باسم محاربة إيران حولت واشنطن الخليج لترسانة عسكرية ضاربة والضحية هم اليمنيون

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

بعد مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي وتقطيعه بطريقة بشعة في قنصلية بلاده في اسطنبول العام الماضي، تم تسليط الضوء على قضية مهمة دعا إليها وهي وقف الحرب التي تخوضها السعودية في اليمن.
وهي حرب كارثية بكل المعاني، فقد قصد منها أن تستمر حسبما قال السعوديون لإدارة باراك أوباما في حينه أسبوعين، لا أقل ولا أكثر، وها قد مرت أربعة أعوام والنصر يراوغ التحالف على المتمردين الحوثيين الذين أسقطوا بدعم من حليف الرياض السابق، علي عبدالله صالح حكومة خليفته عبد ربه منصور هادي. وتحول اليمن بفعل الحصار المفروض على وصول المساعدات الضرورية لشعب يعيش على حافة الجوع إلى كارثة إنسانية لم ير مثلها في التاريخ القريب. فمن الجو تحلق طائرات التحالف وتسقط آخر ما تنتجه المصانع البريطانية والأمريكية على رؤوس المدنيين. وعلى الأرض يتعرض المدنيون لقصف الحوثيين وصار مساحة للأمراض التي كان يمكن التغلب عليها بسهولة مثل الكوليرا. وتحول اليمن بمصادره وموقعه الاستراتيجي لساحة تصفية حسابات إقليمية بين السعودية وإيران وإلى محاولة للسيطرة على مفاصله الحيوية وتكريس عملية التقسيم التي عاشها حتى عام 1990. وقد يجادل البعض أن اليمن في تاريخه الحديث ظل في صراع ضد القوى التي حاولت التدخل في شؤونه الداخلية لكن الحرب الأخيرة التي جاءت بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء عام 2014 حولت النزاع إلى حرب مع النفس. ويحلو للبعض أن يصف الواقع الآن في اليمن بأنها حروب داخل حرب واحدة. فهي لم تعد بالضرورة حربا بين حكومة يعترف العالم بها بقدر ما تحولت إلى حروب متعددة، جهوية، قبلية، بالوكالة، ضد الإرهاب وللسيطرة على مقدرات البلاد من الموانئ والمصادر الطبيعية وحتى تراثه الحضاري النادر كما هو الحال في جزيرة سقطرى التي تسعى الإمارات لوضع اليد عليها ضمن خطة الهيمنة على الجنوب اليمني.

فتش عن إيران

وفي الوقت الحالي اختفت صور الأطفال الجوعى الذين يذبلون في المستشفيات التي لم يعد فيها ما يفيدهم. وتحولت القضية اليمنية في الخارج إلى مسألة تتعلق بمحاربة التأثير الإيراني في المنطقة، فطهران متهمة بتزويد الحوثيين بالطائرات المسيرة التي باتت تضرب العمق السعودي بشكل دوري، كما اتهمت في الماضي بتهريب قطع الصواريخ إلى الحوثيين الذين ضربوا فيها الرياض والمدن الأخرى في المملكة. فقد تذرعت إدارة الرئيس دونالد ترامب التي استخدمت الفيتو ضد تشريع في الكونغرس، صوت عليه المجلسان، النواب والشيوخ، لمنع بيع السلاح إلى السعودية حتى لا تستخدمه في اليمن، في اليومين الماضيين بالتهديد الإيراني وقررت المضي في صفقات أسلحة بقيمة 8 مليار دولار لكل من السعودية والأردن والإمارات. ويأتي هذا القرار بعد إرسال البيت الأبيض حاملة طائرات وطائرات خاصة إلى منطقة الخليج لردع إيران وكجزء من استراتيجية الضغط الأقصى على الحكومة الإيرانية الموافقة على خطة جديدة وحسب الرغبة الأمريكية والمتعلقة ببرامجها النووية ودورها في المنطقة. واللافت في الأمر أن الإدارة قررت تجاوز الكونغرس في القرار الأخير، وتذرعت بالأمن القومي وقرارات سابقة تمت في عهد كل من جيمي كارتر ورونالد ريغان. وبرر وزير الخارجية مايك بومبيو قرار البيع بأنه “لدعم حلفائنا وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط ومساعدة الدول على الدفاع عن نفسها من الجمهورية الإسلامية وردعها”. وفي العادة ما يصادق الكونغرس على صفقات السلاح إلا أن ترامب استخدم ثغرات في قانون التحكم بتصدير السلاح يسمح له في “حالة الطوارئ” بتجاوز الكونغرس.

قتل المدنيين

وأغضب القرار المشرعين في الكابيتال هيل، الغاضبين أصلا من إلغاء تحركهم للحد من المشاركة الأمريكية في الجرائم التي يرتكبها التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. وانتقد السناتور الديمقراطي كريس ميرفي فكرة “الطوارئ لبيع قنابل للسعوديين كي يسقطوها على اليمن. بشكل يمد من أمد الأزمة الإنسانية هناك”. فيما قال زميله الديمقراطي رو خانا “كل قنبلة تباع للسعوديين هي قنبلة أخرى لقصف المستشفيات والأعراس والأسواق وحافلات المدارس اليمنية”. ولا شك أن المسألة لا علاقة لها بالطوارئ بقدر ما تتعلق بخوف البيت الأبيض من خسارة التصويت في الكونغرس الذي منع منذ العام الماضي صفقات أسلحة للسعودية. ونقل موقع “المونيتر” (23/5/2019) عن ميرفي قوله إن الصواريخ الموجهة بدقة هي مركز المبيعات الأمريكية والتي تستخدم في الغارات على اليمن. مضيفا أنها الصواريخ نفسها التي رفض أوباما بيعها للتحالف السعودي خشية تواطؤ أمريكي في جرائم حقوق الإنسان.

بريطانيا أيضا

ولا يقتصر البحث عن ثغرات لمواصلة بيع السلاح على الولايات المتحدة، فبريطانيا التي تعد من كبار مصدري السلاح للسعودية وجدت ثغرة في التجميد الذي فرضته ألمانيا على مبيعات السلاح للسعودية خشية استخدامها في حرب اليمن. وفي رسالة غير منشورة أشارت إليها “الغارديان” (24/3/2019) تحدثت عن جهود وزير الخارجية جيرمي هانت لتجاوز المنع خاصة في الصناعات الأوروبية المشتركة مثل يوروفايتر تايفون بالإضافة إلى مقاتلات تورنيدو البريطانية التي تستخدمها السعودية في اليمن. وتحدث هانت في رسالته للبرلمان البريطاني عن “استثناء جزئي للبرامج الأوروبية المشتركة والرخص المترابطة حتى نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2019. وأنا سعيد لاستماع الحكومة الألمانية لمطلبنا وهو التأكد من مواصلة منح رخص بيع لقطع الغيار لتورنيدو وتايفون التي توجد الآن في السعودية”. ونقلت الصحيفة عن لويد راسل- مويل، العضو العمالي في لجنة التحكم بتصدير السلاح تعليقه على القرار “لا تقوم الحكومة بخرق قانون التصدير البريطاني لكي تقوم الطائرات السعودية من الجو بقصف المدنيين في اليمن بل وتقوم بالضغط على الدول الأخرى”. فيما قال وزير التنمية الدولية السابق أندرو ميتشل إن “بريطانيا خسرت في الموضوع اليمني بوصلتها الأخلاقية”.
وفي هذا السياق كتبت الأكاديمية المحاضرة في جامعة ساسكس، آنا ستافرياناكيس في صحيفة “الغارديان” (21/5/2019) عن آخر التطورات في الحرب التي مضى عليها 1500 يوم، وهي انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة وساليف ورأس عيسى باعتبارها خطوة في اتجاه تطبيق اتفاقية ستوكهولم، مع أنها خطوة صغيرة جدا. وتحدثت عن التناقض بين الدبلوماسية التي يقوم بها هانت و “الحقيقة المزعجة” أي الأسلحة المصدرة من بريطانيا للتحالف الذي تقوده السعودية، والتي لعبت دورا رئيسيا في الكارثة الإنسانية التي تدعي الحكومة أنها تجاوبت معها. فبريطانيا تقول إنها خصصت 120 مليون جنيه استرليني مساعدات لليمن في العام المالي 2018/ 2019 وتشيد بدورها في عملية السلام بما في ذلك التطورات في الحديدة. وتقول الأكاديمية إن معضلة الحكومة البريطانية تكمن في استهداف التحالف للمدنيين والمحرم في القانون الدولي، لكن يبدو وكأنه عنصر أساسي في استراتيجية التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. كما أن الأضرار المفرطة التي أصابت المدنيين خلال الحرب ليست عرضية أو آثارا جانبية لاستراتيجية عسكرية فاعلة. فالحكومة تعرف كما أخبرها فريق الخبراء في الأمم المتحدة أن التحالف السعودي هو الذي تسبب بأكثر الإصابات بين المدنيين وأن السعودية وشركاءها ارتكبت أفعالا قد تصل، اعتمادا على قرار حكومة مستقلة ومؤهلة، إلى جرائم دولية”.

استهداف المدنيين

وأشارت صحيفة “نيويورك تايمز” (22/5/2019) إلى الثمن الإنساني الذي يدفعه اليمنيون بسبب القنابل الأمريكية الصنع التي ترميها الطائرات السعودية عليهم. وتقول الصحيفة إن الجرائم التي ترتكب بحق المدنيين تظل مسؤولية أمريكية، لافتة إلى أن الجنرال جوزيف دانفورد أخبر الكونغرس في نيسان (أبريل) عام 2018، أن الولايات المتحدة، وإن كانت حليفا للتحالف، إلا أنها غير متورطة بـ “سلسلة القتل” في اليمن. ولم يعجب كلامه نقاد حرب اليمن في الكونغرس ولا منظمات حقوق الإنسان الذين اعتبروا ما قاله سوء تقدير صارخ لما يجري، ففي الوقت الذي ينزع فيه الطيارون الإماراتيون والسعوديون الفتيل عن القنابل التي تقتل وتدمر فإن الولايات المتحدة هي التي توفر الذخيرة والمعلومات الأمنية لهذه الهجمات. وتحدثت الصحيفة عن جهود الأمريكيين بتحسين أداء الطيارين السعوديين وعقد دورات لهم حول حقوق الإنسان وإعداد قائمة بالأهداف التي يجب تجنبها. إلا أن لاري لويس الذي عمل مع التحالف مستشارا من الخارجية حول كيفية تجنب إلحاق الضرر بالمدنيين، وفي الفترة ما بين 2015-2017، تساءل إن كان التحالف غير مهتم بالضحايا المدنيين أو يرى في قتلهم وسيلة للعقاب الجماعي. وهو ليس متأكدا من صحة الفرضيتين، مستدركا: “لكنها ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها هذه الأساليب في الشرق الأوسط”. فالتحالف في النهاية مسؤول حسب منظمة رقابة عن مقتل 4.800 من 7.000 قتلوا في الحرب أما الحوثيين فهم مسؤولون عن مقتل 1.300 شخص.

ورطة أمريكية

وبالمحصلة تغذي الولايات المتحدة والدول التي تبيع السلاح للسعودية وشريكاتها النزاع اليمني بحيث تجعل من إمكانية وقف الحرب أو التوصل لحل أمرا بعيدا، في وقت يراوغ النصر السعوديين. وكما أشار كاتب في مجلة “ناشونال إنترست” (19/5/2019) فقد بدا ترامب الذي استخدم الفيتو وكأنه جزء من منظومة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان “معولا على إنهاء الحرب من خلال دعم هجمات الرياض الإجرامية ضد المدنيين”. وتحدثت المجلة عن تداعيات الحرب في اليمن التي استورد فيها التحالف مرتزقة من السودان واستهدف المدنيين وفاقم من خطر تنظيم القاعدة وأخواتها. وكان دعم اليمن هو الثمن الذي دفعته إدارة أوباما لإرضاء السعودية وجاراتها التي عارضت المعاهدة النووية مع إيران. لكن الإدارة الحالية بالغت في الدعم متعللة بمبررات مضحكة. بل وتركت التحالف يتصرف بدون انضباط، ما دمر اقتصاد اليمن. وتشير المجلة إلى التناقض في موقف واشنطن التي تقول إنها تريد وقف الحرب، لكنها لم تتوقف عن دعم السعوديين والإماراتيين، مشيرة إلى أنه تم الدفاع عن هذا المنطق “الغريب” من خلال مقال مشترك نشره موقع مجلة “فورين أفيرز” لكل مايكل نايتس من معهد واشنطن وكينث بولاك من معهد “أمريكان إنتربرايز” وباربرة وولتر من جامعة كاليفورنيا، ودعا الثلاثة أمريكا لمواصلة جهودها في دعم التحالف السعودي؛ لأن التوقف عن هذا سيعرقل الحملة، وسيجرأ الحوثيين والإيرانيين، ويجعلهم أقل قبولا للتفاوض وتقديم تنازلات، و”بالتأكيد يرى الثلاثة أن الدعم، مهم حيث سيتم استخدامه ورقة ضغط على الطرفين لوقف الحرب والموافقة على التشارك في السلطة”. وبعد أربعة أعوام لم يبد التحالف ميلا للتخفيف من أساليبه بل وجرأت السياسة الأمريكية ولي العهد السعودي، الذي أصبح أكثر قمعا وتهورا. وفي النهاية ترى المجلة أن الحرب في اليمن ليست حربا أمريكية لم يعتد فيها اليمنيون على الولايات المتحدة. ودعمت واشنطن الطرف الخطأ الذي يحاول التوسع من جهة وتفكيك اليمن كما يفعل الإماراتيون في الجنوب، وهم الذين ارتكبوا معظم الجرائم ودمروا البنى التحتية خدمة لمصالحهم الجيوسياسية. وليس من مصلحة الولايات المتحدة في النهاية الدخول في نزاع طائفي نيابة عن السعوديين والإماراتيين، خاصة أن السعودية لديها ميول توسعية أكثر من طهران، حيث غزت اليمن، واختطفت رئيس وزراء لبنان، وأرسلت قوات لدعم الحكم الديكتاتوري في البحرين، ودعمت ديكتاتورية السيسي، وأرسلت أموالا لدعم المتشددين في الحرب الأهلية في سوريا، وأشعلت نيران الحرب في ليبيا، وهي أكثر اضطهادا من إيران، فهي لا تتسامح حتى مع أي نقد سياسي أو ديني أو مطلب بالحرية. والحل هو اعتراف التحالف السعودي-الإماراتي بالفشل والالتفات لمعاناة اليمنيين، وفي ظل التوتر الحالي وقرع طبول الحرب وتحويل الجزيرة لترسانة حرب أمريكية فمن المستبعد حدوث هذا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية