رام الله- “القدس العربي”:
يتبادل الفلسطينيون بتندر واستنكار صورة كليافطة رفعت على محل تجاري كتب عليها “ما تصفر عندي عند سماع السعر (لا تطلق صوتا)، صفر عند رئيس الوزراء” في إشارة أن ارتفاعا كبيرا على الأسعار تعيشه المناطق الفلسطينية المحتلة، وهو ما يترافق مع عجز الحكومة الفلسطينية في حماية المواطنين أو عدم رغبتها في القيام بما يكفل ذلك.
وخلال الخمسة أيام الماضية أصبح حديث غلاء الأسعار الحديث الأبرز على الساحة الفلسطينية، بين المواطنين وفي الشبكات الاجتماعية، فالغلاء الكبير في أسعار السلع الأساسية أصبح يلسع جيوب المواطنين جميعا.
رامي أبو سمرة، مدير المشتريات بالمؤسسة الإسلامية بطولكرم قدم تصورا لارتفاع الأسعار حيث قال إنه قبل عامين كان سعر أصناف الزيوت الشعبية (دوار الشمس) يتراوح بين 20 و22 شيقلا أما اليوم ومع القبول بهامش ربح محدود يباع بـ 34 شيقلا وهو ما يعني زيادة أكثر 41% على صنف واحد رئيسي وأساسي لكل منزل فلسطيني.
لم يتوقف الأمر على الزيت بل امتد إلى العدس المجروش والحب الذي كان ثمن الكيلو 4.5 شيقل (دولار ونصف) أصبح اليوم ما يقارب 8.5 شيقل وهو ما يعني زيادة بنسبة 47%، أما الدجاج فقد ارتفع سعره من 10 ش للكيلو الى 17 بزيادة 41%، وهو الأمر الذي امتد للسكر من 20 شيقلا للربطة لـ29 بمعدل زيادة وصل إلى 32 %.
وبرأي أبو سمرة فإن الأعظم قادم ولا سيما وأن هذه الزيادة لا زالت مستمرة ولن تقف عند هذا الحد، وهو يعتبر أن هذه الزيادات المتصاعدة تترافق مع ثبات الدخل وهو ما يؤشر إلى “كارثة اقتصادية” تشمل كل الأطراف من مواطنين وخاصة أصحاب الدخل المحدود والتجار والمستوردين.
هذه الزيادة الكبيرة في الأسعار بدت وكأنها حدث فاجأ الحكومة الفلسطينية والجهات المختصة حيث أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة عن إحالة 300 تاجر إلى النيابة العامة لعدم تقيدهم بالأسعار من دون أن يوضح بيان الناطق أية تفاصيل عن طبيعة التجار المحالين للنيابة ومناطق توقيفهم وطبيعة المنتجات التي يبيعونها.
أما وزير الاقتصاد الفلسطيني خالد العسيلي فحملت تصريحاته غضبا أكبر لكونها أشارت إلى أن فلسطين في “انتظار موجة من الغلاء” في إشارة إلى أن الوزارة لا تدرك فعليا واقع الغلاء في أسعار أغلب السلع الأساسية.
وتابع الوزير في تصريحات صحافية أنه “لا زالت الأسعار حاليا تحت المراقبة ولم ترتفع بالشكل الذي يتحدث عنه الناس”، معتبرا أن الكثير من الأسعار بقيت على حالها حتى اللحظة لكون التجار يبيعون من مخزون المنتجات التي لديهم.
وأكد الوزير العسيلي أن البضائع الجديدة ستأتي مع سعر أعلى من السابق لأن الأسعار في العالم ارتفعت بشكل كبير جدا، عازيا ذلك الى نقص في العرض وارتفاع تكاليف الشحن البحري بشكل جنوني.
وكان نقاش الغلاء قد تفجر على خلفية قيام اتحاد شركات التأمين الفلسطيني بفرض زيادة رسوم التأمين بدءًا من مطلع الشهر المقبل، وهو ما اعتبرته هيئة سوق رأس المال بالقرار الباطل من الناحية القانونية كون الجهة صاحبة الحق الأصيل بإصدار الحد الأدنى لرسوم التأمين هو مجلس الوزراء.
وأمام الاحتجاج الشعبي والرفض الرسمي تراجع اتحاد شركات التأمين عن ذلك.
وأطلقت وزارة الاقتصاد خطا خاصا لتلقي شكاوى المواطنين على الرقم (129) وطالبت المواطنين بمساعدتها في العمل على استقرار أسعار السلع الأساسية التي يجب أن تباع على السعر القديم دون مغالاة واستغلال. ورفعت شعار: “بلغ عن أي مخالفة، لن نتهاون في محاسبة المخالفين”.
وبرأي د. محمد شاهين، المتحدث باسم جمعية حماية المستهلك فإن فلسطين تعيش “بازارا” لرفع الأسعار وليس العكس، وهو أمر ليس بجديد حيث لا تنعكس التحولات الاقتصادية بالعالم على المواطن الفلسطيني إيجابا بكل الأحوال.
ويضرب شاهين مثالا بانخفاض سعر برميل النفط خلال الأعوام الماضية وهو أمر لم يترتب عليه أي انخفاض في سعر مشتقات البترول. أما التحولات العالمية اليوم فيترتب عليها غلاء الأسعار، وبشكل خرافي لا يتوافق مع حجم التحولات عالميا.
ويتابع شاهين: “يشتري الفلسطيني بالدولار الذي انخفض خلال العامين أكثر من 20% ومع ذلك لم يترتب على ذلك أي انخفاض في الأسعار حيث أن المستهلك يشتري بالشيقل الإسرائيلي”.
وتندر شاهين على أحاديث وزير الاقتصاد الذي أصبح دوره أن يقدم “سبقا صحافيا” حول توقعاته في ارتفاع الأسعار لمرة ثانية هذا العام، معتبرا أن دور الوزارة لا يجب أن يكون متفرجا أو معلنا للمواطنين عن ارتفاعات قادمة.
ووصف الحالة الاقتصادية ووضع السوق الفلسطيني مماثلة للمثل الشعبي الذي يقول: “سارحة والرب راعيها” دلالة على عدم وجود أي جهة تعمل على وضع قيود للسوق الفلسطيني.
وطالب شاهين بالعمل على توفر دعم للسلع الأساسية بأي طريقة، “فلا يجوز للحكومة أن تقول إنها دولة عندما تريد شيئا من المواطن، ومن ثم تقول إنها ليست دولة وتعيش في وضع احتلالي في حال يكون المواطن يريد شيئا منها، فإما أن تكون دولة ومسؤولة أو لا تكون دولة وبالتالي تنزع عنها المسؤولية”.
وشدد أن الواقع الفلسطيني معقد وصعب وظروفه خاصة ومختلفة عن أي دولة بالعالم وهو ما يتطلب إبداعا وإخلاصا وتحملا للمسؤولية وليس العكس.
وأضاف: مشكلة المواطن الفلسطيني أنه يتشارك مع المستهلك الإسرائيلي سلة غذائية واحدة رغم أن معدل دخل الإسرائيلي أكبر بـ 5 أضعاف من دخل المواطن الفلسطيني، إضافة إلى أن الأول محمي بكم كبير من التدخلات الحكومية فيما المواطن الفلسطيني لا يوجد أي جهة تعمل على حمايته ودعمه.
وبرأي شاهين فإنه لو كان هناك جهة تحاسب الحكومة (المجلس التشريعي المعطل) ما كان الوضع بهذه الحالة، فسياسات التدخل لحماية السوق وذوي الدخل المحدود غير موجودة، وهو ما يعزز المطالب بوضع تدخلات تحمي الأسر الفلسطينية وتعزيز صمودها على أراضيها.
وترافقت هذه الحالة من غلاء الأسعار المعاش والمتوقع في الفترة القادمة مع معاناة “السلطة الفلسطينية من وضع مالي هو الأسوأ منذ قيامها” بحسب تصريحات مستشار رئيس الوزراء استيفان سلامة.
وتعاني السلطة من توقف الدعم العربي والدعم الأمريكي بنسبة 100%، وبحسب الصحافي الاقتصادي محمد خبيصة فإن ارتفاع الأسعار وسعي السلطة الحثيث لاستئناف رفد الخزينة بالمساعدات المالية، ترافق مع نشر الجريدة الرسمية “الوقائع” 29 قرارا رئاسيا بترقية وترفيع جديدة، تم تنسيبهم خلال 2021 وهو أمر يثير أسئلة على سياسات التقشف التي أقرتها الحكومة منذ سنوات.
ويعارض الصحافي الاقتصادي جعفر صدقة التصريحات حول التوقعات بارتفاع الأسعار في الفترة المقبلة معتبرا أنها تصريحات غير دقيقة والسبب يتمثل في أن الأسعار مرتفعة أصلا، وفي ارتفاع مستمر لأسباب محلية وعالمية.
وأعتبر صدقة أن الحديث عن توقعات بارتفاع الأسعار بنسب 15-30% يعكس جهلا في حقيقة الأوضاع المعيشية التي أصبحت صعبة على المواطنين، أو أن هناك فئة معنية بترويج هكذا شائعات تمهيدا لفعل إجرامي لتصريف مواد محتكرة أصلا.
ويرد صدقة أسباب موجة ارتفاع الأسعار التي تمر بها فلسطين منذ أكثر من سنة أن الفلسطيني على الصعيد المحلي موجود ضمن غلاف جمركي واحد مع إسرائيل، ويترتب على ذلك أن المواطن الفلسطيني يدفع نفس الضرائب والجمارك وبالتالي نفس الأسعار التي يدفعها الإسرائيلي، رغم الفروق الكبيرة في الدخل.
ويشدد صدقة أن “بروتوكول باريس الاقتصادي” يجعل حياة الفلسطيني مستحيلة وهو يعزز سياسة طاردة للفلسطينيين، يضاف إلى ذلك غياب أي قدرة أو إمكانية، أو حتى إرادة لدى السلطة الفلسطينية، لتغيير هذا الواقع بسياسات نقدية ومالية واقتصادية مناسبة للاقتصاد الفلسطيني حيث تسعى لتقليص العجز المالي عبر توسيع العجز في الميزان التجاري.
وتشير الأرقام أن الضرائب التي يدفعها المواطنون ترفد الخزينة بـ 85 – 90% من إيرادات الحكومة بمتوسط 12 مليار شيكل سنويا، فيما ينص القانون الأساسي الفلسطيني في المادة 21 على أن الاقتصاد في فلسطين يقوم على أساس مبادئ الاقتصاد الحر، وهو ما يجعل السوق الفلسطيني خاضعا لسياسات العرض والطلب وفق النظام الرأسمالي الذي لا يدعم المستهلك ولا يعتبر أن وصوله للسلع الأساسية والغذاء حق أصيل من حقوقه، وهو ما يعمق الواقع الفلسطيني ويعزز غضب المواطنين ويطلق المزيد من صرخاتهم.