إحدى بنات لوتشيانو بافاروتي الثلاث قالت، إنها كانت تظن في صغرها أن أباها لصّ ومحتال. «في حقيبته التي يذهب بها إلى عمله كان يخبئ شَعرا مستعارا ولحية مزيفة وشوارب وثيابا غريبة». كان هذا في بداية إحيائه لحفلات الأوبرا، لا بدّ، طالما أنه كان يحمل معه لوازم عمله. تلك الابنة كانت صغيرة على أي حال، لا تستطيع التفريق بين أن يكون والدها رجلا آخر مختلفا على المسرح. في أحد العروض، وهو الأول الذي سُمح لها بمشاهدته، صرخت «بابا…» مذعورة حين رأته يسقط صريعا في آخر العرض. كانت تلك واحدة من اللحظات الطريفة في الفيلم*. لحظة أخرى كانت مع ابنته من زواجه الثاني حين زعقت هذه باكية وهو يلاعبها بأن يطلق في وجهها صوته الأوبرالي الراعد.
ذاك التماثل بينه وبين أدواره كان يشغله هو أيضا. تعريفه للأوبرا بأنها «الشغف ثم اليأس ثم الموت» انطبقت على تقسيمه المفترض لحياته، على الرغم من أنه عاكس ذلك التدرّج، بأن أطال المرحلة الأولى منه، بإقامته علاقات غرامية كان آخرها زواجه من فتاة تصغره بأكثر من ثلاثين عاما. لكنه، مع ذلك، كان متماهيا مع أدواره الأوبرالية، وإن دافعا شغفه بالحياة، المصاحَب بطموح لا يكلّ، لتشمل السنوات الأخيرة من عمره. كان عليه لذلك أن يصل بالغناء الأوبرالي إلى الحد الذي يعلو قمّته. كان هذا فنّا قديما، لهذا كان عليه أن يتخطّى أو يذهب إلى ما بعد كونه التينور الأكثر شهرة في العالم، لكي يصير نجما مشهورا في العالم. وهو لذلك لم يكتف بتلك المدائح التي كانت تكال له من فناني الأوبرا ونقادها، في إيطاليا وفي سواها، بل كان عليه أن يرفع ذاك الغناء نفسه ويعيده حيا من جديد. عند ظهوره الأول أمام الفرقة الموسيقية من دون دور تمثيلي أدائي، كما في الأوبرا، وحده من دون ممثلين مرافقين، كما من دون تنكر بأزياء الزمن الإيطالي القديم، قال إنه شعر كما لو أنه دُفع ليقف أمام الجمهور العريض المنتظر من دون شيء يحتمي به، «لم أعرف ماذا أفعل بيديّ»، قال، لكن مدير أعماله نصحه بأن يحمل تلك الفوطة البيضاء الكبيرة يُشغل به يديه (بما يعيد التذكير بأم كلثوم التي لطالما تساءل جمهورها عن حملها لذاك المنديل في جميع حفلاتها).
هناك الشغف في البداية، ذاك الذي كان يشعل طموح المعلّم الابتدائي، ابن الفرّان، وهو يصعد درجة درجة ذلك السلّم الذي أوصله إلى المجد.
من أجل أن يرتفع ذاك الفن القديم إلى سطح العالم سعى إلى إقامة ذلك الحفل الذي جمعه، في التسعينيات من القرن الماضي، مع بلاسيدو دومينغو، وخوسيه كاريراس الذي كان قد قال له بافاروتي حين عاده بعد علاجه من السرطان: «ذاك المرض كان سيتركني من دون منافس». كان الغناء الأوبرالي قد بلغ الذروة في اتساعه حاظيا بمستمعي الأجيال الجديدة. وبافاروتي لم يتوقف هناك على الرغم من النجاح العالمي الذي حققه ذلك اللقاء الثلاثي. ففي فترة لحقت أحيا حفلات جمعته مع مغنّي البوب الأكثر شهرة في العالم، معرّضا بذلك سموّ الأوبرا إلى فنون لاشرعية لها إلا شغف الأجيال الجديدة بها.
وفي الفيلم الذي صوّر مقاطع كثيرة من تلك الحفلات، ساعيا إلى أن تكون الموسيقى والأغنيات جزءا أساسيا مما يقدّمه لجمهوره، كان يبدو بافاروتي فرحا مهنّئا مَن حوله كأنه يعلن بذلك نجاح كل من هذه التجارب بل وانتصارها. في هذا الجزء الثاني من شهرته العالمية يظهر بافاروتي، إضافة إلى نجاحه الفني، منشئا مؤسسة فنية ما لبثت أن اتجهت إلى إقامة حفلات لمساعدة أطفال العالم وفقرائه.
على غرار ما هي الأوبرا، حسب بافاروتي، جرت مراحل الفيلم الوثائقي عن حياته. هناك الشغف في البداية، ذاك الذي كان يشعل طموح المعلّم الابتدائي، ابن الفرّان، وهو يصعد درجة درجة ذلك السلّم الذي أوصله إلى المجد. في مطلع الفيلم، نشاهده واقفا أمام ذلك المبنى الضخم، لكن الخالي إلى حدّ أن حارسه فقط كان حاضرا هناك ليفتح الباب للزائر الذي، بعد أيام لحقت، سيغنّي هناك، حيث غنّى كاروسو قبل مئة عام. كان يعلم أنه وريث التينور الأسطوري، الذي كان، حيثما حلّ تحتشد عشرات الألوف لسماعه، لكن، وعودة إلى مراحل الأوبرا الثلاث، كان لا بد من وصول الفيلم إلى الحلقة الثانية حيث لم نعد نشاهد بافاروتي إلا حزينا يائسا. اختفت ضحكته الطلقة المنفتحة على العالم من حوله، أو هي بدت متردّدة إلى حدّ أنها بدت عصية على الاكتمال.
في إحدى حفلاته الأخيرة، في بريطانيا، ألقى الكثيرون بملاحظات، بعضها قاس، عن تراجع صوته وعن تعثّره في الوصول إلى درجة «سي» الذي كان مشهورا بإبداعه في بلوغها، ثم انكسار فرحته بعد زواجه الثاني، حيث الصحف وضعت ذلك في مصاف الفضيحة. أما الجزء الثالث، أو المرحلة الثالثة من مراحل الدراما، فسرعان ما جاء به سرطان البنكرياس الذي قتله وهو في عمر السبعين.
*فيلم بافاروتي الوثائقي لرون هاورد ظهر في يونيو/حزيران من هذا العام ويعرض الآن في صالة سينما صوفيل في بيروت.
٭ روائي لبناني