عام 1968، بطولة فؤاد المهندس الذي يقوم بدور شنبو وشويكار، شنبو موظف حسابات في مخبز، يهوى كتابة القصص فقام بعرضها على صحافية لنشرها، فيقع في حبها ليعيش قصة حب معها، ثم يقع بعدها ضحية مؤامرة اغتيال اتهم بها ليقع شنبو في المصيدة، ويحاول إثبات براءته.
«سيدة الأقمار السوداء»
فيلم مصري لبناني عرض عام 1971، بطولة حسين فهمي، وناهد يسري، وعادل أدهم وغيرهم، يحكي قصة فتاة فقيرة، تسعى إلى الزواج لتتخلّص من واقعها السيئ وفقرها، فتضحي بحبها لتتزوج من أحد الأغنياء، وتلقى العذاب ضريبة هذا الاختيار بسبب فارق السن بينهما، ويتزوج حبيبها السابق من أخت زوجها دون أن يبادلها الشعور، أي هو حب من طرف واحد.
«حافية على جسر الذهب»
فيلم مصري تم عرضه عام 1976، بطولة حسين فهمي وميرفت أمين، عادل أدهم ويتناول قصة فتاة تهوى التمثيل فتتعرف على المنتج، وتولد قصة حب بينهما، ليظهر صاحب نفوذ فيعجب بها ويهددها بقتل حبيبها المنتج إن لم تقطع علاقتها به، فتصده وتتركه خوفا عليه، ثم يتعرّض للاعتداء على يد رجال هذا الثري ويصاب، فتعرض نفسها على صاحب النفوذ مقابل أن يسمح لحبيبها المصاب بالسفر للعلاج.
«غرام الأفاعي»
فيلم مصري عُرض عام 1988 بطولة هشام عبد الحميد وليلى علوي، صلاح قابيل وصابرين، يحكي قصة فتاة في كلية الصيدلة، ناجحة وذكية ومن أسرة ثرية، تحب زميلها الذي يرفضه والدها لفقره، فتتزوج حبيبته مليونيرا ويمضي هو إلى اختراعاته واكتشافاته، فيكتشف سما يقتل من يشربه دون أثر، ليُقتل به زوج حبيبته، وبعد أن يستطيع الوصول إليها ويتزوجها يبتزها للحصول على أموالها. فيلجأ كل منهما إلى تسميم الآخر بهذا السم، ويموتا معا في المستشفى.
«المليونير الصعلوك»
فيلم مصري عرض عام 1994 بطولة أحمد بدير ومحمود الجندي، عايدة رياض، يحكي الفيلم قصة شاب فقير يحلم بأن يكون ثريا، ولديه العديد من العلاقات النسائية، ينتحل شخصية مليونير ويتعرف على فتاة أحبها، لتكتشف حقيقته بعد ذلك وتتركه، وينكشف أيضا أمام من عرفهن من النساء فتسوء حالته.
بالتدقيق وبقراءة تأمليه للسطور وما وراءها، نجد خيوطا متشابكة بين هذه الأفلام، ورواية «بار ليالينا» في رسم الشخصيات وفي الأفكار والدوافع والأفعال وردود الأفعال، في الزيف والكذب والحيلة والخداع، في ضعف النفس البشرية وهشاشتها، في المشاكل الزوجية والخيانة، في الحلم والطموح والرغبة بالوصول مهما كانت الوسيلة، في النفاق داخل مجتمع شبه المثقفين والفنانين، في عدم احترام الآخر وتقبّله بهيئته ووضعه، بآرائه وأفكاره ورغباته، وبالاستعلاء والنظرة الفوقية المتكئة على الادعاءات والأكاذيب، و في الرغبة بالانتقام والقتل وغيرها…

تقنية المشهد والصورة

تظهر في تقنية المشهد الدخول في التفاصيل، لتكون مشاهد معبّرة بدقّة وعمق عن هموم الرواية، ويكون المشهد خادما جيدا لأهدافها، ويتوجّب في المشهد الذي يقدّم لحظات مشحونة استخدام الصورة التي تعدّ مع الحركة ميزتان تميزان اللغة السينمائية، فعندما تستخدم في لغة الرواية الصورة، إنّما هذا دليل على أنّك تستعمل تقنية سينمائية، لنلاحظ كثرة المشاهد المتنوعة في «بار ليالينا» حيث قدّم الراوي عدّة مشاهد. منها مشهد دخول نوح ونديم إلى الشقة التي تقع إلى جانب مقهى المعرة ليكشف له سرّهم الكبير المتمثل في أفلامهم التي سجلوها في الخفاء. وكذلك مشهد دخوله إلى بار ليالينا وتعثره قبل مغادرته بعد أن قام أحدهم بمد ساقه أمامه كي يسقط أرضا. «تعثّر أثناء هرولته ليرتطم رأسه بحافة الطاولة التي يجلس عليها يسري الحلو وأصدقاؤه، تشبّث أثناء وقوعه بالمفرش… قام وهو يلملم ارتباكه، فباغتته نعمات وهي تصيح بعصبية من الفوضى التي سبّبها». وغيرها من المشاهد التي جاءت في خدمة السرد، معبرة عن القضايا الأساسية للرواية حيث شرّح الكاتب من خلالها جسد هذا المجتمع، وكشف عن ضعفه وهشاشته، هذا المجتمع الثقافي الذي يعمّه الخداع بعيدا من الثقافة الأصيلة، والروح الخلاقة في إدارة شؤون أعمالهم وأمورهم الخاصة، والقذارة في تعاملهم مع الآخر وعدم تقبلهم لوجوده، ونظرتهم الفوقية البالية، ليتناغم السرد مع الصورة ويجري معها، فتنتقل حركة الكاميرا من شخصية لشخصية ومن مكان لمكان، لافتة النظر إلى الإيقاع السينمائي في الرواية.
كما يضفي الفخراني شيئا من الواقعية على منجزه السردي الذي يتميز بلغته السهلة والواضحة وسرده الممتع المتناغم، من خلال استعانته بالواقع وهذا ما يتضح من شخصيات الرواية والأماكن، ومن التفاعل مع الأفلام التي اقتُبست عن قصص حقيقة، أبطالها من صميم الواقع. لتأتي روايته مزيجا من الواقع والخيال، وهذا ما أشار إليه الفخراني في حوار صحافي معه قال فيه «أستقي حكاياتي من واقع المدينة ومن وجوه بشرها المسحوقة والكئيبة والمهزومة بفعل فاعل. أغلب شخصيات رواياتي قابلتها بالفعل في المدينة. أنا فقط أعيد تشكيلها عبر خيالي…».

كاتبة سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية