لفتني عنوان مقابلة مع الممثل السوري باسم ياخور يقول «ممنوع علينا التكلم في السياسة والدين والجنس»، اندفعت لقراءتها فوراً، قلت لعلّ الفنان السوري قد خرج أخيراً عن صمته، هو المعروف لا بصمته وحسب، بل بفن التشبيح لصالح النظام السوري. ذرعت المقابلة مرات بحثاً عن احتجاج على المنع، فوجدت عبارة تقول «ممنوع علينا التكلم في السياسة والدين والجنس، فليتركوا لنا فرصة التحدث في الفن»!
حتى التهريج، إن كان أصيلاً، لا يمكنه العيش من دون التطرّق إلى موضوعات الثلاثي المحرّم. فمن يريد إذن أن يحيا كفنان دون مستوى المهرّج؟
أي أن ياخور سلّم أمره تماماً، بلغ اليأس من إمكانية الخوض في الثلاثي المحرّم إيّاه (لا يعرف عنه أي محاولة لاختراق المنع أصلاً)، فلم يبق له سوى النضال فناً. لكن أي فن هذا الذي يتجنب تناول السياسة والدين والجنس! حتى التهريج، إن كان أصيلاً، لا يمكنه العيش من دون التطرّق إلى موضوعات ذلك الثلاثي. فمن يريد إذن أن يحيا كفنان دون مستوى المهرّج؟
ورق ورق
تتردد في مقابلات الممثلين السوريين كثيراً كلمة «الورق»، ويقصدون بها الإشارة إلى السيناريو والنص المكتوب كما جاء من عند المؤلف. ليست الكلمة وحدها، وإنما كذلك السياق الذي تأتي فيه يشير إلى احتقار للنص لصالح تقدير مبالغ به لعمل الممثل، أو اشتغاله على النص كي يكون لائقاً للشاشة، بحسب ادعاءاتهم.
لن نطالبهم بالتواضع، فهو استخدام يليق بجهلهم. رحم الله أيام كان السيناريو من فرط أدبيته ورفعة مستواه يستحق الطبع منشوراً في كتاب، كما لو أنه نص أدبي مستقل. كما حدث لبعض نصوص الراحل أسامة أنور عكاشة.
في اللاذقية ضجّةٌ
احتفلت مدينة اللاذقية بعيد الموسيقى بفعالية تحت عنوان «الباص الثقافي»، وفيها توزعت فِرقٌ على خمس حافلات (قدمتها مديرية النقل الداخلي)، خصصت ثلاث منها لعروض موسيقية، وواحد للمسرح، وآخر للأفلام (اختارتها المؤسسة العامة للسينما).
وصحيح أن الفعالية جاءت باسم فرق أهلية، لكنها برعاية من وزارة الثقافة، وهي بكل الأحوال لا يمكن إلا أن تكون تحت رقابة صارمة، كما لا بدّ لها من الحصول على موافقات عديدة مسبقة.
مصممو الفعالية تحدثوا عن رغبة بتواصل مختلف مع جمهور المدينة، وعن ضرورة البحث عن أمكنة بديلة.
إن الأصل في البحث عن أمكنة ثقافية بديلة ليس الحاجة إلى أمكنة وحسب، في ظلّ انحسار صالات العرض التقليدية، بل هو التوق إلى كسر التسلّط وإكراه الجمهور على الانصياع لحظيرة الإجماع. فبحسب المؤمنين بـ «مسرح المقهورين»، فإن في خشبة المسرح التقليدية شكلاً من أشكال إجبار المتفرج، وعلاقةً باتجاه واحد لا تسمح بالتفاعل.
الأصل في البحث عن أمكنة ثقافية بديلة ليس الحاجة إلى أمكنة وحسب، بل هو التوق إلى كسر التسلّط وإكراه الجمهور على الانصياع لحظيرة الإجماع. فبحسب المؤمنين بـ «مسرح المقهورين»، فإن في خشبة المسرح التقليدية شكلاً من أشكال إجبار المتفرج، وعلاقةً باتجاه واحد لا تسمح بالتفاعل.
