بالحماسة‭ ‬الدينية‭ ‬أم‭ ‬بالمنطق‭ ‬والعقل‭ ‬كيف‭ ‬نقرأ‭ ‬التراث؟

عبد‭ ‬الواحد‭ ‬لؤلؤة
حجم الخط
0

أحسبُ‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬مصدرين‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬التراث‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬العربية‭ ‬هما‭: ‬الكتب‭ ‬المقدسة‭ ‬وكتب‭ ‬التاريخ،‭ ‬والتاريخ‭ ‬الأدبي‭ ‬على‭ ‬الخصوص،‭ ‬لأنه‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬الثابتة،‭ ‬لا‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الرواية‭ ‬والرواة‭. ‬فمن‭ ‬الكتب‭ ‬المقدسة‭ ‬لدينا‭ ‬التوراة‭ ‬والإنجيل‭ ‬وهما‭ ‬مرجع‭ ‬أصحاب‭ ‬الديانتين‭ ‬المسيحية‭ ‬واليهودية،‭ ‬وكلاهما‭ ‬ديانتان‭ ‬نشأتا‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬العربية،‭ ‬لكن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬التحوير‭ ‬والتأويل‭ ‬قد‭ ‬طرأ‭ ‬عليهما‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الغربي،‭ ‬ومن‭ ‬المؤسف‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬التحويرات‭ ‬قد‭ ‬وجدت‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬بلادنا‭ ‬فصارت‭ ‬لدينا‭ ‬كنائس‭ ‬مسيحية‭ ‬مختلفة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا‭. ‬أما‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬فهو‭ ‬المرجع‭ ‬الوحيد‭ ‬للمسلمين‭ ‬العرب‭ ‬وغيرهم،‭ ‬وهو‭ ‬مصدر‭ ‬رئيس‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬منطقتنا‭ ‬وتراثها‭.‬

أما‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬وكتب‭ ‬التاريخ‭ ‬الأدبي،‭ ‬فهي‭ ‬مرجع‭ ‬كبير‭ ‬آخر‭ ‬لتراثنا،‭ ‬ولو‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬وقع‭ ‬تحت‭ ‬تأثيرات‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬مزاجية،‭ ‬شخصية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭. ‬فمن‭ ‬أمثلة‭ ‬المصادر‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العبري‭ ‬الذي‭ ‬يتعلق‭ ‬به‭ ‬أصحاب‭ ‬الديانة‭ ‬اليهودية،‭ ‬والذي‭ ‬اتخذ‭ ‬صفة‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬وغدا‭ ‬غير‭ ‬مقبول‭ ‬لدى‭ ‬غير‭ ‬اليهود،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬نقرأ‭ ‬10،12‭- ‬28‭ ‬في‭ ‬التوراة،‭ ‬في‭ ‬سِفر‭ ‬يشوع‭/ ‬10،12‭-‬28‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يشوع‭ ‬كلّم‭ ‬الرب‮»‬‭ ‬واستطاع‭ ‬أن‭ ‬يأمر‭ ‬الشمس‭ ‬والقمر‭ ‬بالوقوف‭ ‬عن‭ ‬الحركة‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬انتقم‭ ‬الشعب‭ ‬من‭ ‬أعدائه‮»‬‭ ‬فدمّر‭ ‬يشوع،‭  ‬ممثّل‭ ‬الشعب‭ ‬اليهودي،‭ ‬أعداءه‭ ‬أهل‭ ‬أريحا‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬ورثة‭ ‬يشوع‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬اليوم،‭ ‬وهو‭ ‬تراث‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ممقوت،‭ ‬لكنه‭ ‬ماثل‭ ‬للعيان‭. ‬وثمة‭ ‬مثال‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬التوراة،‭ ‬سِفر‭ ‬التكوين‭ ‬32‭/‬23‭ ‬حيث‭ ‬نقرأ‭ ‬أن‭ ‬يعقوب‭ ‬صارع‭ ‬طوال‭ ‬الليل‭ ‬رجلاً‭ ‬وغلبه،‭ ‬وتبين‭ ‬أن‭ ‬المغلوب‭ ‬هو‭ ‬الله،‭ ‬وأن‭ ‬الغالب‭ ‬هو‭ ‬يعقوب‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬اسمه‭ ‬إسرائيل‭. ‬وتوحي‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬أنها‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تغلب‭ ‬حتى‭ ‬الله‭!‬

يا‭ ‬ترى‭ ‬كيف‭ ‬يجب‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭: ‬بالحماسة‭ ‬الدينية‭ ‬أم‭ ‬بالمنطق‭ ‬والعقل؟‭ ‬وكيف‭ ‬تواجه‭ ‬من‭ ‬يؤمن‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬يؤمن‭ ‬بإنسان‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يوقف‭ ‬الشمس‭ ‬والقمر‭ ‬عن‭ ‬الحركة،‭ ‬وآخر‭ ‬يصارع‭ ‬الله‭ ‬ويغلبه؟‭ ‬

ومن‭ ‬تراثنا‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬التاريخ‭ ‬والتاريخ‭ ‬الأدبي،‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬عبر‭ ‬العصور،‭ ‬الذي‭ ‬تشظّى‭ ‬إلى‭ ‬سنّة‭ ‬وشيعة،‭ ‬وخوارج‭ ‬ومعتزلة،‭ ‬ومُرجئة‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مذاهب‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التأويل‭ ‬والنظر‭ ‬العقلي‭ ‬دون‭ ‬القبول‭ ‬بحماسة‭ ‬الإيمان‭. ‬ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬قد‭ ‬طبع‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬عبر‭ ‬العصور،‭ ‬مما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭.‬

وفي‭ ‬التاريخ‭ ‬الأدبي‭ ‬ثمة‭ ‬أمثلة‭ ‬من‭ ‬الحيرة‭ ‬حول‭ ‬التعارض‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬والمنطق‭. ‬هذا‭ ‬مثال‭ ‬من‭ ‬أبي‭ ‬العلاء‭ ‬المعري‭ (‬363‭ ‬ـ‭ ‬449هـ‭ /‬973‭ ‬ـ‭ ‬1057‭ ‬م‭) ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬حيرته‭ ‬تجاه‭ ‬الدين‭: ‬أيقبَله‭ ‬بالحماسة‭ ‬أم‭ ‬يشكّك‭ ‬به‭ ‬بالمنطق؟

عَجِبتُ‭ ‬لِكسرى‭ ‬وأشياعه وغسِل‭ ‬الوجوه‭ ‬ببول‭ ‬البقر

وقول‭ ‬النصارى‭ ‬إله‭ ‬يُضَام ويُصلب‭ ‬حيّاً‭ ‬ولا‭ ‬ينتصر

وقولِ‭ ‬اليهود‭ ‬إله‭ ‬محِبٌ رشاشَ‭ ‬الدماء‭ ‬وريحَ‭ ‬القتَر

وقومٍ‭ ‬أتوا‭ ‬من‭ ‬أقاصي‭ ‬البلاد لرمي‭ ‬الجِمار‭ ‬ولَثم‭ ‬الحَجر

فوا‭ ‬عجباً‭ ‬من‭ ‬مقالاتهم أيعمى‭ ‬عن‭ ‬الحق‭ ‬كلَ‭ ‬البشر؟

المعري‭ ‬لم‭ ‬يرفض‭ ‬الدين‭ ‬ولم‭ ‬يشكّك‭ ‬به،‭ ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬معاصريه‭ ‬وبعض‭ ‬اللاحقين‭ ‬اتّهمه‭ ‬بالكفر‭ ‬والمروق‭. ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬يتساءل‭: ‬أنتّبع‭ ‬الإيمان‭ ‬العاطفي‭ ‬أم‭ ‬نحكّم‭ ‬العقل‭ ‬والمنطق‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬نعمل؟‭ ‬تُرى‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬المعرّي‭ ‬سيَعجب‭ ‬لو‭ ‬عرف‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬عرب‭ ‬اليوم‭ ‬يغتسل‭ ‬ببول‭ ‬الإبل،‭ ‬كما‭ ‬نشرت‭ ‬بعض‭ ‬الصحف‭ ‬العربية‭ ‬مؤخّراً؟‭ ‬أم‭ ‬سيعجب‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬أمير‭ ‬سعودي‭ ‬يرمي‭ ‬الجمار،‭ ‬لا‭ ‬واقفاً‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬حاسِرَ‭ ‬الرأس،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬قومٍ‭ ‬أتوا‭ ‬من‭ ‬أقاصي‭ ‬البلاد‮»‬‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬سيارة‭ ‬كاديلاك‭ ‬يجلس‭ ‬مستريحاً‭ ‬في‭ ‬مقعدها‭ ‬الخلفي‭ ‬الوثير،‭ ‬ويرمي‭ ‬الجمار‭ ‬على‭ ‬العمود‭ ‬الصخري‭ ‬الهائل،‭ ‬تمثال‭ ‬الشيطان؛‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬يرمي‭ ‬جمرات‭ ‬حجر‭ ‬صغيرة،‭ ‬أم‭ ‬حبات‭ ‬ملبّس؟

يريد‭ ‬المعرّي،‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬سنة،‭ ‬أن‭ ‬يسودَ‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تصرّفات‭ ‬البشر،‭ ‬ومنها‭ ‬موقفهم‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬نفسه‭:‬

يَرتجي‭ ‬الناسُ‭ ‬أن‭ ‬يقومَ‭ ‬إمامٌ ناطقٌ‭ ‬في‭ ‬الكتيبة‭ ‬الخرساءِ

كذبَ‭ ‬الظنُّ،‭ ‬لا‭ ‬إمام‭ ‬سوى‭ ‬العقلِ مُشيراً‭ ‬في‭ ‬صُبحه‭ ‬والمساءِ

فإذا‭ ‬ما‭ ‬أطعتَه‭ ‬جلبَ‭ ‬الرحمة عند‭ ‬المسير‭ ‬والإرساءِ

إنما‭ ‬هذه‭ ‬المذاهبُ‭ ‬أسبابٌ لجذبِ‭ ‬الدنيا‭ ‬إلى‭ ‬الرؤساء

بالأمس‭ ‬كانت‭ ‬المذاهب‭ ‬‮«‬دينية‮»‬‭ ‬واليوم‭ ‬غدت‭ ‬‮«‬سياسية‮»‬‭ ‬فما‭ ‬أشبه‭ ‬الليلة‭ ‬بالبارحة،‭ ‬لكن‭ ‬‮«‬الكتيبة‮»‬‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬‮«‬خرساء‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬سِفر‭ ‬التكوين‭ ‬من‭ ‬التوراة،‭ ‬وصف‭ ‬مفصّل‭ ‬لخلق‭ ‬الكون‭ ‬والأرض‭ ‬والسماء،‭ ‬وخلق‭ ‬آدم‭ ‬وحواء،‭ ‬وصفٌ‭ ‬متقارب‭ ‬لا‭ ‬يستدعي‭ ‬من‭ ‬القارئ‭ ‬المعاصر‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الجدل،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬الأديان‭. ‬وتكرّر‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬تلك‭ ‬الأوصاف‭ ‬والتفصيلات‭ ‬بشكل‭ ‬يكاد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حرفياً،‭ ‬ومن‭ ‬تلك‭ ‬الكتب‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬التيجان‭ ‬في‭ ‬ملوك‭ ‬حِميَر‮»‬‭ ‬نقلاً‭ ‬عن‭ ‬مخطوطة‭ ‬عمرها‭ ‬حوالي‭ ‬500‭ ‬سنة‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬‮«‬المكتبة‭ ‬الآصفية‮»‬‭ ‬من‭ ‬خزانة‭ ‬المعارف‭ ‬العثمانية‭ ‬في‭ ‬حيدر‭ ‬آباد‭ ‬بالهند‭. ‬حرّر‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬المخطوط‭ ‬وحققه‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬المقالح‭ ‬عن‭ ‬نسخة‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬الجامع‭ ‬الكبير‭ ‬بصنعاء،‭ ‬ونشره‭ ‬معهد‭ ‬الأبحاث‭ ‬والدراسات‭ ‬اليمنية‭ ‬بصنعاء‭ ‬عام‭ ‬1979‭.‬

والمخطوطة‭/‬الكتاب‭ ‬وصف‭ ‬لبدء‭ ‬الخليقة‭ ‬والبشر‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬قصص‭ ‬التوراة‭ ‬أو‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭. ‬لكن‭ ‬القسم‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬تفصيل‭ ‬عن‭ ‬ملوك‭ ‬حِميَر‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬بالأسماء‭ ‬والغزوات‭ ‬وأعداد‭ ‬الجيوش‭ ‬وتواريخها‭. ‬ولا‭ ‬تقصّر‭ ‬هذه‭ ‬الأوصاف‭ ‬والتواريخ‭ ‬عن‭ ‬إثارة‭ ‬العجب‭ ‬والتساؤلات‭ ‬عن‭ ‬صحة‭ ‬الأرقام‭ ‬والتواريخ،‭ ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬النظر‭ ‬العقلي‭ ‬والمحاكمة‭ ‬المنطقية‭ ‬لما‭ ‬نقرأ‭.‬

ولكن‭ ‬الكتاب‭ ‬مرجع‭ ‬مهم‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬اليمن‭ ‬وملوكها،‭ ‬ولو‭ ‬أننا‭ ‬نقرأ‭ ‬في‭ ‬‮«‬صُبح‭ ‬الأعشى‮»‬‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬التبابعة‭ ‬غير‭ ‬مضبوطة،‭ ‬وأمورهم‭ ‬غير‭ ‬محققة‮»‬‭. ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬لدينا‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬سد‭ ‬مأرب،‭ ‬ووصف‭ ‬أحوال‭ ‬بلقيس‭ ‬والملك‭ ‬سليمان،‭ ‬وحروب‭ ‬طسم‭ ‬وجديس،‭ ‬وعَقر‭ ‬ناقة‭ ‬صالح‭ ‬النبي،‭ ‬وبعض‭ ‬هذا‭ ‬مذكور‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬التيجان‮»‬‭ ‬يرد‭ ‬بتفصيلات‭ ‬أكثر،‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الدنيوي‭. ‬نقرأ‭ ‬في‭ ‬سفر‭ ‬التكوين‭ ‬عن‭ ‬سام‭ ‬بن‭ ‬نوح،‭ ‬ونقرأ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬ملكوا‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬نسل‭ ‬سام‭ ‬بن‭ ‬نوح،‭ ‬فكانوا‭ ‬أول‭ ‬الساميين،‭ ‬وأن‭ ‬حام‭ ‬بن‭ ‬نوح‭ ‬قد‭ ‬نزح‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬مصر،‭ ‬وأن‭ ‬النبي‭ ‬موسى‭ ‬قاد‭ ‬بني‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬سيناء‭ ‬حيث‭ ‬أمضوا‭ ‬أربعين‭ ‬عاماً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يرد‭ ‬لهم‭ ‬ذكر‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬كنعان،‭ ‬أي‭ ‬فلسطين‭. ‬فهل‭ ‬يكون‭ ‬أبناء‭ ‬حام‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬هم‭ ‬أبناء‭ ‬سام‭ ‬كذلك،‭ ‬كما‭ ‬يدعي‭ ‬أصحاب‭ ‬الديانة‭ ‬اليهودية‭ ‬في‭ ‬صيغتها‭ ‬السياسية‭ ‬اللاحقة؟‭ ‬يدعي‭ ‬هؤلاء‭ ‬دعاواهم‭ ‬بالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬التوراة‭ ‬التي‭ ‬يقولون‭ ‬إنها‭ ‬منزلة‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬موسى‭. ‬ولكن‭ ‬المؤرخين‭ ‬يقرّرون‭ ‬أن‭ ‬التوراة‭ ‬كتبها‭ ‬أحبار‭ ‬اليهود‭ (‬المعلمون‭) ‬في‭ ‬فترة‭ ‬السبي‭ ‬البابلي،‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬ق‭.‬م‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬منزلة‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬موسى‭ ‬في‭ ‬صحراء‭ ‬سيناء‭. ‬والسؤال‭ ‬الأول،‭ ‬لماذا‭ ‬طرد‭ ‬الفراعنة‭ ‬بني‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليهود‭ ‬من‭ ‬مصر؟‭ ‬في‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬التيجان‮»‬‭ ‬إشارات‭ ‬كثيرة‭ ‬إلى‭ ‬ضيق‭ ‬أهل‭ ‬اليمن‭ ‬وملوكها‭ ‬باليهود‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬العصور‭. ‬نقرأ‭ ‬على‭ ‬الصفحة‭ ‬311‭ ‬أن‭ ‬تُبّع‭ ‬بن‭ ‬حسان‭ ‬سار‭ ‬إلى‭ ‬الشام‭ ‬فلقيه‭ ‬قوم‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬عامر،‭ ‬وشكوا‭ ‬له‭ ‬خديعة‭ ‬اليهود‭. ‬فسار‭ ‬إلى‭ ‬يثرب‭ ‬ونزل‭ ‬في‭ ‬سفح‭ ‬جبل‭ ‬أحُد‭ ‬وقتل‭ ‬300‭ ‬يهودي‭. ‬كما‭ ‬نقرأ‭ ‬أن‭ ‬الأوس‭ ‬والخزرج‭ ‬طردوا‭ ‬اليهود‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬خيبر‭. ‬وهنا‭ ‬ينهض‭ ‬سؤال‭ ‬غرير،‭ ‬أو‭ ‬مُتسرِّع‭ ‬خطير‭ ‬إن‭ ‬شئت‭: ‬لماذا‭ ‬كان‭ ‬البشر،‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬الملك‭ ‬الآشوري‭ ‬نبوخذ‭ ‬نُصّر‭ ‬الثاني،‭ ‬ملك‭ ‬بابل‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬لهم‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬‮«‬غير‭ ‬الودود‮»‬‭ ‬من‭ ‬اليهود،‭ ‬واستمر‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬العصور‭ ‬إلى‭ ‬هتلر،‭ ‬الذي‭ ‬نجد‭ ‬بقايا‭ ‬من‭ ‬شظاياه،‭ ‬تتقافز‭ ‬تحت‭ ‬رماد‭ ‬لم‭ ‬تخمد،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬المانيا‭ ‬المعاصرة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬حزب‭ ‬سياسي‭ ‬أوروبي‭ ‬كبير‭ ‬معاصر؟‭ ‬في‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الرومية‭ ‬عام‭ ‬305م،‭ ‬وفي‭ ‬طليطلة‭ ‬الإسبانية‭ ‬عام‭ ‬612م،‭ ‬وفي‭ ‬ألمانيا‭ ‬عام‭ ‬1096‭ ‬م،‭ ‬وفي‭ ‬بريطانيا‭ ‬عام‭ ‬1190م‭ ‬و1290م‭ ‬كانت‭ ‬القوانين‭ ‬تُسنّ‭ ‬والمذابح‭ ‬تقام‭ ‬ضد‭ ‬اليهود‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬البلاد‭ ‬الأوروبية‭. ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬سؤال‭ ‬غرير؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية