بانتظار البثّ العربي لـ فرانس 24 : موازنة بين فضائل ماركس ونقص الاموال!
توفيق رباحيبانتظار البثّ العربي لـ فرانس 24 : موازنة بين فضائل ماركس ونقص الاموال!مر شهران ونصف الشهر علي انطلاق قناة فرنسا الاخبارية الدولية فرانس 24 باللغتين الفرنسية والانكليزية، لكن لا جديد عن اللغة العربية، برغم ان الهدف اساسا هو المنطقة العربية باعتبارها مصدر قلاقل وجمهورها مشي فاهم الدنيا والغرب ومحتاج توعية. لهذا السبب جاءت الحرة وستتبعها فرانس 24 وربما قناة روسية بالعربية (حتي روسيا الجائعة تعتقد اننا لم نفهمها وانها تتحمل مسؤولية تنويرنا).قبل، وفي انتظار، البث علي الهواء، تكتفي فرانس 24 بالعربية بموقع الكتروني متواضع شكلا ومضمونا يجعلك تتساءل اذا ما كانت القناة التلفزيونية ستكون بمستواه. حالة تذكرك بأن اللغة العربية هي الخروف الاسود ، كما هو حالها في صحافة الدول المغاربية، حيث تبدو الصحافة المفرنسة افضل واكثر اقناعا وقدرة علي التأثير من نظيرتها المعربة.عناوين الاخبار بالموقع الالكتروني لـ فرانس 24 لا تزال هزيلة، اتذكر منها (يوم الاحد) غينيا: عدد الضحايا مرشح للارتفاع (ضحايا مَن؟ ماذا؟ متي؟ الخ)، و سبعون قتيلا في انفجارات ببغداد و قاض فرنسي يأمر بسجن فلان بتهمة الارهاب و بدء التحضيرات لمحاكمة تفجيرات مدريد (بغض النظر عن ركاكته، ظل العنوان موجودا بينما اوشك اليوم الاول من المحاكمة علي الانتهاء. كان ذلك الخميس الماضي).مهم التنويه الي ان فرانس 24 بالانكليزية (الفرنسية مسحتها من جهازي حتي لا اثقل عليه طالما انها نسخة من الانكليزية) لا تختلف كثيرا عن الجزيرة الانكليزية و سكاي نيوز ، لكن لا اعتقد ان النسخة العربية ان كانت بالمستوي المهني الذي عليه الموقع الالكتروني ستطيح بـ الجزيرة و العربية من علي عرش الفضائيات المؤثرة في الرأي العام العربي. وليس بهذا المستوي ستنافس فرانس 24 العربية نظيرتها بي بي سي المنتظرة والتي تقف علي رصيد عمره 70 عاما.بعد انطلاقها في السادس من كانون الاول (ديسمبر) الماضي، اجرت فرنس 24 استطلاعات رأي حول نسب المشاهدة والتوقعات، وكذلك زيارة موقعها الالكتروني، نشرت نتائجها الاسبوع الماضي. باختصار شديد، تشير النتائج (بحوزتي نسخة منها لمن اراد الاطلاع) الي اقبال كبير علي هذه القناة جعل اصحابها يسعدون ويتفاءلون كثيرا بمستقبلها.هذا حال البث الفرنسي والانكليزي، ويبقي البث العربي هو اللغز، كما هو الجمهور العربي ومنطقة انتشاره. لا شيء يدعو للاعتقاد بانه سيكون فاشلا، لكن لا يوجد ما يدعو الي التفاؤل غير الواقعي. بعض اسباب عدم التفاؤل تكمن في ان مقاييس النجاح هذه الايام فرضتها تقاليد تلفزيونية انكلوساكسونية تختلف وتتفوق علي الثقافة الفرنسية الادارية والاعلامية والسياسية. اضف لذلك ان التلفزيون صورة ومضمون. من اسباب نجاح الجزيرة ما استثمرته من اموال في العتاد، لكن ايضا في جلب محررين ومذيعين (اناثا وذكورا) من كل مكان. النجوم يصنعون جزءا من نجاح وانتشار هذه القناة او تلك. وفي حدود ما هو متاح من معلومات من مصادر موثوقة، لا تبدو فرانس 24 علي استعداد للاستثمار في البشر، في الوقت الراهن علي الاقل. بلغة اوضح، هي ليست مستعدة لجلب مذيعين ومقدمي برامج من طراز بعض الموجودين لدي الجزيرة و العربية ، لانها لن تستطيع ان توفر لهم نفس الرواتب والمغريات المادية. يهم التذكير ان ميزانية فرانس 24 للعام الجاري هي 86 مليون يورو، بينما تقارب ميزانية بي بي سي ما يعادل 600 مليون يورو و سي ان ان ما يعادل مليار يورو. الي جانب المال، هناك واقع اخر يحول وجلب فرانس 24 صحافيين ومذيعين من خارج فرنسا بسهولة بسبب التعقيدات الادارية في موضوع التأشيرات والاقامات وتراخيص العمل. هذا الواقع سيضطر اصحاب القناة الجديدة الي الاكتفاء بالموجودين اصلا في فرنسا، وفي احسن الاحوال الموجودين داخل نطاق دول الاتحاد الاوروبي المسموح لهم بالتنقل والاقامة في التراب الفرنسي دون تعقيدات تذكر. لم تجد فرانس 24 الفرنسية مشكلة في هذا المجال باعتبارها في بلد المنبع، واستفادت الانكليزية من صحافيين ومذيعين (اغلبهم غير فرنسيين) لهم ارتباطات مع فرنسا بحكم وظائف حالية او سابقة بمكاتب ومؤسسات اعلامية دولية او فرنسية. لكن لا اعرف من اين ستغرف النسخة العربية لتلبي حاجاتها البشرية.لم تشعر القنوات العربية الكبري بباريس بالخوف من هروب مراسليها الي فرانس 24 العربية. وبحسب معلوماتي، القلق الوحيد تعيشه اذاعة الشرق التي تخشي نزيفا ويبدو انها بدأت تبحث عمّن مِن موظفيها عينه علي فرانس 24 او عين هذه عليه.لسوء حظ فرانس 24 ان الخزّان الحقيقي للصحافيين والصحافيات والمذيعين والمذيعات ليس في فرنسا او دول الاتحاد الاوروبي، بل بالدول العربية، خصوصا المغاربية (بسبب العوامل التاريخية واللغوية المعروفة) التي يحلم مئات العاملين في تلفزيوناتها بمكان في قناة كبري تسمح لهم بالانتشار وتحسين احوالهم المادية والمهنية. وهناك خزّان ثان كان يمكن ان تستفيد منه فرانس 24 يتمثل في الصحافيين والمذيعين العرب العاملين في قنوات خليجية ربما تريحهم ماديا، لكنها لا توفر لهم الشعور بالامان والثقة في مستقبلهم ومستقبل ابنائهم. فبعض المحطات التلفزيونية الخليجية ليست مشاريع اقتصادية تخضع لقوانين السوق بقدر ما هي تجسيد لنزوة هذا الشيخ او ذاك وضع فيها ما زاد من امواله.والاقامة في دول الخليج مرتبطة بعقد العمل، وعقد العمل هذا غير آمن وغير مضمون، بل قد يتوقف علي مزاج صاحب العمل ازاء المشروع ككل او ازاء موظف/موظفة به في غياب تام للتقاليد النقابية. نزوة عابرة او خطأ مهني بسيط قد يعيدك الي نقطة الصفر ويحطم مستقبلك ومستقبل اولادك.بحوزتي سابقتان تعززان كلامي: قبل ثلاث او اربع سنوات، تخلت قناة ابوظبي الفضائية، ببساطة كبيرة، عن نحو 70 او 80 موظفا باقسام الاخبار والانتاج لاسباب قيل انها تتعلق بـ ترشيد النفقات . هناك من المسرّحين من كان قد التحق بالقناة قبل شهور معدودة، وهناك من قامت القناة علي اكتافه.والسابقة الثانية عندما انطلقت خليفة تي في الجزائرية من لندن في 2002. برغم هشاشة المشروع وعلامات الاستفهام حوله، بالنسبة للمتابعين الجيّدين، فقد اودع عشرات المذيعين والمذيعات، جزائريين وعربا، طلبات توظيف. وكان بين من اودعوا طلبات او سعوا لوساطات، مذيعون ومقدمو نشرات اخبار معروفون بقنوات عربية كبري في دول الخليج، بينها دبي و ابوظبي و الجزيرة .لن اخترع شيئا لو قلت ان وراء ذلك الاقبال عدم الشعور بالامان والخوف من المستقبل في الخليج، بينما تتيح فرصة عمل ببريطانيا، مثلا، لصاحبها فرصة الاقامة النهائية والتجنس بعد سنوات معدودة.ولن اكشف سرا لو قلت ان التاريخ يعيد نفسه وان فرانس 24 تغري نفس هذه الفئة من الصحافيين والمذيعين اليوم. بل علمت في سياق الاعداد لهذا المقال ان فرانس 24 تسيل لعاب عاملين بـ الحرة مقيمين بواشنطن توحي مظاهرهم بانهم في احسن الاحوال وتخفي بواطنهم غير ذلك.غير ان الواقع الفرنسي لا يسهّل تحقيق احلام هؤلاء، واذا كان هناك امر يستحق المحاولة، فهو الجانب الاجتماعي. فنظام التغطـــية الاجتـــــــماعية في فرنسا هو ربما ما حلم به كارل ماركس في بحثه عن اشـــــــتراكية فاضلة كاملة . علي سبيل المثال، في فرنسا هناك ميكانزمات تمــــــــكّن صاحب العمل من مساعدتك في موضوع السكن، من دفع جزء من تكاليف تنقلك اليومي الي العمل، ونسبة من كلفة الوجبة التي تطلبها وجودك بالعمل الخ. ناهيك عن امتيازات الطبابة ومِنَح الاولاد والزوجة وغيرها.دم غال وآخر رخيص بيروت اقرب للتلفزيون الجزائري من ولايتي بومرداس وتيزي وزو الواقعتين علي مرمي حجر من العاصمة. عندما هزت سبعة تفجيرات بالقنابل بلدات بالولايتين الاسبوع الماضي، في اليوم نفسه لتفجير حافلتي ركاب ببيروت، بث التلفزيون الجزائري صورا عدة من بيروت لكن ولا صورة واحدة من بومرداس وتيزي وزو. لا اعتقد ان في الامر منعا رسميا بدليل ان قنوات اجنبية عدة صوّرت وبثت الصور، بل اتوقع ان التلفزيون الجزائري ذاته صوّر، كعادته، ثم قرر غلاة الوطنيين عدم بث الصور معتقدين ان تجاهل الحدث يعني عدم وقوعه.حري بالصحافيين الجزائريين الذين شعروا ان كبرياءهم الوطني جُرح، فكتبوا سائلين هل دم الجزائريين ارخص من دم اللبنانيين (لان حكومات عدة نددت بتفجير بيروت وتجاهلت تفجيرات الجزائر) حري بهم ان يبحثوا عن من البادئ بترخيص دم الجزائريين، رغم ان الجواب واضح: دم الجزائريين رخص، اولاً، منذ سنوات، بسوق 21 شارع الشهداء، الجزائر العاصمة. كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]