بالعصا وحدها سيرحلون

حجم الخط
0

نائل بلعاوي لا شيء يدعو في سورية الآن للبهجة، لا قرارات العرب وتوصياتهم عقيمة الأثر على الارض هناك، ولا هذا النواح الاعلامي الهادر من كل حدب وصوب… ولا حتى المسيرات التضامنية – قليلة العدد والعديد بشكل سافر- في هذا البلد او ذاك.. لا شيء بعد، فأمام هذا النزيف المرعب للدماء، امام هذا القتل المعمد بمرجعيات سادية خالصة، في وجه هذا القبح غير المسبوق للعصابة الحاكمة، امام كل ما تقذف به الصورة السورية من احتقــــار وامتـــــهان بغيضين للوجود البشري برمته.. امام كل ما يمكن، وما لا يمكن استحضاره الآن من قباحات: لا تنفع التوصيات العربــــية والانــــذارات التركية، او تلك الاوروبية، ولا اغلاق حسابات القتلة او منعهم من السفر، او حصــــارهم وحصار سورية، اقتصاديا، لا تنفع بأي شيء يذكر، ولن تقود الى اي شيء فاعل ومٌنتـــظر.. قد تحد قليلا من حراكهم الخارجي ورحلاتهم الباذخة وصفقاتهم السوداء، قد تزعجهم وترفع اكثر من قدراتهم على اختراع الجديد من الشتائم والبذاءات، ولكنها، بكل الاحوال، لن تسقطهم او تحيلهم الى السجون والمقابر، ولن ترد الى سورية وشعبها:(استثنائي الشجاعة والتصميم) ما عليه ان يُرد: الكرامة والحق الطبيعي بالحياة، وتقودهم، للمرة الاولى، الى ضفاف الحرية الضائعة.

لا شيء يدعو للبهجة هناك، ولا شيء هنا. هناك: تعمل العائلة الحاكمة، ومن لف لفها، على خلق حالة من الركود السياسي / الامني، تتحول معه المشاهد اليومية المرعبة الى: – مشاهد طبيعية – لا تختلف ردود الفعل التي تثيرها عن تلك الناجمة عن حوادث الطرق، فما الفرق، هنا، عند النظام الوحشي، بين ضحايا القتل العمد الذي تمارسه اجهزة الأمن وتخرق حدود الفنتازيا من اجله، وبين ضحايا المركبات الكثيرة على الطرقات.. لا فرق على الاطلاق، فالنظام، الى كونه المتحكم الأزلي بكل شيء ادمي وحيواني واقنصادي وجغرافي.. الخ، هو، ايضا: – يد الله العظيمة في البلاد – وعليه، بالتالي، ان يقرر ويختار الوسائل الصالحة للفناء: سلخ الجلد.. الذبح.. الرصاص.. او خروج مركبة قديمة عن الطريق وفناء اصحابها.. لا فرق، اذ ان المطلوب، في الحالتين، هو الحفاظ على المعدل الطبيعي لأعداد الضحايا، وقد نجح النظام فعلا في تثبيت اعدادها: 25 شهيدا لليوم الواحد.. او 30 لمثله.. اكثر او اقل قليلا احيانا؟ المهم ان الارقام قريبة من بعضها البعض، ولا تخرج عن سياقها – الرباني – المنشود، ذاك الذي نعرف ارقامه على الطرقات.

تبنى النظام السوري قاعدة اللا فرق – هذه، وراح يرتب اوراقه في ظلها، فهو يقتل بانسجام كلي مع طبيعة المشهد الذي يخترع، وهو يعمل، بانسجام كلي، مرة اخرى، مع طبيعته الانانية، على حراسة مصالحه الاقتصادية وفقط: قاعدة اللا فرق تفعل فعلها القبيح هنا ايضا، وتأخذ ابعادا جديدة (جديدة بأشكالها شديدة الوضوح الآن، وليس سياقها التاريخي المعتاد)، اذ سيان، في عقيدة النظام، ان يموت السوري، في هذا الشتاء القارس، لنقص صارخ في المازوت الضروري لتدفئة المنازل، والضروري، في آن، لعمل الدبابات المشغولة بالقتل وهدم البيوت. وسيان: ان يعثر السوري على المواد الغذائية الاولية، او لا يعثر… ان يسافر او لا يسافر… ان يفرح او يحزن.. ان يعيش او لا يعيش. فالمهم هو البقاء للعائلة / النظام، ومن لف من المرتزقة لفهما.

ولتذهب البلاد والعباد الى الجحيم. تلك قاعدة العمل الداخلي للنظام، وتلك، من ناحية ثانية وبفلسفة متطابقة تماما مع الأولى، هي القاعدة التي يتبناها القتلة مع العالم الخارجي، اذ سيان، على هذا الصعيد، ان تتبنى الجامعة العربية هذا القرار او ذاك، ان تعود لتصحيح هذا النوع من العقوبات او ذاك، او لا تعود. ان تصدر مجالس حقوق الانسان اداناتها المتكررة او لا تصدر.. ليس مهما ان يحدث ما يحدث، ويصعب سرده الآن، من ردود الفعل العالمية وعلى كل الاصعدة. فالمهم والوحيد عند النظام السوري هو ان لا تخرج الطائرات، من هنا وهناك، لتدك حصونه المنيعة: (منيعة هي في وجه الشعب الاعزل، وكرتونية تماما حين تواجه الخارج)، هل ينبغي، الآن، استحضار الأمثلة الحية والعديدة على هشاشة الة النظام العسكرية وحصونه المنيعة، في وقت لا يزال فيه الطنين الكبير للطائرات الاسرائيلية المتجولة في سماء دمشق، يدوي في رؤوس الدمشقيين، ناهيك عن تذكر المسافات القصيرة الفاصلة بين قصور القتلة ومرتفعات الجولان السورية المحتلة، والقائمة تطول، كما تطول قائمة العقوبات الآن ضد النظام ولا تنفع.

هناك: يستمر النظام في خلق – المشهد الطبيعي – ويرسم اليات الحفاظ عليه. اما هنا: خارج اسوار سورية، فالمشهد مختلف، ولا يصلح، بكل الاحوال، ان يكون طبيعيا او منسجما مع حدود الكارثة في البلاد. هنا: تواصل اطياف المعارضة السورية لعبة الرهانات على اوراق، تعرف هي بلا شك محدودية فرصها بإسقاط النظام: (ارتفاع وتيرة الضغط الشعبي.. والقتلة يقتلون كما نعرف. توسيع دائرة العقوبات الاقتصادية.. والقتلة لا يكترثون، فهناك خطوط ايرانية واخرى لبنانية قادرة على مد النظام بأسباب البقاء العائلي. ادانات المنظمات الدولية والعربية وتظاهرات في مدن الارض.. والنظام يتجاهل، بل يسخر ايضا، من كل ما تقدم ذكره، ويراهن، حين تسوء الامور، على سخافة الفيتو الروسي او الموقف الصيني). ولا تعرف، تلك المعارضة، او تخشى ان تعرف، ان توحيد موقفها، الآن، خلف فكرة واحدة، انسانية العمق تماما، هو الضامن الفعلي لشرعيتها وقدرتها على تمثيل العذابات في الداخل، وهو المؤشر الحقيقي على استيعابها اللحظة الراهنة هذه، فهي ادرى، كما نفترض، بشعاب الشام، وتعرف بالتالي ان النظام الوحشي هناك، لن يسقط بما تراهن عليه من اوراق، بل، وفقط للأسف، عبر وسائل التدخل الخارجي وبمختلف الصفات والطرق.

توحيد موقف المعارضة خلف ذاك القرار الانساني: قرار التدخل الخارجي، والعمل الموحد على تحقيقه، هو المطلوب الوحيد من اطيافها اليوم، وهو الضامن الوحيد لشرعيتها غدا، فلا يعقل او يجوز، ان تبقى مصائر الشعب السوري رهينة بين يدي القتلة. ولا يعقل او يجوز ان تواصل المعارضة: (الممثلة المفترضة لذلك الشعب) رقصتها الاثيرة حول نفسها، وان تغض الطرف (هناك اصوات فردية مختلفة الموقف بالطبع) عن رغبة شعبها المعلنة بالخلاص الفوري… الخلاص الذي لن نراه، ولن يعرف الشعب السوري مذاقه المنتظر، بدون وسائل التدخل الخارجي، والعسكري منه تحديدا.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية