باليه انقطاعات القلب: بروست والبحث عن الزمن الضائع

من صفحات رواية «البحث عن الزمن الضائع» للكاتب الفرنسي مارسيل بروست التي يزيد عددها عن أربعة آلاف صفحة، خرج المصمم الفرنسي أيضاً، رولان بيتي، بساعة ونصف الساعة هي مدة عرض باليه «انقطاعات القلب» Les intermittences du coeur الذي عُرض للمرة الأولى عام 1981. ويحتوي على خمس عشرة رقصة ولوحة تعبيرية، مستلهمة من أحداث الرواية وذكرياتها الهائلة، وتعبر عن مجموعة من شخصياتها، وتصف تكوينهم النفسي وأعمق مشاعرهم المعقدة وأسرارهم الخفية، من خلال الرقص والأداء الحركي، على وقع موسيقى نابعة هي الأخرى من الرواية، أشار إليها مارسيل بروست من خلال كتابته.
هناك الكثير من مؤلفات كلود ديبوسي، بالإضافة إلى بعض المقطوعات لكل من لودفيغ فان بيتهوفن، وريتشارد فاغنر، وكامي سان صانس، وغابرييل فوريه، وسيزار فرانك. وكما أن لرواية «البحث عن الزمن الضائع» خصوصيتها الفنية والأسلوبية والفكرية، وعلاقتها الفريدة بالزمن، وباللحظة الآنية التي تصبح من الماضي بمجرد مجيء اللحظة التي تليها، ومحاولات البحث عن تلك اللحظة الذاهبة والإمساك بها، والاستدعاء الذهني لعدد رهيب من هذه اللحظات، ما يخلق الشعور أحياناً لدى البعض، بأن الكاتب كان يعيش في زمن خاص به وحده، غير محدد الملامح، يقع بين الماضي والحاضر، أو بين الحلم والحقيقة، وربما بين اليقظة والنوم. فلهذا الباليه خصوصيته الفنية أيضاً وتفرده الواضح.
فقد تأثر المصمم رولان بيتي بعلاقة مارسيل بروست بالزمن، ونقلها بمهارة إلى الباليه، الذي عكس روح الرواية، وأجواءها الزمانية والمكانية، والنفسية والعاطفية إلى حد بعيد. ويعد «انقطاعات القلب» من العناوين المختلفة والمتميزة في قائمة أعمال هذا المصمم المرموق، وفي عالم الباليه الحديث بشكل عام، من حيث طلاقة الجسد وبلاغة الحركة، والابتكار في تشكيل تكوينات جسمانية لم تُر من قبل، والتحرر في التعبير عن العلاقات الحسية المعقدة، التي وصفها مارسيل بروست في روايته. وتبدو الرقصات متناثرة وكذلك الشخصيات، وكأنه لا وجود لرابط يجمع بينها، لكن الرابط موجود بالفعل بصورة أو بأخرى، سواء في ذهن الكاتب والمصمم، أو من خلال علاقات متشابكة تصل بين الشخصيات، وإن كان عن بعد. وبالطبع لم يتناول الباليه إلا القليل من شخصيات هذه الرواية الضخمة الهائلة، التي تزدحم صفحاتها بذكريات يرويها بروست، عن حياة عرفها، وطبقة أرستقراطية عاش بينها، وأشخاص اقترب منهم ومن حكاياتهم وأسرارهم، ونساء أحبهن واكتشف خبايا قلوبهن وأجسادهن، وغراميات اختبرها وغرق في تعقيداتها. أما عنوان الباليه «انقطاعات القلب» فإنه يشير إلى عبارة من عبارات مارسيل بروست، التي صاغها بنفسه في الجزء الرابع من الرواية على الأرجح، وهو الجزء الذي يتناول العلاقات الحسية بأشكالها المختلفة، بشكل أكبر من بقية الأجزاء. لكن الباليه لا يعتمد على هذا الجزء فقط، ويمتد إلى خارجه منتشراً في أرجاء الرواية، ولكي لا يضيع المتفرج تماماً، وضع المصمم رولان بيتي لكل رقصة عنواناً تعريفياً، وعبارة أو اثنتين، من أجل الإشارة إلى الشخصية الراقصة، والمقاطع الخاصة بها في الرواية، وتاريخها النفسي والعاطفي. كما منحها القطعة الموسيقية التي تلائمها، سواء كانت من اختياره أو فرضها عليه بروست، لكنها في النهاية تدور في إطار الرواية، وإن تغير أو تبدل ارتباطها بالشخصيات والأحداث.

يتدرج الأداء الجسدي لدى رولان بيتي في هذا العمل، من السكون والتعبير، بالاعتماد على الجمود التام، إلى أقصى انطلاق حركي للجسد، وإعادة تشكيله بقسوة متطرفة أحياناً، والخطوات السريعة التي تظهر مدى التوازن والقوة البدنية للراقصين. كما أتاحت له طبيعة الرواية أن يقوم بتصميم الكثير من الرقصات الثنائية، التي تعد الأجمل في هذا العمل، وأكثر من رقصة جماعية، بعضها يعد معقداً بالغ الصعوبة، ومبتكراً بشكل لافت. وكذلك يحتوي الباليه على بعض اللوحات التعبيرية، التي تعتمد على الكثير من الأداء التمثيلي الصامت، والقليل جداً من الحركات والإشارات الخفيفة، كما في الافتتاحية ولوحة الختام. وفي كل منهما يظهر الكاتب مارسيل بروست، أو من يجسد شخصيته ويشبهه إلى حد التطابق، لكن المصمم لم يحوله إلى شخصية راقصة، بل جعله جالساً على مقعد، شاخصاً ببصره، لا يتحرك أبداً، بينما يزدحم المسرح بالشخصيات من حوله، وكأنها تتصارع داخل ذهنه.
يبدأ الباليه في صالون السيدة فيردورين، حيث يوجد مارسيل بروست، وسط عشيرتها الأرستقراطية، ويتصاعد صوت المغني الذي يردد أغنية «القمر الأبيض» لغابرييل فوريه، وتكاد تخلو هذه اللوحة الافتتاحية من الرقص، أو حتى الحركة، ما عدا بعض التمايلات البسيطة، أو تحريك الرؤوس والأيدي ببطء على أنغام الأغنية، ويتصرف الجميع بخيلاء، بينما يظل مارسيل بروست على كرسيه جامداً كالتمثال. ولا يظهر بعد ذلك إلا في لوحة الختام، وفي الوضعية نفسها أيضاً، ساكناً لا يتحرك، وقد زادت الشخصيات من حوله عدداً وحركة وصخباً، وهذا يجعل الباليه أشبه برحلة داخل عقل مارسيل بروست. يبدأها المشاهد واعياً بوجوده، ثم ينساه بعد ذلك، ويندمج مع الشخصيات بعيداً عن مؤلفها، إلى أن يحين موعد انتهاء الرحلة، فيرى الكاتب مرة أخرى، ويعي من جديد وجوده داخل خيال المؤلف. وإن كان ما يرويه قد يكون فيه الكثير من الوقائع والذكريات والشخصيات الحقيقية، لكنها تحولت إلى خيال بمجرد روايتها، وأصبحت خاضعة لمن صاغها فنياً من منظوره، ومنحها الأسماء والصفات الشكلية والنفسية، كما يراها هو ويتصورها. وإلى جانب لوحتي البداية والنهاية، قدم المصمم بعض الشخصيات الأخرى في لوحات تعتمد على الأداء التمثيلي الصامت، وتكاد تخلو من الرقص، كشخصية دوقة غيرمانت، التي تعتمد على الكثير من تعبيرات الوجه، والقليل من الحركات الخفيفة، وهي تقف أمام مرآتها، وتواجه حقيقتها كزوجة وحيدة تعيسة، لزوج يخونها باستمرار. وكذلك شخصية لا بيرما الممثلة، المتخصصة في أداء تراجيديات راسين، التي تظهر في اللوحة السادسة من الباليه، وتؤدي الكثير من التعبيرات الدرامية على الطريقة القديمة في فن التمثيل.
قسم المصمم عمله إلى قسمين، منح كل منهما عنواناً شاملاً تندرج تحته العناوين الفرعية للرقصات، القسم الأول بعنوان «مشاهد من جنة بروست» والقسم الثاني بعنوان «مشاهد من جحيم بروست». والجحيم بالطبع هو الجزء المختص بالعلاقات الأخطر والأكثر تعقيداً، أما القسم الأول فيتناول مشاعر الحب البسيطة، والمرح البريء والجمال الوديع في بعض رقصاته، كرقصة الفتيات بالملابس الخفيفة على شاطئ البحر، أو رقصهن بالملابس الكلاسيكية البيضاء، والتشكيلات التي تصنع بواسطة مظلاتهن الأنيقة، ومن الرقصات الجماعية أيضاً، رقصة الجنود، ورقصة فتيات الهوى مع شارلوس، والرقصة المعقدة بين امرأة وثلاثة رجال، التي تكاد تشبه تكوينات تشكيلية مرسومة بالأجساد، وذات حركة ديناميكية تعتمد على هذا التكوين التشكيلي، حيث يتحرك كل جسد بالاعتماد على الآخر، في لوحة تشكيلية متحركة رسمها رولان بيتي، أو عدة لوحات في لوحة واحدة. ويحتوي الباليه على خمس رقصات ثنائية، كان لشخصية سوان بطل الرواية النصيب الأكبر منها، فهو يؤديها جميعاً ما عدا رقصة موريل مع سان لو، ورقصة ألبرتين مع أندريه، وألبرتين هي عشيقة سوان، ومعها يؤدي رقصة تعبر عن ذلك الحب وما يطغى عليه من شك وغيرة. ومع عشيقته الأولى أوديت، يرقص سوان أيضاً رقصتين، أجملهما هي رقصة الكاتليا، تلك الزهرة التي ذكرها مارسيل بروست في الرواية، كتعبير مجازي عن العلاقة الحسية بين سوان وأوديت، وكانت شيفرتهما السرية التي لا يفهمها سواهما.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية