باسم يوسف و’البرنامج’ بين الشجاعة والعمالةّ

قبل دقائق من إذاعة الحلقة الجديدة من برنامج ‘البرنامج’ للإعلامي باسم يوسف مساء الجمعة، الأول من الشهر الحالي أعلنت قناة cbc الفضائية انها أوقفت عرضها بعد تسجيلها بـ84 ساعة (الإربعاء 30 تشرين الاول/اكتوبر) ‘لمخالفتها لشروط التعاقد الموقعة مع المُنتج’، كما جاء في البيان الذي أعلن بهذا الخصوص.
مثّل الإعلان والبيان مفاجأة لقطاعات كبيرة من أبناء الشعب المصري وأطيافه السياسية، وأثار شكوكا واسعة حول مدى مصداقية النظام الحالي والعديد من المؤيدين لهم من الليبراليين وأصحاب رؤوس الأموال وأقطاب الدولة العميقة، في ما يتعلق بمفهوم الحريات في مصر وليس فقط حرية الإعلام.. وأتاح فرصة في نفس الوقت لعدة الاف من المتاجرين بكل شيء لكي يصبوا جام غضبهم على البرنامج ومقدمه ويتهمونه بكل نقيصة.
من جانبي أري أن منع الحلقة يمثل انتصارا للقوى السياسية والظلامية، التي تريد أن تخيف المجتمع المصري وتعيده إلى ما قبل 25 يناير 2011.. منعها أتاح فرصة مجانية لكل معاد للثورة المصرية أن يصف النظام الحاكم بأنه مُكمم للأفواه وقادر على قمع الرأي المعارض.. منعها بهذه الكيفية جعل الغالبية العظمى من الشعب العربي والكثير من وسائل الإعلام العربية وبعض الصحف الأوروبية تتساءل، لماذا قبلت القوى السياسية التي تتصدر سدة الحكم في مصر اليوم الانتقادات الحادة التي كان يقدمها باسم يوسف لسياسات الرئيس السابق محمد مرسي وجماعته وعشيرته على امتداد أسابيع طويلة، ووقفت حلقة واحدة في حلقها، لدرجة أنها خافت من الثانية حتى لا تزهق روحها؟
جاء المنع ليضيف إلى معاناة المجتمع المصري، بسبب غياب الشفافية وندرة المعلومات الصحيحة والأرقام الموثقة، معاناة التشتت بين جنبات النميمة السياسية التي لا توفر له ولو جزءا يسيرا من الحقيقة الغائبة، حتى يبقى أسيراً لعدم قدرته على فك طلاسمها.
لا أحد ينكر أن ‘البرنامج’ تعامل مع الرئيس السابق كمادة للنقد ‘قماشتها’ تفي بكل الأغراض، لأن معظم ما قدمته حلقاته كان من صنعه ورد فعل لأقواله ومستشاريه وكبار كوادر جماعته وعشيرته، خاصة إذا تعلق الأمر بتكفير الآخر أو تهميشه أو الدعاء عليه بالويل والثبور وعظائم الأمور.. طبعاً مع إضافة حرفية الصنعة وابتكار القالب الذي تقدم الفقرات من خلاله، لاستكمال هدف الإعلام النقدي الساخر الذي برع فيه صاحبنا.
وهنا لابد من التنويه.. الى ان الإعلام الساخر لا يمت بصلة إلى التحليل السياسي أو حواراته.. الإعلام الساخر لا يُقاس من خلال معايير التوازن أو الحياد أو الدقة أو الجدية.. الإعلام الساخر وسيلة متعارف عليها للتعبير عن الرأي بشكل حاد وصارخ، ومن هنا تعتمد ادواته على المبالغة الشديدة في رسم حدود وأبعاد الفقرة، وعلى التكرار، وأيضا على تناول المواقف من زوايا لا يراها إلا هذا النمط من الإعلام، وعلى التناقضات التي يملك أدوات الكشف عنها وعرضها لانتزاع الضحكات أو رسم البسمات.
الإعلام الساخر لا بد له أن يوازن بين مسببات الضحك وتفجير الفكاهة وحلاوة الموقف وطلاوة الجملة من ناحية، وتعميق قيمة النقد ومراعاة الموروث الثقافي والحفاظ على التقاليد والأعراف من ناحية ثانية.
يتساءل الكثيرون..
لماذا ضاق النظام الحاكم في مصر بعد 30 يونيو بهذا الإعلام الساخر، بعد أن تعايش معه المجتمع لأكثر من عام، وكان يرحب به وينتظره ويهلل له ويؤيد كل ما يرد على لسانه، ثم ضاق به فجأة؟ لماذا لم يتحمل نبرات النقد التي كان يهلل لها من قبل،
لماذا لم ينصت مجلس إدارة الفضائية التي تبثه إلى صوت العقل، ويمعن النظر في معنى مسارعة الحكومة والمؤسسة العسكرية إلى الإعلان ان ‘مشكلة الوقف’ مسألة داخلية بينها وبين الشركة المنتجة، قبل أن يصدر بيانه إياه؟
المجتمع المصري بأطيافه السياسية ومنظماته المدنية وتجاربه المجتمعية افترض فوراً ان جهة سيادية ‘ما’ أصدرت تعليمات ‘فوقية’ لوقف باقي الحلقات.. أو أن صاحبة الامتياز تعرضت لضغوط ‘ما’ أوحت إليها بوقفها بعد حلقة مساء الجمعة 25 أكتوبر الماضي التي أثارت عاصفة من الانتقادات من جانب الذين رأوا ‘أنها خرجت عن النص وأساءت إلى البلد وإلى مؤسسته العسكرية’، بل هناك من خون باسم يوسف واتهمه بالعمالة، ووصف ما قدمه بأنه يهدد الأمن القومي ويتعارض مع أهداف ثورة 30 يونيو.
أشهد أن تلك الحلقة قلبت المزاج المصري بأسرع مما كانت تتوقع اشد القياسات قدرة على التنبؤ، فتحول باسم خلال ساعات معدودة من شخصية إعلامية ذات تأثير إيجابي مقبول ومُرحب به في حقل مناوئة حكم جماعة الإخوان، إلى معاد للثورة وللمؤسسة العسكرية، وأضحت فقرات حلقات برنامجه الكاريكاتورية الصاخبة الموحية بالثقة في القدرة على التغيير الثوري النضالي إلى محرضة على الجريمة ومشاركة في تشكيل عُصابي يجب تقديمه إلي المحاكمة العاجلة!
الفارق الوحيد بين الاستقبال الجماهيري لحلقات ما قبل 25 اكتوبر وتلك الحلقة هو أن ضربات ‘تحت الحزام’ التي كان يتلقاها مقدمها وفريق الإعداد كانت معروفة المصدر والحجم، أما بعدها فالأمر جد مختلف من حيث الكم والنوعية.
لكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن المتابع المحايد هي أن هذه الحلقة حذرت من خطر الإرهاب المادي والمعنوي، وحددت أن مستقبل هذا الوطن هو الذي سيدفع ثمناً باهظاً إن لم يعطه جل اهتمامه. وقالت بوضوح انه أصبح من المستحيل سداد فاتورة هذا الإرهاب من دم الأبرياء الذين يحلمون بدولة مدنية حديثة يحكمها القانون وحده.
فهل مصر تمهد لإحياء منهج قمع الحريات الإعلامية مرة ثانية، بعد أن تمكنت ثورتا 25 يناير و30 يونيو من كسر حاجز الخوف؟ أم أن قرار وقف حلقة البرنامج التي كان من المفترض ان تبث مساء الجمعة 1 الجاري صدر عن مجلس إدارة فضائية CBC تزلفاً للنظام الحاكم، وفي المقدمة المجلس الأعلى للقوات المسلحة؟
بحسبة بسيطة..
أقول من واقع ما عايشته على امتداد الأسبوع الماضي بحكم التجوال في أنحاء متفرقة من العاصمة المصرية، ان الخاسر الأكبر هو الفضائية صاحبة الامتياز لأنها بوقف الحلقة ‘المعضلة’ أعادت إحياء ‘تابو عدم الاقتراب أو التصوير’.
لا خلاف على ان القطاع الأكبر من ابناء الشعب المصري اصبح محبا للفريق السيسي بصفته ‘المنقذ’ من ظلامية حكم فاشي كان يصعب التخلص منه لولا تأييد المجلس الأعلى للقوات المسلحة لثورة 30 يونيو.. لكن خلافنا حول من يريد أن يخرس كل الألسنة باستغلال حالة الاستقطاب التي تزيد من عنف قبضتها حول عنق المجتمع، باستخدام وسيلة الإرهاب بكل صنوفها، وعلى رأسها الفكري والإبداعي..
من هنا نحذر بصدق..
محاولة الإخراس والترهيب لن تجدي نفعا.. مخططات التزلف لن تفيد..
لماذا؟ لأن كافة البرامج النقدية سواء كانت من فصيلة الكاريكاتير الساخر أو الحوار الإيجابي البناء أو غيرها من البرامج، التي رفعت بعد يناير 2011 شعار خدمة المواطن وتنمية مهاراته ووعيه المعرفي على كل ما عداه من شعارات، لن ترهبها مثل هذه الادعاءات الباطلة ولن تتأثر محاربتها للفساد والإفساد بمخططات تبويس الأيادي أو اللحى، لأنها شاركت بفاعلية في ترسيخ مبدأ الحريات، وعلى رأسها حرية التعبير، وستعمل قاطبة على ألا يستنسخ عصر مبارك وتحالفاته المنافقة للسلطة مع البعض من وسائل الإعلام الخاصة المقروءة والمرئية مرة ثانية أبداً..
وأقول..
الرابح حتى اللحظة بعد جولتي تغير ثورية أولاهما في يناير 2011 وثانيهما في يونيو 2013 رغم كل المعوقات، هو القطاع الأكبر من الشعب المصري.. وعلى طوائفه الاجتماعية جميعا وكل أطيافه السياسية والحقوقية ألا تسمح بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
وهذا ليس بالمستحيل..

‘ إستشاري اعلامي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية