«باص أخضر يغادر حلب» لجان دوست: في الحرب كلكم شياطين

بهاء إيعالي
حجم الخط
0

المرور على صفحات رواية جان دوست «باص أخضر يغادر حلب» لا يختلفُ أبداً عن المرور على أزقة حلب وشوارعها في الفترة الزمنية التي تتحدث عنها الرواية، تحديداً زمن حصار حلب الشرقية ومعركتها الكبرى أواخر عام 2016، هنا ازدواجية لونية تظهر واضحة في النص، بدايةً اللون الأخضر الذي يرمز لانتصار القوات الحكومية بباصاتها الخضراء وللخلاص المنشود للمدنيين المحاصرين عبر الباصات نفسها، واللون الأحمر العابر لصفحات النص الروائي من خلال الدم المسفوك جراء هذه الحرب الشعواء.
تبدأ الرواية بموت عبود العجيلي وتنتهي به، أي أن الزمن الذي يعبر به النص هو الزمن الذي يعبر به الباص من حي السكري، حيث استقل «أبو ليلى» الباص إلى معبر الراموسة حيث يوقفهم الحاجز ليسأل عن هوياتهم، وهنا يموت عبود. غير أن هذه الدائرة الحكائية الضيقة لا يلبث الوالج فيها أن يستشف عوليسية جديدة (نسبة لرواية عوليس لجيمس جويس)، أي فتح اللاوعي الذي يستعيده عبود، من خلال ذكرياته مع زوجته وأبنائه الأربعة وابنته ليلى وحفيدته ميسون، والأولى والأخيرتين كنّ الأكثر حضوراً في مجرى الحكاية، أكان في استعادة الجد لموت حفيدته ورؤيتها نصفين إثر انشطار جسدها جراء شظية برميل متفجر، أو لحظات تهريب ليلى وأولادها من منبج، أحد معاقل «داعش» وإصابتها بالجنون والخرس بعد موت ابنتها، أو وفاة زوجته نازلي، إثر قصف المستشفى، حيث كانت تجري عملية الزائدة الدودية.
لا يتورع صاحب «دم على المئذنة» عن مهاجمة جميع الأطراف المتحاربة في الرواية، فهو لا ينتصر إلا للمدني الأعزل، الذي هو المتضرر الأكبر من هذه الحرب، وكأن شخصية عبود العجيلي وعائلته، تمثل بنظره كل فرد سوري لم يكن له أن يختار هذا الخراب الأممي الكبير الذي حصل في بلاده، ولم يكن له خيار الخلاص منه، بل هو مقتول من طرفي الحرب في الآن، طرف القوات الحكومية التي تقصف أحياء المدينة بلا هوادة بالصواريخ والبراميل المتفجرة، وطرف الفصائل المسلحة المعارضة التي تتحصن بالمدينة، وتحتكر المواد الغذائية رافعةً أسعارها. سكينتان لجريمة واحدة، وما العبور بين شقي مدينة حلب إلا كمن يفكر بخوض مغامرة الانسلال بين الطلقة والأخرى. ونجد أن الرواية هي رواية مدينة حلب وريفها، فتحضر تفاصيل المدينة وأزقتها وأحياؤها (حي السكري، سوق الزهراوي، حي صلاح الدين، الجامع الأموي…) وكذلك تفاصيل الحياة اليومية السورية والحلبية (السرافيس، الأغاني، السندويشات…) لكن المكان هنا هو مكانٌ كابوسي بامتياز، فالحرب قابعة على صدره وتنهش جسده، وشغل جان هو نقل الوجه الكابوسي لتلك الحرب ومخلفاتها، من قتل ودمار وخراب وسلبٍ وجوعٍ ويتم وانخفاض لقيمة العملة، ومع ذلك نلاحظ أن دوست يحاول نقلَ بعض الإيجابيات في نصه، من خلال حب الحلبيين للحياة، رغم تحول الحرب لخبز يومي (تشغيل الأغاني في الباص مثلاً)، كذلك ينقل صورة براءة الأطفال من خلال شخصية ميسون التي لا تفكر إلا بعيد ميلادها رغم الحصار، وتطلب شمعات لأجل قطعة الحلوى الخاصة بالعيد، وتنزل مع باقي الأطفال لتلعب، غير أن الحرب لا ترحمها، الحرب لا تميز الوجوه أساساً.
ولو أن النص يبدو لنا أول الأمر بلغةٍ تقريرية توثيقية، غير أنها لا تلبث أن تمسك بنفسها آخذةً سرديتها الممتعة والموحشة في آن معاً، فيبدع جان في الاشتغال على تفاصيل شخوص روايته، بحيث اختار لكل واحد منها مصيراً يليق بها، بشكلٍ متقن ومدروس، فنجد أن كل واحدٍ من أبناء عبود يموت موتته، ويعود في ذاكرة عبود شيئاً فشيئاً بكامل تفاصيله وملامحه، هذه الملامح التي لا تلبث أن تختفي بكاملها، مع اختفاء وجه عبود في المرآة لما بدأ يشعر بموته. كذلك اشتغال دوست على تفاصيل الحدث الكابوسي بواقعيةٍ صرفةٍ تشوبها بعض اللمحات الفانتازية في توصيف الحرب والموت، وذلك بشعرية جريئةٍ تمزج اللغة الشائعة بلغة المعاجم العربية، وتتجاوز السرد الجاف، وتعطي للحدث أهميته، بالتخيل اللغوي وإكساب العبارة صورة أعلى من العابر واليومي وحده، وهذا ليس بغريب على صاحب «كوباني-الفاجعة والربع» الذي بدأ من الشعر بكتابه «قلعة دمدم»، وقاده الشعر رويداً نحو الرواية.
إذن الرواية هي تصور جديد للحياة اليومية في حلب خلال تلك الحـــــرب التي ترددت المدينة بالانزلاق في أتونها، غير أن هذا الانزلاق كان وخيماً، وعبود وعائلته ليسوا استثناءً فيها، بل كانوا صورة شاملةً لأرض لم يترك الموت باباً إلا ودقه قائلاً للقاطنين خلفه: هاتوا اللي فيه النصيب.

٭ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية