بالأبيض فقط!
خيري منصوربالأبيض فقط!ليست النوستالجيا وحدها هي ما يوقظ الحنين من سباته ويشحذه باتجاه الماضي، عبر قرائن مختلفة، تتقدّمها الرّوائح والمشاهد والأزياء، لأن الحاضر أحيانا يكون بمثابة زنزانة كلّما ضاقت مساحتها اتّسع الخيال، وأفرط في تعظيم الصغائر بحيث تتحول الحبة الي قبة، وهذا ما تنبّه اليه ريجيه دوبريه بشكل لافت، عندما كتب عن يوميات السّجن حيث يتحوّل الوعي الي شفرة ويصبح المتر المربع بسعة كوكب، فالهواء يتحوّل الي مطلب دونه المطالب كلّها عندما يشحّ وكذلك الماء.. والحرية..ولا أدري لماذا ينصرف ذهن الناس الي عقد الستّينات من القرن الماضي، كلّما أومض الحنين الي مناخات انسانية محرّرة من هذه الاكاسيد الخانقة، ألأنه العقد الفريد في أقصر قرون التاريخ كما يقول شهود القرن العشرين الذي بدأ بعد عقد من ولادته… وانتهي قبل عقد من موعد نهايته، والقوسان اللذان حشر بينهما هما الحرب الكونية الاولي.. والحرب الباردة… ويحق لهؤلاء الذين تزاوجت بالنسبة اليهم فوبيات العقد الفريد مع اجتراحاته الآسرة علي صعيدي الابداع والثورة أن يفرطوا الكثير من الورد علي شاهدة خضراء!ان بعض الناس من سريعي التأقلم مع الطوارئ والأرشق في تغيير عاداتهم كما لو أنها ثياب داخلية يرون في أي التفات الي الوراء شروعا في هزيمة، وفرارا من زمن يتحدي قدرتهم علي المواكبة والتأقلم، لكن التاريخ منذ بواكيره كان ملغوماً بمثل هذا الحنين الي ما مضي، وقد يكون تقسيم هزيود الشهير للأزمنة المتدرجة من الماسي فالذهبي والفضي الي النحاسي والقصديري، خير شاهد قديم علي اعتقاد الانسان بأن ما مضي هو الأبهي، وان كان هناك شاهد معاصر يقف علي النقيض من هزيود فهو الشاعر ناظم حكمت الذي قال بأن الأجمل لم يأت بعد.. وان كان هناك شهود آخرون غير حكمت مثل كفافي اليوناني رأوا أن الأجمل والأبهي هو ما لا يأتي علي الاطلاق لأن الطريق أجمل من الوصول، سواء كان باتجاه ايثاكا أو بيلارس أو أية مدينة أخري اقترن اسمها بالخلاص!والمسألة اكثر تعقيدا مما يسمي صراع الاجيال والحساسيات، لأن ما جري للبشرية في العقود الأربعة الغاربة كان في بعض جوانبه انقلابا كوبرنيكيا علي أصعدة علمية وثقافية واجتماعية.وما استغرقه التاريخ في تطوّره البطيء أصبح مضاعفا مئات المرات في هذه الحقبة ولا ندري ما الذي كان سيقوله الشاعر الالماني ريلكة لو عاش في أيامنا وهو الذي قال في زمنه… ان الناس يموتون قبل أن يتقنوا عادات تعلّموها… وأنهم ماضون كالسهام من مهودهم الي لحودهم!!ويستطيع القاريء ان يعثر علي نصوص عديدة منها الشعري والروائي والمسرحي التي انجزت في هذه الآونة، وهي أشبه بوثائق زوال وبيانات نعي للانسان الذي فقد ارادته، وتحوّل الي شيء محمول علي سطح تيار ما كجذع شجرة مخلوع من جذوره!ہہہان الموضوعات الكبري والخالدة كالموت والحب والحرب لم تعد أقانيم تراجيديا عصرية، أو حتي علامات بارزة في تاريخ ثقافة رضخت لواقعٍ نتف ريشها وأفقدها الجناحين اللذين طالما حلّقت بهما عاليا نحو منابع الأسطورة، وقد يكون الاعتراف بأن عصر الأبطال قد ولّي… وأن العادي والمألوف هو البطل المنسي والمفتري عليه سبباً في تعميم رؤي أفقية، استبدلت سؤال التاريخ بما تجود به الجغرافيا من اقامة لا تتخطي الضرورة.وقد يكون من قبيل الاختزال والدفاع عن الكسل الذهني القول بأن ما انتهي اليه كوكبنا من أحادية القطب، وما تبع ذلك من عولمة تتأسس علي التدجين ومحو الفوارق هو سبب هذا الاستنقاع الذي نشكو منه جميعاً وبمختلف اللهجات واللغات… ونستغرب احيانا كيف لا يحظي اقتصاد المعرفة باهتمام مماثل بموضوعات نقدية تقليدية، وهو الفاعل الأهم، والخفيّ أحيانا، ما دامت أنماط الانتاج قد شملت محاصيل لم تكن مدرجة في قوائم الاقتصاديين والساسة قبل نصف قرن.فالحروب الآن نمط انتاج، خصوصا حروب ما بعد الحداثة التي تصنّف بأنها حروب استباقية او اجهاضية، وشهادات الزور نمط انتاج آخر، اذا تذكّرنا سلالة من المثقفين الذين وثبوا برشاقة بين عدّة ايديولوجيات وأحزاب، لاعلان التوبة وتقديم طلبات انتساب الي الأندية الجديدة… ويبدو ان العدميّة التي افرزتها العقود الأربعة الأخيرة ليست بالوضع الكافي للرّصد، فهي تتم احيانا بالايحاء وببث مناخات نفسية وثقافية يتولي الاعلان وفلسفته رعايتها وتغذيتها.والعدمية الجديدة، ليست تحديا معرفيا يستحث الانسان علي ابتكار المعني والهدف، لأنها عدمية مجانية، وخرقاء، ولا أثر للرواقيّة فيها، والأرجح في تفسير هذا الافراز السّام للتاريخ هو التعويم الذي لم تسلم منه حتي المعاجم والمصطلحات، بحيث جري ما يشبه التجويف لكل شيء، وأصبح قابلا لأن يقول الشيء ونقيضه، وأصيبت اللغة بما يسمي (الانتحاء)، أي ضرورة وجود قرائن ونعوت لا آخر لها كي يصبح الكلام قابلا للفهم والتداول، وهذا ما تنبأ به قبل أكثر من نصف قرن اورويل في روايتين وعدة مقالات، وان كان التاريخ قد خذله وقدم نموذجا مغايرا، ان لم يكن مضادا لتوقعاته، فالتوتاليتارية التي افرغت المصطلحات من معانيها، وخلطت حابل الحرية بنابل الاحتلال هي الرأسمالية في أقصي درجات توحّشها، وكما تتجسّد الآن في المارد الفولاذي الأعمي أو الولايات المتحدة ! كما يشهد بذلك من يصفون أنفسهم بأنهم الدودة الشريطية الهاجعة في أحشاء الوحش، ومن أطلق هذه العبارة هو جيري روبين أحد زعماء حركة الييبز المناهضة للحرب الفيتنامية في السّتينات من القرن الماضي …ہہہلا يخلو الحنين الي الماضي من اسقاطات، ومن نمط رغبيّ من التفكير، فالماضي لا يمضي تماما وله ظلال واصداء قد تمتد زمنا طويلا، حتي لو لم يشعر الناس بذلك علي نحو واضح وفي هذا الماضي الذي يبدو محررا من الأحزان لأن الذاكرة اصطفت منه ما يروق لها، بددنا أعمارنا، بعكس الحاضر الذي قد يبدو أشبه بكمين او سلسلة من الأفخاخ، أما المستقبل الذي يوصف علميا وخارج مدار العرافين فهو حاصل جمع ممكنات الرّاهن، وليست كلها قابلة للتحقق، خصوصا اذا حوصرت بعوامل اجهاضية تحول دون ذلك!فهل قدر الناس ان يجرّب، ليتذكّر او كما قال ماركيز ان يعيش ليروي؟ بحيث تستعاد التجارب وفق خبرة ومران لاحقين يعقبانها.مما يجزم بأن كلمة الآن هي فرضية تدحضها فيزياء الزّمان، لأننا ما ان نتفوّه بها حتي تكون قد مضت، وتسرّبت، تماما كماء النهر الذي لا يقطع مرّتين!ان أفعال الماضي الناقصة في لغتنا وفي لغات أخري، قدرها أن تبقي مفتوحة علي امكانات لا حصر لها، فالفعل الماضي التام هو قرين الموت وشارة انتهاء، اللهم الا اذا كان المقصود به الكينونة ذاتها.. فيصبح معني جملة من طراز كان فلان.. بمعني انوجد!الحنين الي الماضي اذن، هو بمعني ما حنين الي حياة عيشت بالفعل وليس بالامكان أو القوة فقط، لكن ما يجعل الماضي جاذبا للحنين هو صفاؤه، لأنه مقطّر في خلاصات لا يُعكّرها الراهن، الذي نتعامل معه يوميا وبحواسنا كلها.لهذا فان ما أعنيه باللون الأبيض فقط، هو احالة الي مصطلح سينمائي وتصويري معروف، هو بالأبيض والأسود، لأن كلا اللونين يحدد الآخر، ولولا جدليتهما، لامّحت الملامح.البياض اذن بكارة، ونبع، كندف الثلج قبل ان يعكره التراب، او كالقطن قبل أن يتحول الي ثياب ويبتل بالعرق الآدمي، لهذا فهو المرادف الشعبي للطهارة، والزي الرسولي، ولون حصان الحلم، ولون ثوب الزّفاف.هذا وان كنت أعلم ان الكتابة بالأبيض فقط، هي صمت آخر، ومونولوغ لا ديالوغ.ومبتدأ جملة كونية لا خبر لها.ہہہعلي رصيف عاصمة عربية، همس بأذني صديق متسائلا عما اذا كنت قد شاهدت طوال النهار امرأة ترتدي تنورة او فستانا !!لم اكن منتبها لهذه الملاحظة من قبل، وحين تنبّهت لها أحصيت ثلاث نساء فقط يرتدين التنورة او الفستان من بين الوف العابرات، وكان عليّ ان أعود علي الفور الي ما قبل ثلاثة او أربعة عقود، يوم كان البنطال النسوي نادرا، ووجدت ان الاحتكام الي ظواهر من هذا الطراز قد توصلني الي ما توصّلت اليه مثقفة امريكية عندما أعادت اسباب ثورة ايار (مايو) عام 1968 للكورسيه، وما يعنيه من سجن للجسد،ولو أسلمت ذهني لهذه المتوالية من التداعيات فقد لا انتهي عند حدّ، لأن الكتابة بالأبيض وحده كالتصوير بالابيض فقط، كلاهما يتحوّل الي مراوحة، او الي رقصة تحوّل الانسان الي نافورة، بحيث يسيل حول نفسه، وينفق من الجهد والعرق ما يكفي لقطع أميال لو كان يمشي.. ولا يرقص!ان أيامنا هذه عجاف بكل المقاييس، ولا يصلح معها مقترب تقليدي فاقد الصلاحية، هو صراع الأجيال، والهروب من صدمة الحداثة وما بعدها، فالاسباب التي أفرغت الحياة من شحناتها وبالتالي من الاحساس بجدواها موضوعية، بل قابلة لأن تقدم في جداول كالاحصاءات…وقد تكون رداءة الحاضر اذا فاضت عن كل الحدود سبباً آخر يضاف الي منظومة الاسباب الموضوعية لشحذ الحنين وامداده بخيال لا حدود له باتجاه الماضي الذي لم يمضِ، والذي يأتي أحيانا متنكّرا من الجهة الاخري، انها لحظة اشتباك بين غسق وشفق.. وعلي من شاهدوا البومة الهيغيلية تنعب في الأفق ان يبلغوا أصحاب الشأن، لأن كل ذهاب الآن مهدّد بأن يكون إياباً ونحن لا نعلم!!!0