لذلك فإن عروضاً من هذا النوع كانت (في أمكنة أخرى في العالم) غالباً ما تصطدم بالسلطات، بل إن بعض فناينها قد دخلوا السجن بالفعل إثر هكذا مغامرات.
أما باص اللاذقية، الخاضع لرقابة حديدية (لا يمكن إغفال أن مدير الفعالية الناقد ياسر دريباتي قد دخل السجن منذ حوالى الشهر لمجرد انتقاده عرضاً مسرحياً في تلك المدينة المشهود لها تاريخياً بسيطرة الشّبيحة، بل إن هذا الاختراع (الشّبيحة) مسجل حصرياً باسمها)، فهو مدجّن سلفاً، وما دام برعاية حكومية فقد أفرغ فكرة البحث عن مكان بديل من معناها وهدفها.
فوق ذلك، من بإمكانه أن يتجاهل، حين يسمع حديثاً عن تسيير الحكومات لباصات ثقافية، الباصات الخضر التي باتت رمزاً لتهجير السوريين وتشريدهم في بقاع الأرض!
كيف يمكن أن نصدق أن نظام «الباصات الخضر» بإمكانه أن ينتج باصات للثقافة البديلة!

صلاحية محاكمي صدام
«اللحظات الأخيرة في حياة صدّام حسين»، عنوان مقابلة جيزيل خوري مع القاضي منير حدّاد، نائب رئيس محكمة التمييز في العراق عام 2006. وهو من صادق على قرار إعدام صدّام حسين، بعد استجوابه للمرّة الأخيرة، كما رافقه في اللحظات الأخيرة من حياته إلى حبل المشنقة، بحسب تقديم خوري.
لكن المثير، أكثر من رواية اللحظات الأخيرة في حياة صدام، هو البورتريه الذي قدمه «المشهد»، ربما من دون أن يقصد، للقاضي حداد، ووضع صلاحيته لمقاضاة صدام موضع الشك.
ينتمي حداد لعائلة كردية- شيعية، وهو من عائلة معارضة، قتل بعض إخوته إعداماً على يد صدام، كما عمل بعضهم مع البارازاني. تعرض هو نفسه للاعتقال. جاهز للبس البدلة العسكرية، بل هو ارتداها بالفعل، وظهر بها في مناسبات. تربطه بالمالكي، رئيس الحكومة آنذاك، صداقة قوية، وكان دائم التواصل معه، وهو سرّب له خبر إعدام صدام خلال شهور، وأعلنه المالكي بدوره للإعلام.
كل ذلك على لسان القاضي نفسه في البرنامج. فهل ننتظر منه الحياد؟ هل نتوقع حكماً غير الذي رأيناه؟ وهل نتوقع رأفة (وحاشا أن يكون هذا دفاعاً عن جرائم صدام) ممن أقام حفلة الشنق في صباح يوم عيد؟!
تفاقمت حالات الانتحار بعد الثورة في تونس. تدهور الصحة العقلية جاء إثر صدمة اليأس والشعور باللاجدوى بعد سريان نشوة الأمل بعد الثورة.
اليأس التونسي
فيديو «بي بي سي» الذي حمل عنوان «لماذا انتحر الشاعر التونسي نضال غريبي؟» لا يقصد تماماً البحث في سيرة حياة الشاعر وموته، فهو يتخذ منه ذريعة للحديث عن تفاقم حالات الانتحار بعد الثورة حيث «ثلث سكان المنطقة يشعرون بالاكتئاب والتوتر في أغلب الأحيان».
تدهور الصحة العقلية جاء على ما يبدو إثر صدمة اليأس والشعور باللاجدوى بعد سريان نشوة الأمل (حسب الفيديو) بعد الثورة.
في عهد بن علي أحرق التوانسة أنفسهم من شدّة الذل وفقدان الأمل. بعد الثورة انتحروا!
٭ كاتب فلسطيني سوري