■ ينتمي كتاب «أحلام باصورا» منشورات الجمل / ط1/ 2016 للقاص محمد خضير، إلى النصوص التي لا تحمل اسم جنس أدبي محدد، فهي نصوص أدبية تستثمر الحلم تقنية لها، بالعلاقة مع أحلام كتاب باصورا المعاصرين، محمود عبد الوهاب والسياب ومحمود البريكان ومهدي عيسى الصقر، إضافة إلى كوكبة الحالمين من شتى بقاع الأرض.
أهمل الكاتب تجنيس كتابه، مؤكدا في حاشية الكتاب، على أنه أخرج هذا الكتاب باعتباره (خزينا عميقا من الهواجس السردية عمره ستون عاما متقدما من أعوامي) فهو كتاب يعادل العمر الزمني للكاتب، ويسرد سيرة حياة مدينته، التي اتخذت لها أسماء كثيرة عبر تاريخها الطويل (بصرياثا، تردن، باصورا…) وفيه يتحرى ويسترجع (الطبقة المفقودة من البصرة الأولى) عبر تحولاتها خلال العصور بعناوين دالة: (الطريق إلى باصورا، بريد باصورا، معجم باصورا، خطوط باصورا) ثم (الكشكول السرياني) الذي يتيح للسارد/ المؤلف البحث عن أخطائه النحوية وجذور كلماته العربية التي تلزمه (الدوران في فلك الكوكبة السريانية والجولان بين السلالات المسيحية التي هاجرت من مملكة ميشان الآرامية الجنوبية، واستوطنت باصورا) ويحمل الكشكول السرياني أطوار: (تأسيس الصناعات الحديثة) وطورها الثاني المسمى (طور الطباعة والتأليف الأدبي) وطورها الثالث (طور التمدن والتحديث الفكري والاجتماعي) وكلها اختصت بها البيوت الآرامية (التي حلت فيها ثقافتها المحملة بتقديس الدور والديار، وتوسيعها وطبعها بـ(داغ) المحبة والسلام). وهي عبارة تستدعي المسكوت عنه في سجلات تاريخ هذه المدينة.
ثم يختصر الكشكول السرياني بـ(نص تنافذي) منسوب إلى الحكيم الآشوري أحيقار (يشبك أواصره بحكمة لقمان في النص القرآني (يقول فيه…) يا بني أحن رأسك ورقق صوتك وكن بشوشا وامش في الطريق المستقيم ولا تك أحمق).
وكتاب «أحلام باصورا» يستدعي تاريخ المدينة عبر ثوابتها، التي لم تنل منها حركة الزمان وتقلباته فبدت كصورة فوتوغرافية متحركة متمثلة (بخطوات مؤذن هرم يقصد مكان الأذان خمس مرات في اليوم، أو أصابع تضفر خوصات لدنة في سفيف زنبيل ومروحة وحصير أو ..). والكتاب امتداد لمجموعته القصصية «رؤيا خريف» الصادرة عام 1995 التي استثمر فيها (الرؤيا) لبناء مدينة خيالية تطمح إلى تأسيس واقع خيالي مفترض، تحكمه قوانين وأعراف فنية، كما أن هذا البناء نفسه يحتكم إلى تقنية الحلم، وهو نزوع أصيل لدى القاص محمد خضير منذ صدور كتابه النقدي «الحكاية الجديدة» الذي كان استباقا لحلم القاص بكتابة قصصية مختلفة تهتم بإنشاء عالم جديد وشجاع «سيبقى حلما نائيا على أرض الواقع التاريخي، مجتمع خال من الاضطهاد والاستغلال» – (الحكاية الجديدة) يكون فيه (المثال اليوتوبي ينأى عن قرينه الواقعي التاريخي مكتفيا بوجوده (رؤيا) أو (فكرة) لم يحن وقت تطبيقها) (المصدر نفسه).
لقد كانت مجموعة «رؤيا خريف» مثالا على بناء عالم خال من العسف والاضطهاد بتقنيات مبتكرة أهمها (هجانة اللغة) التي تستفيد من اللغات المجاورة للغة القصصية كلغة الحكمة والفلسفة واللغة الصوفية وغيرها، وبتناصات لغوية ورؤيوية مع الفلاسفة المسلمين أمثال، ابن سينا وفريد الدين العطار وإخوان الصفا وغيرهم، وكذلك استثمار سارد جديد موكول بسرد الرؤيا أطلقنا عليه (السارد الرائي) إضافة إلى تقنيات جديدة ومبتكرة في تلك المجموعة (أنظر كتاب بناء مدينة الرؤيا في القصة العراقية القصيرة ـ جميل الشبيبي ).
لقد ولدت قصص «رؤيا خريف» في أجواء الحرب، واستثمرت الرؤى والأحلام تقنية رئيسة لها، وولدت «أحلام باصورا» في أجواء التفخيخ والتكفير والقتل، حيث اقترعت أحلام الكاتب محمد خضير بما (اقترعت عليه أحلام نجيب محفوظ على نقاهة الوعي المجروح في دهاليز الفكر الأصولي المتشدد، أما أحلامي فقد اقترعت على ما اقترع عليه العراقيون، على المستقبل الغامض الذي يلوح في لاوعي الطقوس اليومية للقتل والتكفير والتهجير)، وكلا الكاتبين ـ نجيب محفوظ ومحمد خضير ـ يسعيان إلى تجاوز هذا الواقع اليومي تجاه تخوم الحلم ومقاومة (حاجز اللاوعي الكهنوتي، يكشف اللثام عن تعبير يخطو باتجاه تحقيق رؤيا للحرية والنور).
يدخلنا القاص في أجواء الأحلام الملتبسة، حيث الأزمان وهي تتداخل، والشخصيات وهي تنسخ أحدها الآخر، والأحداث وهي تتخذ صفة الغموض ولا معقولية حدوثها، مستثمرا لغة هجينة تتناص مع هجانة اللغة التي اعتمدها في مجموعته الثالثة «رؤيا خريف»
وفي أحلام باصورا، يدخلنا القاص في أجواء الأحلام الملتبسة، حيث الأزمان وهي تتداخل، والشخصيات وهي تنسخ أحدها الآخر، والأحداث وهي تتخذ صفة الغموض ولا معقولية حدوثها، مستثمرا لغة هجينة تتناص مع هجانة اللغة التي اعتمدها في مجموعته الثالثة «رؤيا خريف» التي يغادر القاص فيها لغة الوصف، وتحري منعطفات المكان وتفاصيله الدقيقة، في أغلب قصص مجموعتيه «المملكة السوداء» و«في درجة 45 مئوي»، وتستقي هذه اللغة مفرداتها بالتناصات اللغوية مع اللغات الأدبية وغير الأدبية، كلغة الحكمة والفلسفة والملحمة بما يسمى بتهجين اللغة.
وفي «أحلام باصورا» ينهض السرد عبر سارد مفارق للساردين في القصص الواقعية، فهو متخصص هنا بسرد الأحلام والمنامات والرؤى (متخصص بسرد الرؤيا) له معرفة تفصيلية ببواطن الأشياء وحركة الزمن وتقلبات المصائر، ربما يكون شخصا إنسيا يحمل أسماء السياب ومحمود البريكان والصقر ومحمود عبد الوهاب وغيرهم، أو شخصية من شخصيات الأعمال الأدبية كالسروجي مثلا أو شخصا غامضا كما في الرجل السري (كنت كما أنا اليوم واقفاً في مكاني، ظاهراً للعيان مثل قضيب حديدٍ في نافذة جدارٍ خارجية تناوشتْها عواملُ الزمن القاسية بالتعرية والصدأ والليّ والنَّزْع في مختلف الاتجاهات)، وغالبا ما يرتبط سرد المنامات والأحلام في حكايات هذا الكتاب بالكوابيس، وتداخل الأزمنة والشخوص واستعارات من الواقع المعيش تجعل السرود متزامنة مع بعضها.
في حلم الشاعر بدر شاكر السياب (شاعر باصورا) يعتني القسم الأول من الحلم برؤيا الشاعر وهو يقف أمام باب الله، مع صف طويل من البشر: أمام باب عظيم (ثقيلا بمسامير ترصعه، ثابتا في السور تحت عقد شاهق يتوجه)، وحين تفتح الطاقة يرى (فناء فسيح، مبسوط بيد الخفاء والسكينة ممدود بخفقات الأنفس التي انتهت أعمارها واختفت عن الإبصار) وهي رؤيا تجسد عالم الطمأنينة والأنوار، بعيدا عن الأرضي، فالطاقة المفتوحة عن بشائر الضوء، كما يرى غمرت وجهه بانعكاساتها، وهي علامة على الراحة الأبدية التي تمناها الشاعر في محنته مع المرض، ويلاحظ أن سرد هذه الرؤيا كان بمفردات تتناص مع اللغة الصوفية. أما حلمه الثاني المسمى (الحياة اللذيذة) فهي مجرد تمنيات لم يستطع الشاعر أن يعيشها فعلا، وتسرد بمفردات السرد المألوف.
وفي (طبعة الكف) تشتغل تقنيات الحلم بإزاحات ومجازات واضحة تجسدها اللغة الهجينة ومحمولاتها، حين تؤكد الشخصية/ السارد (عندما شاركْتُ حالمي باصورا لعبةَ طبْعة الكفّ، كان عمري قد تجاوزَ الألفَ عام. صمّمْتُ نسخةً ورقية من طبعة كفّي اليسرى، ملأتُ فرجاتها بالأعداد وضاعفتُها حتى بلغَتْ ألفاً وثلاثمئة، وهذا هو عُمري المقدَّر لمنافسة الباصوريين الذين يقدّرون أعمارَهم المئوية والألفية على حساب الأعداد المضاعفة بين فرجات الأصابع، تبعاً لكل حال).
وفي هذا الحلم يستثمر القاص لعبة (طبعة الكف والقدم) وخلالها تتكشف عبر هذه اللعبة مصائر وحظوظ سكان باصورا، وما ترمز إليه خطوطها المتعرجة الكثيرة، وكأن القدر والمصير متلبس بالإنسان منذ ولادته وحتى مصيره المحتوم (طبعة الكفّ، ومثيلتها طبعة القدم، أيقونتان موزونتان موازيتان لحقيقتيّ الحياة والموت، وشيوع لعبتيهما في أحلام أهل باصورا دليل على تعاقب الأجيال وتوارث الأحلام).
وإذا كان حلم (طبعة الكف) قد توغل في سرد المخبوء والمخفي عبر علاقة معقدة بين خطوط اليد اليمنى أو اليسرى، وبين الحظوظ والمصائر التي تجسدها الحروف العربية (هنا حرف الحاء) فأنه يشير إلى تناصات مع اعتقادات المتصوفة والعرفانيين القائلة (لكل حرف من الحروف الهجائية معنى مرتبط بالذات الإلهية، أو بالكشف عن أسرار الكون، أو بالإشارة إلى درجة من درجات الطريق للوصول إلى الله، أسرار الحروف في «العربية»- نبيل سليمان شبكة الإنترنت) وهو بذلك يفتح طريقا رحبا للتأويل والقراءة المتنوعة لهذا النص الإشكالي.
إن أحلام باصورا تحتشد بضغوط الواقع المعيش في مدينة معاصرة هي البصرة، وتستقي من حالميها الأحياء والموتى سبيلا للصعود إلى تخوم الأحلام والرؤى، وقد (تجردت من حواملها التاريخية وولدت على صفحات حلم منطو في دماغ الحشود المتدافعة على رسلها).
وهو تطلع إلى عالم يمنحها (هوية الوجود الحر المطمئن بما أملك من تفويض سردي مختوم بختم اللمحة الأبدية) ومع هذا التطلع النبيل للقاص لحماية مدينة باصورا من دناءات الإنسان، فإن أحلام مبدعيها تبدو حتى في معظم حكاياتها عصية على أن تأخذ شكلها الحلمي الساحر والجميل لتبدو هذه الأحلام كوابيس وأضغاث أحلام.
٭ كاتب عراقي